خبير إقتصادي: البنوك في السودان منهارة و أزمة السيولة مصنوعة

الخرطوم “تاق برس” حوار- محمد الشناوي – كشف الخبير الاقتصادي الدكتور فيصل حسن عوض عن الاسباب الرئيسية لطباعة النقود والتي تكمن في التخلص من الهالك اي استبدال الاوراق المهترئة باخري جديدة علي ان لايترتب هذا الاجراء باي اثر اقتصادي وتحفيز الطلب علي السلع والخدمات فضلا عن تشجيع المنتجين علي زيادة المعروض واضاف د فيصل  في حوار مع (التيار) هناك اسبابا لطباعة العملات والتي ياتي لتغطية نفقات الدولة العامة حينما لاتوجد ايرادات حقيقية واتهم  فوضي ارتفاع الاسعار في السوق السودانية الى الجماعة الحاكمة.
هناك فوضي كبيرة في الأسواق، والأسعار مرتفعة ومتفاوتة، فإلى ماذا تعزيها، وهل فقدت الحكومة السيطرة على الأسواق؟
الفوضى سببها الجماعة الحاكمة، وهم قادرون على حَسمها لو أرادوا ذلك.
ما سبب ارتفاع الدولار، خاصة وأنه لا توجد زيادة في الواردات مقارنة بالعام الماضي، فهل تراها لأسباب سياسية أم مؤامرات أم ماذا؟
أولاً أتحفَّظ على عبارة (ارتفاع الدولار)، لأَّنه قيمته حقيقية ومعلومة، والمشكلة في (الجنيه)، المتذبذب الذي فقد قيمته تماماً (داخلياً وخارجياً).. ثانياً لا تُوجد مؤامرات والسبب هو عدم وجود (صَادِر) حقيقي يُنافس عالمياً، فالدولار يأتينا عبر (عائد الصادر) ونحن ليس لدينا صادرات (حقيقية)، وإلا فأين عوائدها؟
في نظرك كيف تتم معالجة هذه المشكلة؟
بالإنتاج (الحقيقي) القابل للتصدير، والقادر على المُنافسة في السوق العالمية، ومن دون هذا لا نعشم في الدولار إلا (الهِبَات) و(القروض) وكلاهما لا يُعتبر (عائد) يعكس صِحَّة وسلامة اقتصادنا.
الحكومة زادت سعر الدولار الجمركي، وهذه الزيادة أدت لارتفاع الأسعار؟
وماذا تتوقع غير ذلك، فالسلع مَجلُوبة للبلد بعملات أجنبية، والجنيه ينخفض باستمرار لغياب التغذية العكسية (عبر التصدير)، بخلاف الرسوم المفروضة بمُسمياتها المُختلفة.
لكن الزيادات طالت السلع المحلية والمستوردة؟
إذا افترضنا وجود سلع محلية، فإن أغلبها خام/أوَّليَّة ومحصورة في بعض المنتجات الزراعية (النباتية والحيوانية)، وجميع عناصر إنتاجها مُستوردة بعملات أجنبية، كوسائل النقل والوقود والأسمدة والمبيدات والأمصال وغيرها، وهذا الامر يجب أخذه في الاعتبار.
مؤخراً برزت أزمة السيولة، هل تعتقد أنها مفتعلة أم طبيعية؟ وما العِبرة من افتعالها؟
هذه أزمة مصنوعة بامتياز، فالجماعة الحاكمة اعتمدت (الإدارة بالأزمات Management by Crisis)، أسلوب في تسيير الدولة، بإيجاد الأزمة من العدم للتغطية على أزمة حقيقية قائمة، وذلك في جميع الأصعدة والمجالات، مما أغرق البلاد في أزماتٍ غير مسبوقة، وهو أسلوبٌ يختلف عن إدارة الأزمات Crisis Management، التي تعمل على مُعالجة واحتواء الأزمات، ولقد كتبت كثيراً في هذا الخصوص. الآن صنعوا أزمة السيولة لإلهاء النَّاس عن حقيقة (انفراط) التضخم وانهيار الجنيه وافتقاده قوته الشرائية، وستكون تبعات هذه الأزمة كارثية، كغيرها من أزماتهم المصنوعة في مجالاتٍ وحالاتٍ أُخرى، والتي فَرَّخت أزمات إضافية يصعب التنبؤ بتبعاتها.
