الصحفيون وفِرْيَة (العمالة والتجنيد)..في الردِّ على صلاح قوش وآخرين (1) عطاف محمد مختار

*(الشرف، الوطنية، الاستقامة، والكرامة)، قيمٌ لا يُمكن شراؤها بالريال والدراهم والدولار، ولا تُستقطب ببريق الذهب وفخامة المناصب. تلك قيم تترعرع وتشبُّ عليها منذ الصغر، وتُعزِّزها باستقامتك.. فالاستقامة مفتاح الكرامة.*
أمطرنا مدير جهاز الأمن والمخابرات الوطني الفريق أول صلاح قوش، بوابلٍ مِنْ سِجِّيلِ اتهاماتِ تخوين مرفوضةٍ تماماً بالنسبة لي كصحفي، مُفادها أن ذهاب مجموعة الصحفيين إلى السعودية، هو مشروع (عمالة وتجنيد).
قوش حذَّر في حديثه خلال حفل توقيع ميثاق الشرف الصحفي بالبرلمان، الصحفيين، من الانقياد وراء السفارات والمُنظَّمات الأجنبية، قائلاً: “لاحظنا في الفترة السابقة، أن كثيراً من السفارات تُجري اتصالات بصحفيين، وتعقد معهم لقاءات وتُغريهم بالهدايا”؛ مؤكداً استدعاء جهاز الأمن لمجموعة من الصحفيين ذهبوا إلى السعودية، كاشفاً عن تحذيرهم، وأن ما يذهبون إليه مشروع (عمالة وتجنيد).
هذا التصريح خطيرٌ جداً، ويطعن بصورة مباشرة في وطنية ونزاهة وشرف الصحفيين الذين غادروا في رحلة عمل إلى السعودية، نُشِرَتْ جميع تفاصيلها في الصحف. وإطلاق الحديث على عواهنه بهذه الصورة، مرفوضٌ جملةً وتفصيلاً.
كتبنا العديد من التقارير والحوارات حول هذه الزيارة أولاً بأول. نشاطنا كان في النور وليس في الظلام، في العلن لا في الخفاء.. وهذه هي مهنتنا، وتتطلَّب منَّا استقاء المعلومات من شتَّى المصادر (رئاسية، سياسية، نظامية، أمنية، مجتمع مدني، منظمات، سفارات.. إلخ)، لعكس الحقائق للجمهور كما هي دون تزييفٍ أو تلوين. هذه مهنتنا، نتكبَّد فيها الرَّهق والمشقَّة واتهامات التخوين، في سبيل التنوير والتبصير بالحقيقة.
(إن كتابة التقارير الصحفية ليست جريمة) سعادة الفريق قوش.
السفارات تلتقي بالوزراء والنظاميين والأطباء والسياسيين والفنانين والرياضيين ومنظمات المجتمع المدني؛ تلتقي بجميع هؤلاء، ولا نسمع أحاديث التخوين، وحينما يلتقي بها الصحفيون – وهي لقاءات من صميم عمل الصحفي – تُصبح مشروع عمالة وتجنيد!
لقد قُدِّمَتْ لي الدعوة لزيارة المملكة من قِبَلِ وزارة الإعلام السعودية، في رحلة عملٍ رسمية، واستلمتُ الدعوة عبر مسؤول الإعلام بالسفارة في الخرطوم. قال لي حينها إن وزارة الإعلام السعودية، تُنظِّم برنامجاً ضخماً لـ(11) صحفياً وإعلامياً. واشتمل البرنامج على زيارة لمراكز التحالف الإسلامي لمُكافحة الإرهاب، ووزارة الدفاع السعودية، وقيادة القوات المشتركة لعاصفة الحزم، ومركز الملك سلمان للمُساعدات الإنسانية، والسفير السعودي باليمن، ووزارة الإعلام السعودية، ووزارة الحج والعمرة السعودية. الوفد الصحفي كان على رأسه الأساتذة: (عوض جادين مسؤول الإعلام بالمؤتمر الوطني ومدير وكالة السودان للأنباء ورئيس الوفد، ومحجوب فضل بدري الكاتب والسكرتير الصحفي الأسبق لرئيس الجمهورية، والدكتور مزمل أبو القاسم ناشر ورئيس تحرير صحيفة “اليوم التالي”، والكاتب والمحلل الصحفي محمد لطيف رئيس مؤسسة “طيبة برس” للإعلام، وأسامة عبد الماجد رئيس تحرير صحيفة “آخر لحظة”، وكمال عوض نائب رئيس تحرير صحيفة “الانتباهة”).
أخطرْتُ رئيس التحرير ورئيسي المُباشر الأستاذ ضياء الدين بلال بالزيارة، فوافق عليها، وتكفَّلت الصحيفة بجميع نثريَّات أيَّام الرحلة.
