كست حقول الموت بأزهار الحياة..”لمياء متوكل” تمهر أكتوبر بالإنتصار على السرطان

“الشهر يلملم الآن آخر أيامه ثمة اتفاق عام على ضرورة تسميته بأكتوبر الممهور بآلام وآمال لمياء، كيف لا وبت متوكل هي من استطاعت أن تكسو حقول الموت بأزهار الحياة”

(توقيع على دفتر الأمل)…

الخرطوم – الزين عثمان-  يخرج صوت محمد عثمان وردي منادياً باسمك يا أكتوبر الأخضر الشعب انتصر حائط السجن انكسر، ما كان انتصاراً في الحادي والعشرين من أكتوبر في العام 1964 بإزاحة حكومة العسكر بزعامة عبود عبر الانتفاضة سرعان ما تم تقييمه بأنه هزيمة، فلم تنجح (الثورة) في تحقيق تطلعات الشعب في الديمقراطية والتنمية.

لكن هزيمة أكتوبر سرعان ما تكرر نفسها في انتصارات أخرى يكسو من خلالها البعض الحقول بالوعود والآمال والأحلام، الشهر الذي يلملم آخر أيامه في تلك اللحظة ثمة اتفاق عام على تسميته أكتوبر الممهور بآلام وآمال لمياء متوكل، لمياء التي لطالما ابتدرت صباحاتها في هذه البلاد بترديد اللازمة (هنا أم درمان إذاعة جمهورية السودان) أو عبر موجة الإف إم 100 وهي تتبنى وصية الراحل الخاتم عدلان بأني سأنشر الوعي ما استطعت إلى ذلك سبيلا.

1

لمياء أصيبت قبل سنوات بداء سرطان الثدي الذي يتم توظيف شهر أكتوبر لتوعية النساء به، وحثهن على ضرورة إجراء الفحص المبكر، حيث يطلق عليه اسم أكتوبر الوردي وينشط الجميع في السعي من أجل محاربة ذلك القاتل الصامت.. قصة ليمياء متوكل التي ابتدرت بالإصابة بالمرض انتهت إلى شفائها منه وانتصارها في معركتها ضده في نهاية المطاف، الانتصار الذي تسميه انتقالا بين حالتي الحياة والموت، حين تستعيد لحظات إخبارها بأنها مصابة بالمرض الذي ينعته السودانيون باللعين، ما جرى كان كافياً لأن تنشئ الأخيرة دفتراً للأمل وتوقع عليه يومياً طوال الشهر.

حكاية لمياء متوكل والسرطان بدت وكأنها الحكاية المنتظرة لكثيرين في وسائط التواصل الاجتماعي، يستخرجون من داخلها التجارب والعبر ولا يغادرون دون وضع تعليق باستفهامه، أي نوع من النساء أنتِ؟

2

في مكان آخر، كانت ليمياء متوكل تجيب على سؤال نوعيتها لا تضيف أكثر من عبارة واحدة هي (الإرادة)، التي تمثل أول قوات ردع المرض، يقتل السرطان من يخافه، هكذا يردد الخارجون من معاركهم معه، لكن ثمة من يردد عبارة أخرى (المرض لا يقتل ما يقتل هو انعدام العلاج)، ما بين القوسين كانت عبارة رددها محارب سوداني آخر ضد الداء لهذه الصحيفة، هو وليد النقر، الذي يخوض معركته الآن في دولة الإمارات العربية المتحدة، بالطبع ما حمل وليد للمغادرة هو عدم توفر العلاج في الداخل، وهو ذات الأمر الذي تكرر مع لمياء التي انغرست في جسدها إبر الكيماوي بالتزامن مع إبر الغربة في العاصمة المصرية، مما اضطرها لأن تسرد معركتها مع البرد وهي التي كانت تمنح الكثيرين “الدفء” من خلال (حلو الكلام)، مؤكد أن متابعة ما يدور في وسائط التواصل الاجتماعي في الأيام الفائتة وتحديداً يوم أمس سيجد أن ليمياء كانت (أيقونة) انتصار السودانيين وما أكثر معاركهم.

3

لكن لماذا هذه الحالة من الاهتمام بقضية لمياء وببوستاها في وسائط التواصل الاجتماعي؟ الإجابة ببساطة لأن المصائب تجمع المصابين، وأن ازدياد حالة الإصابة بالسرطان في البلاد في الفترات الأخيرة تجعل منه معركة الجميع.مثلاً في يوم الرابع عشر من فبراير لهذا العام يكشف وزير الصحة بولاية الخرطوم البروفيسور مأمون حميدة، اكتشاف (1000) حالة إصابة بمرض السرطان شهرياً بالولاية، وقال إن المترددين على المركز القومي لعلاج الأورام (مستشفى الذرة) من الولايات بالآلاف،

