ذاكرة الموت السبتمبري..خمس سنوات والدرب مرصوف بآلام ودموع الأُمهات

الخرطوم “تاق برس” – الزين عثمان – الخامس والعشرون من سبتمبر بتوقيت (الرصاص)، وقتها كانت الخرطوم مدينة تهدر بأصوات شبابها وصغارها في مدنها الثلاث كانوا يُجملون للغد مممشاً.. تخرج هتافاتهم (الشعب يريد إسقاط النظام)..

في الضفة الاخرى من النهر كانت السلطة تجلس في قصرها يردد اهلها نص الربيع الشعبي (إذا الشعب يوماً اراد الحياة فلابد ان يستجيب القدر ولابد لليل ان ينجلي ولابد للقيد ان ينكسر)، كان الشعب يومها “ممسكاً زمام أمره ومتوسدًا لهيب جمره”، لكن النيران التي كانت أقرب لان تلتهم بيوت السلطة القائمة على باطل عدم إستجابتها لما يريد الناس، سرعان ما انقلبت لتشتعل في قلوب الأمهات والأباء, كانت رصاصات القناصة تخترق قلوب الأمهات قبل ان تضع نهاية لحياة ضغارهن وصغيراتهن .

خمس سنوات من احداث سبتمبر.. الإحتجاجات التي اندلعت في العام 2013 بشكل تلقائي من الشباب، رفضاً  لسياسات الحكومة وإعلانها رفع الدعم عن (المحروقات)، بالطبع لم يكن اعلان رفع الدعم عن المحروقات سوى فتح لبوابة الموت على مصراعيها، الموت الذي لم يفرق يومها بين طالب ثانوي او طالب جامعة، لم يفرق بين شاب وشابة، بل انه حتى تجاوز فرضية التفريق بيننا على اساس انتمائتنا القبلية واتجاهاتنا بين الشرق والغرب الشمال وما تبقى من الجنوب.

خمس سنوات وما زال السؤال يتردد : “من إغتال شباب السودان؟”، في احد اجاباتها تقول الحكومة ممثلة في لجنة الدفاع بالبرلمان ان عربات من غير لوحات هي التي تسببت في موت الشهداء، لكن السلطة تمضي أكثر في ذلك حين تعلن إستعدادها لتعويض أسر الضحايا ودفع الديات.

بالطبع، هذا الامر رفضته لجنة شهداء وجرحى سبتمبر وهي تؤكد على شئ واحد تريده، “العدالة المفضية للقصاص ولا شيء آخر” .

خمس سنوات مرت على أحداث سبتمبر ربما يبدو سؤال الراهن ما الذي تبقى الآن ؟ تجيب احداهن وهي والدة الشهيد هزاع (اكثر الاوطان اوجاعا هو ذلك الذي يتم تعريفه بانه دموع الامهات، تردف خمس سنوات والدرب مرصوف بالآلام، خمس سنين وذاكرة غيابهم تتداخل وذاكرة عجزنا في الوصول الي قاتليهم خمس سنوات دون ان نجد إجابة على السؤال “بأي ذنبٍ قُتلوا؟ وعند الأمهات “محروقات الحشاء”، لا شيء غير انه سبتمبر الممهور بالغم، وأن لا طريق نحو الراحة الا بالوصول الى غاية القصاص، باعتبارها مطلوب اللحظة وكل القادم.

بالطبع فان سؤال الراهن الآن هو : “ما الذي بامكانه تجفيف دموع الأمهات؟، ما ينطبق على أم هزاع ينطبق علي مجمل واقع امهات شهداء سبتمبر، وهن ينتظِرن القصاص لأرواح “راحت هدر”.

اليومين الماضيين، كانت تقارير رسمية يتم تداولها على وسائط التواصل الاجتماعي، وهي عبارة عن رصد قامت به وزارة العدل لإحصاء الشهداء في سبتمبر، وهو التقرير الذي يمثل امتداداً لافادات سابقة لطبيب التشريح الشرعي “عقيل سوار الدهب”، الذي قال في إفادات انه كان قد شرّح ما يزيد عن مائة جُثة، وان معظمها تم اغتيالها بالضرب في الراس والصدر، التقرير الذي يشير ايضاً لمكان الوفاة وتاريخها وقبيلة المجني عليه، كان يجد ردودًا عليه من قبل اعضاء لجنة شهداء وجرحى سبتمبر، وهي لجنة تتكون من اسر الضحايا.