الرحلة كانت صيداً ثميناً لنا كصحفيين، فلقد وقفنا على تفاصيل مُشاركة السودان في عاصفة الحزم، وعلى مُختلف أوجه التعاون المُشترك بين السودان والسعودية.
في زيارتنا للمملكة لم نتزلَّف أو نطلب أيَّ عطايا أو هباتٍ ومعونات، اللهم إلا (علبة حلوى بلح مغلفة بالشكولاته)، لا يتجاوز وزنها الكيلوغرام، قدَّمها وزير الإعلام السعودي للوفد بمُناسبة دخول أول ليلة من شهر رمضان المُعظَّم.
الهديَّة الأعظم والأفخم والأجمل، بحقٍّ وحقيقة، التي قدَّمتها لنا المملكة، هي زيارةٌ خاصَّةٌ للروضة الشريفة لسيد الخلق والمُرسلين عليه أفضلُ الصلوات وأتمُّ التسليم؛ إذ كانت الزيارة في أوَّل جُمعة في رمضان، أدَّينا صلاة الجمعة في الحرم النبوي الشريف، وتشرَّفنا بالصلاة في روضة الحبيب الشريفة، ويا لها من هدية! وإذا قُدِّمَتْ لي الدَّعوة في المُستقبل لن أرفضها وسألبِّيها بكُلِّ سرور.
في زيارتنا للمملكة، كانت أسئلتنا قوية وواضحة. سألنا عن أزمة رواتب الجنود السودانيين باليمن، وجَّهنا أسئلتنا للقائد العام لقُوَّات التحالف العربي سُمُوِّ الأمير الفريق ركن فهد بن تركي، الذي أقرَّ بالأزمة، وقال إنها كانت لأسباب فنية وإدارية، وإنها حُلَّتْ بالكامل، ووعد بعدم حدوثها وتكرارها في المُستقبل.
سألنا الأمير فهد، وكذلك السفير السعودي باليمن عن الأوضاع الإنسانية الحرجة في اليمن، وسألناهما أيضاً: متى ستنتهي هذه الحرب؟ سألنا: لماذا يتمُّ قصف مدنيِّين وأطفال؟
زيارتنا لم تكن نزهةً أو حملةً دعائيةً إعلانيةً لأية جهة. كانت زيارة صحفية مهنية في المقام الأول، لم يغب فيها الهمُّ الوطنيُّ عن بالنا، ولم نتكسَّب فيها ريالاً واحداً، ولن نفعل.
الدعوة لم تكن غريبة أو مثار شبهات – كما ادَّعى حينها للأسف بعض زملائنا – فهي ليست إلى تل أبيب التي لا يَسمح القانون السوداني بزيارتها والتطبيع معها، أو إلى دولة لديها عداوةٌ معنا، أو إلى دولة ليست لدينا معها علاقةٌ دبلوماسية؛ بل كانت إلى دولة شقيقة، إلى أرض الحرمين، قبلة المسلمين، وهي حليفٌ مشتركٌ مع بلادنا، تُقاتل القوات المسلحة السودانية معها في خندقٍ واحدٍ باليمن. وهي التي كانت لها جهود مُقدَّرةٌ في رفع العقوبات الأمريكية عن السودان قبل عام؛ وأرسل حينها الرئيس البشير أسمى آيات الشكر والتقدير لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وحكومته، على دعمهم وجهودهم ودورهم الفاعل في إصدار الإدارة الأمريكية قرارها برفع العقوبات الاقتصادية المفروضة على السودان.
وفي أكثر من مُناسبة، أكَّد رئيس الجمهورية المشير البشير، على أن “أمن السعودية خطٌّ أحمر لا يمكن المساس به”، مُعرباً عن تضامنه الكامل مع المملكة، مؤكداً أنها علاقة ودية وأخوية وحميمية وممتازة جدَّاً.
وأيضاً قال وزير الدفاع السابق عبد الرحيم محمد حسين، ووزير الدفاع الحالي عوض بن عوف، إن حماية بلاد الحرمين تأتي من مُنطلق عقدي والتزام أخلاقي وواجب مُقدَّس تهون في سبيله التضحيات مهما عظمت. ذات التصريحات هذه قالتها الخارجية السودانية، وحزب المؤتمر الوطني الحاكم.
فما الذي جدَّ مُؤخَّراً حتى يقول الفريق قوش قوله هذا؟!
عقب زيارة الوفد الصحفي للمملكة مباشرة، زار رئيس الجمهورية المملكة، وكان بصحبته الفريق أول صلاح قوش بنفسه؛ زيارة كانت استراتيجية ومثار حديث الإعلام الإقليمي. والتقى البشير بالملك سلمان، وبالأمير محمد بن سلمان وليِّ العهد. وقَدَّمَت المملكة خلال اللقاء جملةً من الوعود الاقتصادية للسودان. كما أقرَّ اللقاء إحكام التنسيق بين البلدين على الأصعدة كافة، في جهود رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب.