الحكومة طبعت عملة ورقية جديدة هل ستحل أزمة السيولة؟
ستتعقَّد الأمور أكثر، فهناك ثلاثة أسباب رئيسية لطباعة النقود، أوَّلها التخلص من الهالك (إحلال وتجديد)، أي استبدال الأوراق المهترئة بأخرى جديدة، ولا يترتب على هذا الإجراء أي أثر اقتصادي. والسبب الثاني، تحفيز الطلب على السلع والخدمات، وتشجيع المنتجين على زيادة المعروض، مما يقود لدورة إنعاش اقتصادي، وهذا الخيار يشترط (تَوازُن) الكُتلة النقديَّة المُضافة (العملات الجديدة) مع السلع والخدمات أي زيادة النَّاتج المحلي الإجمالي. أمَّا السبب الثالث لطباعة العملات، فيكون لتغطية نفقات الدولة العامة، حينما لا توجد إيرادات (حقيقية)، ويُعرف بالتسهيل الكمي أو التمويل بالعجز، وهو خطير ومُدمِّر، وهذا ما تمَّ في السُّودان! فللأسف كانوا ولا يزالون يطبعون العملات الورقية دون تغطية أو وجود احتياطي من العملات الأجنبية أو الإنتاج المحلي القابل للتصدير والمنافسة، بما يخلق التوازن المطلوب بين العملات المطبوعة وقوتها الشرائية.
بعبارة أُخرى فإن ما يحدث في السودان تخريب مُتعمَّد، لأنَّ أهمَّ شرط لطباعة النقود، هو ضرورة مُواءمتها (تَوازُنها) مع الأداء الاقتصادي للدولة، التي يتوجب عليها قياس حجم ما تنتجه من سلع وخدمات مع ما تطبعه من نقود، فطباعة العملات ليست مُطلقة/مفتوحة أو غير مشروطة، وإنما مُعادلة حسابية كغيرها من الأمور الاقتصادية. وكلما ازدادت الإنتاجية والنَّاتج القومي، ارتفعت قدرة الاقتصاد على استيعاب النقود الإضافية، وهذا شرطٌ حتمي لحماية اقتصاد الدولة وتحفيزه على النمو. وهذا لا يتوفر في حالتنا الماثلة، وبالتالي ستزداد المُشكلة تعقيداً.
جراء هذه الأزمة المواطن فقد الثقة في البنوك وأصبحت الكتلة النقدية خارج المصارف السودانية؟
البنوك أصلاً مُنهارة لأسبابٍ عديدة أبرزها الفساد في المُعاملات والإجراءات، واستبعاد الموارد البشرية المُؤهَّلة (مهنياً وأخلاقياً) واستقطاب من هم دون ذلك وغيرها من الأسباب، وأما الكتلة النقدية المُتداولة خارجها فليست ذات قيمة، وفقدت قوتها وقيمتها.
التضخم بلغ 66%، ليتك تحدثنا عنه وعن أسبابه وعلاجه؟
حينما تذهب إلى السوق وتجد أن وزن “الرغيفة” انخفض وسعرها زاد عما كان في الأمس، وتجد نفسك اشتريت كمية أكبر وأوزان أقل بمبلغ أكبر، هذا يسمى (غلاء)، وهو المفهوم البسيط للتضخم. وبالنسبة للأدبيات الاقتصادية فيوجد تعريفان للتضخم، أوَّلهما أنه ارتفاعٌ مُستمرٌ للأسعار، يعكس انخفاض (قيمة) النقود الحقيقية وليس (حجمها) المتداول. ووفقاً للتعريف الثاني، يعني التضخم ضعف القوة الشرائية للعملة المعنية، كأن تستلم نفس مقدار الأجر، وتشتري به كميات أقلَّ من السلع والخدمات التي كنت تشتريها سابقاً، واستمرار انخفاض هذه الكميات مع ثبات الأجر. ويُقاس التضخُّم عبر مُؤشر أسعار المستهلك Consumer Price Indicator المعروف بـCPI وما يتبعه من مؤشرات داخلية.