بالطبع آلاف المترددين طلباً للعلاج تضع الجميع أمام سؤال آخر يتعلق بمدى توفره في البلاد، وتحديداً العلاج الإشعاعي، فلا يكاد يمر أسبوع دون الوقوف في مواجهة خبر يتعلق بتعطل أجهزة العلاج في مستشفى الذرة بالخرطوم مما اضطر المرضى للسفر بحثاً عن العلاج في مدني وما ينطبق على مستشفى الخرطوم ينطبق على مستشفى شندي، وهو أمر يؤكد في نهاية المطاف على أن مريض السرطان في السودان عليه أن يتعايش مع آلام المرض ومع آلام عدم توفر العلاج في الوقت نفسه، وهو أمر يعود في نهاية المطاف إلى عدم الاهتمام الرسمي بتوفير العلاج وإمكانياته داخل البلاد.

4

وبحسب ناشطين في مجال محاربة السرطان، فإنه لا توجد إحصائيات موثقة عن الحجم الحقيقي لانتشاره من جهات ذات موثوقية، وبحسب إحصائيات للعام 2017 فإنه يجري تسجيل 12 ألف إصابة بالمرض كل عام، ويشكل الأطفال 8 في المئة من مرضى السرطان، كما أن 50 في المئة نسبة المرضى المصابين بسرطان الدم يحتاجون علاجا فوريا.

تبدو الأرقام مفزعة على النحو الجغرافي، إذ نصف الإصابات بالسرطان تتركز في ولاية الجزيرة، وتصل في الخرطوم إلى نحو 12 في المئة، وفي القضارف إلى نحو 10 في المئة، من معدل الإصابة بأمراض مختلفة. وعزا خبراء الارتفاع في الإصابات بسبب عدم توفر أساليب التشخيص الصحيحة والحديثة في السابق وتأخر اكتشاف المرض، إضافة إلى الفقر وقلة الوعي الصحي، وتمثل هذه الأرقام تحديا كبيرا في المؤسسات الصحية، خاصة مع تعطل أجهزة العلاج في المراكز المتخصصة، إذ هناك سبعة مراكز للعلاج الكيميائي، ومركزان فقط للأشعة، كما أن قلة اختصاص الأطباء زاد في تأخير التشخيص والعلاج للمرضى.

5

ربما لهذه الأمور مجتمعة فإن النظر لصورة المحاربة لمياء متوكل تبدو مختلفة، ليست في قدرتها فقط في الانتصار على المرض وإنما في قدرتها على تجاوز (سرطان) عدم توفير الإمكانيات لتحصيل العلاج بشكل عام، وهو الأمر الذي يعاني منه الكثيرون في وقت تحتشد فيه مستشفى الذرة بجحافل المنتظرين في صفوف تلقي وخزات إبر الكيماوي، ويسيطر عليهم يقين أنه لا علاج فكل ما يفعلونه الآن هو التخلص من وخز ضمير العجز أو أنهم مارسوا الفرجة على ذويهم وهم ينتظرون قدرهم المحتوم والذي يسميه البعض القدر الرحيم، فالموت هنا يمثل نهاية لسلسلة من المتاعب الممتدة التي تنتظر فقط كتابة السطر الأخير. لكن لماذا تمت تسمية أكتوبر لهذا العام بأكتوبر الممهور بآلام وآمال ليمياء متوكل؟

ببساطة لأن السيدة العائدة من رحلة الموت تقوم الآن ببث الحياة لدى آخرين، تنتقل مثل الفراشة بين المايكرفونات وهي تتوشح (الوردي) تخبر السيدات بأن الإصابة بالداء ليست نهاية المطاف، وإنما هي فقط مجرد بداية لمعركة ضرورة الاستمرار في الحياة، كانت لمياء بالأمس تنشر صورة لها وهي “صلعاء” فقدت شعرها كنتيجة لمضاعفات الكيماوي وضرورات العلاج، وتعتذر عن كون الصورة صادمة للأهل والأحباب من اهل الاسفير لكنها التعبير الأبلغ عما يفعله هذا المرض بضحاياه، ذاك الذي لا يعرف الإقصاء ولا يعرف الأطفال والنساء والشيوخ، الذي لا يفرق بين أسود وأبيض، أو بين الحكومة والمعارضة؟ يصطاد فريسته بلا اسثناء، يجب أن ينتبه الجميع لقيمة الفحص المبكر وأهميته، نعم كنت صلعاء بلا شعر لمدة سبعة أشهر أعتقد أنني كنت الأجمل فيها في حياتي وكأجمل أنثى في العالم، كنت أضعف مراراً وأقوى مرة، أموت وأحيا وأعود لأقف لنزاله، كنت على استعداد أن أفقد شعري وكل شيء لأُشفى فقط..

قد يعجبك ايضا

تعليقات

Loading...