بالنسبة للصحفية ايمان عبد الباقي شقيقة الشهيدة الدكتورة سارة عبدالباقي فان التقرير المنشور لا يحتوي على جديد، وان معظم الاسماء التي ظهرت فيه هي في الاساس مرصودة من قبل الناشطين في وسائط التواصل الإجتماعي، وتردف ايمان قائلة : “إن اي تقرير يخرج من الحكومة لايمكن الاعتماد عليه خاصة في جريمة بشعة مثل جريمة سبتمبر، خاصة وان الحكومة لم تعترف بوجود شهداء الا بعد قرابة العامين وبعد أن طرحنا القضية في كافة المنابر، لدرجة ان الحكومة وصفت الشهداء بالمرتزقة”.

تمضي ايمان في القول : “عموما حتي لو وزارة العدل سلمت هذه الاسماء للسفارات الاجنبية بالتاكيد سيكون بطلب من السفارات في إطار الرقابة على حقوق الانسان وبشكل روتيني.. وعموما انا متاكدة بحكم عملي لفترة في لجنة التضامن مع شهداء سبتمبر، ان اللجنة قد سلمت تقارير كاملة بأسماء الشهداء وايضا الجرحى للسفارات المعنية بحقوق الإنسان والانتهاكات في سبتمبر.

وتمضي ايمان في اقوالها “عموما التقرير لا اعتقد يمكن الاعتماد عليه بصورة كاملة، بالطبع فان ما تبقي من سبتمبر ايضاً حالة من الخلاف حول التحديد القاطع لرقم الشهداء ففي الوقت الذي تعلن فيه الحكومة عن رقم تعلن اللجنة عن رقم مختلف تماماً.

في ذاكرة سبتمبر الخامسة بالطبع ينطلق السؤال حول ماهو دور المعارضة في الاحداث التي إندلعت يومها؟؛ الاجابة بالنسبة للكثيرين هي ان المعارضة اكتفت “بالتفرج” ولم تسعى لتنظيم الحراك الذي كان بامكانه تغير مشهد البلاد، وتحقيق غاية التغيير حتى وان كان إسقاط النظام.

المعارضة التي لم تشارك يومها في الشارع غابت ايضاً عن الحراك الذي كان بامكانه ان يعيد حقوق الضحايا مستقبلاً، وان يضمن محاكمات عادلة فيما حدث؛ ولكن على العكس، انخرطت عدداً من القوى السياسية فيما اصطلح على تسميته (حوار الوثبة) الذي وجدت الحكومة نفسها مضطرة لاقامته من اجل تخفيف حدة الضغط الممارس عليها شعبياً.

حسناً، يتجاوز الكثيرين التصريح بالعبارة (ان المعارضة او بعض مكوناتها قد باعت دم الشهداء في سوق النخاسة والتسويات السياسية)، فيما تبدو الحقيقة الآن هي تمسك أُسر الشهداء بحقهم في القصاص وان طال السفر.

حين تردد الامهات نص رفضهن لاي مساومة فيما يتعلق بدماء اولادهن تقول إحداهن وهي تجاهد من اجل السيطرة على دمعتها (انا مستعدة اشحد لكن ما باكل من دم ولدي).. وتُردد اخرى “ابنتي هي ابنة كل الشعب وانه لابد من سيادة الحق وان طال السفر”.. تُكمل المشهد الحزين ام ثالثة وهي تؤكد ان كل من يمت في مواجهة هذا الواقع هو إبن رحمها وان كانت امه اخرى”

يقول الواقع الان انه خمس سنوات من سبتمبر ولا شئ غير (دموع وأحزان الأمهات)..

قد يعجبك ايضا

تعليقات

Loading...