اذا وماهي اسبابه؟
أسبابه فهي عديدة، فنجد مثلاً أنَّ زيادة الفوائد النقدية عن قيمتها الإنتاجية أو الحقيقية تُعدُّ أحد أكبر أسباب التضخم، وهناك النَّاشئ بسبب ارتفاع تكاليف الإنتاج (وهو أمرٌ حَذَّرنا منه كثيراً في السُّودان)، وهناك التضخم النَّاشئ عن زيادة الطلب، والتضخم بسبب تشوهات الاقتصاد، حيث الأسعار قابلة للارتفاع ولا تنخفض رغم انخفاض الطلب، نتيجة للاحتكار والفساد، وهناك التضخم نتيجة للحصار، وكمثال (حقيقي) حصار أمريكا لكوبا والعراق، وهذا لا ينطبق في حالة السودان كما يَدَّعي الحاكمون، لأنَّ علاقاتهم مع أمريكا كانت ولا تزال قوية وفي ملفات أكثر حساسية، بشهادة النافذين منهم وهي موثقة.
وللتضخم أشكالٌ عديدة أبرزها التضخم المُستورد حينما يرفع المُنتجون أسعار السلع المُحلية أُسوةً بالمُستوردة، وهناك تضخم جذب الطلب الذي ترتفع فيه الأسعار تبعاً لزيادة الطلب دون أن يُقابل ذلك زيادة في عرض السلع والخدمات (المحلية والمستوردة)، وهو تضخمٌ وقتي في الغالب وقد يستمر. وهناك التضخم الزاحف النَّاتج عن تراجع الإنتاج، حيث ترتفع أسعار السلع والخدمات، ما يثير مخاوف المستهلكين، فيندفعون للشراء أكثر من حاجتهم، ثُمَّ التضخم الجامح الذي يحدث حين الانتقال من نظامٍ اقتصاديٍ لآخر، أو عقب الحروب حيث يتراجع الإنتاج ويرتفع الطلب وتنتج مُتوالية ارتفاع الأسعار. وهناك التضخم المكبوت ويظهر في الاقتصادات المُوجَّهة، حيث تطبع الدولة النقود دون غطاء حقيقي للإنفاق العام، مما يؤدي لارتفاع الأسعار نتيجة زيادة الطلب، وقد تلجأ الدولة لتحديد حصص السلع والخدمات لكل فرد للسيطرة على الأسعار، لكنها تُواجه ببروز السوق السوداء. وأخطر أنواع التضخم هو الركودي، حين ينخفض الطلب ومستويات الإنتاج وترتفع البطالة وينتشر الاحتكار والفساد، فيصعب تخفيض الأسعار.
وتختلف أساليب علاج التضخم، إلا أنَّ أهمَّها/أوَّلها هو تخفيض الإنفاق العام، يلي ذلك بعض الإجراءات المتعلقة بالسياسة النقدية كرفع مُعدل الفائدة لإغراء المُواطنين وجذب أموالهم للمصارف بهدف الإدخار أو الاستثمار، وهذا يتطلَّب تَوَفُّر الثقة في المصارف. وقد تُلزم الدولة المصارف التجارية بنسبة مُحدَّدة من النقود تخصصها كاحتياطي لدى البنك المركزي، وكلما ارتفع التضخم تزداد هذه النسبة لتخفيض قدرة البنوك التجارية الائتمانية، فتنخفض الأسعار وبالتالي التضخم، والعكس تماماً في حالة حدوث انكماش. وقد تُطبق البنوك المركزية سياسة السوق المفتوحة، بحيث يدخل البنك المركزي لسوق الأوراق المالية كبائع، والنقود التي يحصل عليها مُقابل بيع الأوراق المالية، تُعدُّ (سَحْباً) للنقود المُتداولة في الأسواق من جهة، وتقلِّص الاحتياطات النقدية للمصارف التجارية وتُخفِّض قدراتها الائتمانية من جهةٍ ثانية، وهذا يقلل الطلب ومن ثم التضخم.
هل تتوقع ارتفاع التضخم في السودان الى أعلى مما هو عليه؟
نعم ولأسبابٍ كثيرة جداً، لعلَّ أهمَّها أن أكبر مُسبِّبات التضخُّم لم يُعالَج بعد، وهو ارتفاع الإنفاق العام، فالجهاز الإداري بالسودان ما يزال كبيراً أكثر من اللازم، رغم التعديلات (الصُورية) الأخيرة وما استصحبها من تصريحات (تسطيحات). وهناك الفساد الواضح والمُستشري، وهو يُساهم بنسبة مُقدَّرة في إهلاك قدرات الدولة، بخلاف تراجُع النَّاتج الإجمالي المحلي، وغياب الصادرات القادرة على المُنافسة عالمياً وضعف عوائدها، لأنَّها تُصدَّر كخام (مواد أولية) بجانب تَعرُّض ذلك العائد (على قِلَّته) للفساد والعبث. والأهم من ذلك غياب الرُّؤى الاقتصاديَّة النَّاضجة والواضحة، والصراعات الدَّائرة داخل البلد، وارتفاع أعباء الديون الخارجيَّة التي لم تُستَغَل لأغراضها، وفشل جميع المشروعات التي أُخِذَت لأجلها، وهي في مُجملها تُنبئي باستمرار التضخم لحدودٍ غير مسبوقة، ودونكم ارتفاع الفئات النقدية من العملة الجديدة، بخلاف طباعتهم للنقود سابقاً، دون أي غطاءٍ واضحٍ ومعلوم وبكمياتٍ مجهولة، حسبما أقرَّ الحاكمون أنفسهم!
أول تصريح لرئيس الوزراء بشأن الأزمة الاقتصادية، قال أنها تُعَالَج باقتصاد الصدمة،ما هو اقتصاد الصدمة؟
الصدمة الاقتصادية عُرِفَت بمدرسة شيكاغو، نسبةً للاقتصادي ميلتون فريدمان الذي كان يعمل بتلك الجامعة، ونَادَى بمُعالجة الاقتصاد عن طريق صدمة الشعوب بالكوارث، تمهيداً لتطبيق النظام الرأسمالي وتحجيم دور الدولة وسيطرتها على السوق. وبعبارةٍ أُخرى، تقوم الفكرة على استغلال أو (صُنْعْ) الكارثة، كالانقلابات أو الحروب أو الانهيار الاقتصادي أو حتَّى الكوارث الطبيعية، حيث يفقد الجميع الوعي والتركيز، وفي خضم هذه الظروف غير المُواتية، يتم العلاج بالصدمة مُمثَّلة في تطبيق النظام الرأسمالي بكل أضراره وبشاعته. وأساس هذه الفكرة نبع من إحدى المُستشفيات النفسية في القرن العشرين، حيث حَرَمَ الدكتور دونالد هِيبّ مَرضاه – بمُوافقتهم – من حَوَاسِّهمُ الخمس، ثُمَّ أصبح يُجبرهم على ذلك، حيث عانى المَرضَى بعدها من الاضطرابات وفقدان الذاكرة، وتوقف الدكتور دونالد بعدها لبشاعة التجارب، وواصل فيها الدكتور أيوين كاميرون مُستهدفاً (مَحْوْ أدْمِغَة المَرضى) وإدخال أفكار جديدة فيها، ورَكَّزَ بصفةٍ خاصة على تدمير (البيانات الحسية والذاكرة)، بواسطة الصدمات الكهربائية والمهلوسات والعزل التام، واستفادت المُخابرات الأمريكية من أبحاث كاميرون، بتعريض المعتقلين للصدمات حتى يتعاون المعتقل ويتخلى عن أفكاره، مُستخدمةً الضرب والتعذيب والصعق الكهربائي والكلاب لصدم المعتقلين.
مُحصِّلة أفكار فريدمان، تتمثَّل في استغلال أو خلق الكوارث تمهيداً للرأسمالية، والتي عُرَفَت اصطلاحاً بـ(رأسمالية الكوارث)، حيث الحریة المطلقة لرأس المال والسوق، والاستغلال وكل شيئ قابل للإتجار بحثاً عن الربح، بغض النظر عمَّا إذا كان أخلاقياً أم لا، وظلت أفكار فريدمان حبيسة ومثار جدل، حتى ثمانينيات القرن الماضي ثُمَّ انتشر تطبيقها جزئياً أو كلياً في بعض الدول.
في أي البلدان طُبِّقَت هذه النظرية، وإلى أي مدى نجحت؟
أوَّل تجارُب الصدمة كانت بجمهورية تشيلي التي كانت في الخمسينيات والستينيات، مثالاً يُحتذى به في سيطرة القطاع العام على الصحة والتعليم والاقتصاد، مما أزعج الشركات الأمريكية التي تَهدَّدت مصالحها، فتم الإيعاز لجامعة شيكاغو لإبرام اتفاقية مع الجامعة الكاثوليكية بتشيلي، استقطبوا على إثرها أعداداً كبيرة من الطلاب التشيليين، الذين عادوا بعدها مُشبَّعين بأفكار فريدمان الرأسمالية وعملوا على نشرها. فقاموا بزعزعة نظام سلفادور، مدعومين من أمريكا التي أجَّجت الإضرابات العُمَّالية، والاضطرابات والانقلابات العسكرية، حتى نجح بينوشيه في انقلابه وقتل سلفادور وطَبَّقَ أفكار فريدمان، بدءاً بإلغاء الرقابة على الأسعار، وبيع شركات الدولة، انتهاءً بتجميد السياسات الحمائية تجاه الاستيراد وغيرها من مظاهر الرأسمالية. وبعد عامٍ واحدٍ فقط، سجَّلت تشيلي أعلى مُعدَّل تضخُّم في العالم بنحو 375%، وازدادت الهُوَّة بين الأغنياء الذين ازدادوا غِنَىً والفقراء الذين سُحِقوا تماماً بالفقر، وازدادت أسعار السلع والخدمات عَمَّا كانت عليه سابقاً، وأصبح الإنفاق على الخبز وحده يستهلك نحو 74% من دخل الأُسر.
وما حدث في تشيلي تَكرَّر في الأرجنتين عقب الانقلاب العسكري عام 1976، فعقب استغلال صدمة الانقلاب تمَّ تطبيق فكرة فريدمان، فانخفضت الأجور بنسبة 40% واُغلِقَت المصانع وتفاقم الفقر، وفي كلتا التجربتين (تشيلي والأرجنتين)، دَعَمَت أمريكا الانقلابيين بكل قُوَّة وتَغَاضَت عن تَجاوُزاتهم القمعية تجاه شعوبهم الرَّافضة للرأسمالية. وهناك تجربة مارجريت تاتشر، التي طَبَّقت فكرة فريدمان بعدما تَرأَّسَت مجلس وزراء بريطانيا في الثمانينات، وارتكز برنامجها المُعلَن على خفض الإنفاق الحكومي، والحد من ملكية الحكومة للصناعات وتنظيمها، غير أنَّ مُعدَّل التضخم ارتفع وزادت معه البطالة، وسادت الاضطرابات البلاد ولم تتراجع تاتشر عن سياستها، واستغلَّت انتصارها على الأرجنتين في حرب جزر الفوكلاند، فقامت بخصخصة غالبية مرافق الدولة دون مُقاومةٍ تُذكر، إلا من عُمَّال المناجم الذين أضربوا عن العمل عاماً كامل، وتمَّ كَسْر إضرابهم عقب موجات قمعٍ عنيفة، وأسفرت التجربة في المحصلة عن اتساع الهُوَّة بين الأغنياء والفقراء كما حدث في غيرها من الدول.
وفيما يتعلق بالعراق؟
بالنسبة للعراق، وعقب الإطاحة بالراحل صدام حسين، تَولَّى بول بريمر رئاسة سلطة الاحتلال عام 2003، وبعد أُسبوعين فقط استبدل النظام الاقتصادي الذي كان سائداً بالكامل، واعتمد نظام السوق الحر استناداً لمدرسة شيكاغو الرأسمالية، وفصل مئات الآلاف من العاملين، واستفادت الشركات الأمريكية من هذا الخراب عبر العقود المُختلفة التي لم تستثنِ أي قطاع، بما في ذلك وضع المناهج الدراسية الجديدة وطباعة الكتب المدرسية. وفي هذا الخصوص، تقول الكاتبة ناعومي كلاين، بأنَّ العراق تَعَرَّض لثلاث صدمات، بدأت بصدمة الحرب التي تَلَاها العلاج بالصدمة الاقتصادية المفروضة من بريمر، ثُمَّ صدمة الإكراه بالقمع والتعذيب، والنتيجة ماثلة أمامنا جميعاً ولا تحتاج لاستدلال!
وناعومي هذه، كاتبة صحفية ومؤلفة أفلام كندية، وأستاذة اقتصاد سياسي، لها كتابٌ شهير اسمه (عقيدة الصدمة: صعود رأسمالية الكوارث)، تطرَّقت فيه لنظرية فريدمان الرأسمالية المتوحشة، المُناقضة تماماً لنظرية كينزي (الاجتماعية)، وتقول إنَّ ما لَفَتَ انتباهها أنَّ أمريكا استقطبت عدداً من طُلَّاب العالم الثالث لدراسة الاقتصاد، وشَبَّعتهم بأفكار شيكاغو الاقتصادية، وعادوا لبُلدانهم يتولُّون المناصب، بدعمٍ وتزكيةٍ من البنك وصندوق النقد الدَوْلِيَيْن، وانخرطوا بحماسٍ شديدٍ في تطبيق تلك الأفكار، واستدَلَّت بما حدث في تشيلي بعد سلفادور (عهد بينوشيه)، وسبّب أضراراً بالغة باقتصادها، وهو أمرٌ لُوحِظَ في غالبية دول العالم الثالث، والسودان من ضمنها ودونكم الواقع الماثل أمامنا.
هل تعتقد أن تجربة اقتصاد الصدمة سيُكتَب لها النجاح في السودان؟
طبعاً لأ، ولأسبابٍ كثيرة ليس فقط فشل فكرة فريدمان بالدول التي طَبَّقتها فحسب، ولكن لأنَّ السودان لا يحتاج صدمات إضافية، بخلاف أن فكرة الصدمة تعني سِيادة الرأسمالية أو حُرية السوق، والجماعة الحاكمة تَدَّعي تطبيق التحرير الاقتصادي منذ تسعينات القرن الماضي، فكيف سيصدموننا أكثر من ذلك؟! هذا رغم تحفُّظاتي التي أبديتها في مقالاتٍ عديدة، بشأن مُخالفة ما تمَّ تطبيقه في السودان باسم التحرير الاقتصادي مع ما أقَرَّه كلاً من صندوق النقد والبنك الدَوليَيْنْ في هذا الخصوص، والحديث يطول في هذا الأمر، ويمكنكم الرجوع لمقالاتي وتفاصيلها.
ما هو تشخيصك للأزمة الاقتصادية، وما هي الحلول برأيك؟
أزمتنا الاقتصادية مُعقَّدة وأسبابها مُركَّبة ومُتشابكة، وتتداخَل ما بين سياسية/سيادية وأخلاقية وقانونية وإداريَّة إلى ثقافيَّة/معرفيَّة واجتماعية، ومن الأهميَّة أخذ كل هذه الجوانب مُجتمعة عند التشخيص والمُعالجة، ولا يستقيم أخذ الاقتصاد بمعزلٍ عن أيٍ منها، لأنَّ الانهيار لا ينحصر فقط في الاقتصاد وانما شَمِلَ جميع نواحي الحياة. وبصراحة مهما وضعنا من حلول اقتصادية، سيصعُب تنفيذها دون استصحاب الجوانب السياسية والقانونية المتردية، فالفساد والتجاوز واستغلال النفوذ وعدم التخصُّصية والاحتقان الاجتماعي وغياب الوعي مُعوقات رئيسية، تهزم أي فكر مُخلص وعلمي وعملي للخلاص. باختصار لابد من تغيير أي شيئ.. أي شيئ والبدء بإعادة هيكلة كاملة لكل السودان، بدءاً بالإنسان نفسه مروراً بالأخلاق وانتهاءً ببقية المجالات.

قد يعجبك ايضا

تعليقات

Loading...