دعم السودان للمملكة، ظهر جليَّاً كذلك في قضية مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي؛ فأصدرت وزارة الخارجية بياناً أعربت فيه عن التضامن الكامل مع المملكة العربية السعودية، وقالت فيه: إزاء ما تتعرَّض له المملكة الشقيقة من محاولات من بعض القوى الدولية لاستغلال هذه الحادثة لفرض أجندتها الخاصة، ندعو الجميع إلى السعي لتفويت هذه الفرصة على المُتربِّصين بوحدة وتضامن الأمة الإسلامية.
في ظلِّ العلاقة الاستراتيجية بين البلدين، التي تسير بهذا النهج والنسق الاستراتيجي، ما الذي يجعل الفريق قوش يقول إن مجموعة الصحفيين الذين ذهبوا إلى السعودية في زيارة عمل رسمية عبارة عن مشروع (عمالة وتجنيد)؟ هل هي رسالةٌ أراد إرسالها في بريد جهة ما؟ أم أن الفترة القادمة ستشهد تغيُّراً في مُجريات الأحداث؟
قول قوش غير منطقي وغير واقعي، بل وغير حقيقي بالمرَّة. هل من المعقول أن يكون وفدٌ صحفي، على رأسه أكبر إعلاميَّيْن في الإنقاذ (عوض جادين، ومحجوب فضل)، يُمثّل مشروع (عمالة وتجنيد)؟ علما بأن جادين وفضل كانا من المُشاركين الفاعلين في انقلاب الإنقاذ، وكلاهما كان يحمل كفنه على يديه في 30 يونيو 89. الأول سجَّل على مرَّتين البيان الأول للانقلاب، والثاني كان ضمن المسؤولين عن السيطرة والتأمين على الإذاعة والتلفزيون. هل يُعقل أن هذين الشيخين بعد 30 سنة من الخدمة في الإنقاذ أن يكونا مشروع (عمالة وتجنيد)، ولقد تقلَّبا في مختلف المناصب الإعلامية بالدولة؟ محجوب فضل كان السكرتير الصحفي للرئيس شخصياً، وعوض جادين الآن وبعد زيارة المملكة، أصبحت وكالة سونا التي يُديرها، تابعةً لرئاسة الجمهورية مُباشرة.
هل من المُمكن أن يكون محمد لطيف مشروع (عمالة وتجنيد)؟ وهو من كبار دهاقنة الصحافة، ومن المُقرَّبين لرئيس الجمهورية قبل أن يتولَّى البشير مقاليد حكم البلاد، كما تجمعهما المصاهرة. لطيف يُعتبر أكثر صحفي سوداني خرج بتصريحات وحوارات وسبق صحفي من الرئيس، بالإضافة إلى أنه مالكُ أكبر مركز إعلامي في البلاد لتدريب وتأهيل الصحفيين والإعلاميين، ويتبنى أُمَّهات القضايا التي تُشكِّل مُهدِّداً كبيراً لأمن البلاد، وليس آخرها تبني برنامج مُكافحة المخدرات التي باتت منتشرة وسط الشباب، بالتنسيق مع وزارة الداخلية والثقافة، بل المفارقة أن البرنامج هذا كان ضيف شرفه الفريق صلاح قوش شخصياً، قبل أسبوع تحديداً من تصريحاته تلك! هل من المُمكن بعد هذا أن يصبح لطيف – الذي كان من كبار المدافعين عن قوش إبان فترة اعتقاله، ونادى بضرورة تقديمه لمحاكمة عادلة – مشروع (عمالة وتجنيد)؟
هل من المُمكن أن يكون عبقري الصحافة السودانية الدكتور مزمل أبو القاسم مشروع (عمالة وتجنيد)؟ هل من المُمكن أن يكون ذلك الرجل العصامي الذي نحت في الصخر، وتدرَّج في سلَّم الصحافة حتى صار صاحب أكثر عمودٍ صحفي صيتاً (كبد الحقيقة)، وناشر الصحيفة الرياضية الأولى بالبلاد، وناشر ورئيس تحرير صحيفة “اليوم التالي” المُحترمة، ومالك أفضل المدارس الأجنبية بالبلاد، ومن أنجح رجال المال والأعمال؛ هل من المُمكن أن يصبح بعد هذا مزمل مشروع (عمالة وتجنيد)؟
هل من المُمكن أن يكون أسامة عبد الماجد رئيس تحرير (آخر لحظة) مشروع (عمالة وتجنيد)؟ وهو من المُقرَّبين لدوائر المؤتمر الوطني والتنظيم، وكان أكثر صحفي يُنادي بعودة صلاح قوش للجهاز التنفيذي – عندما كان مُبعداً يجلس على الرصيف السياسي للمؤتمر الوطني – وكتب عدَّة مرَّات مُطالباً بعودته، وكانت مثل تلك الآراء لا يجرؤ عُتاة الإسلاميين على مُجرَّد الهمس بها بينهم.
هل من المُمكن أن يكون كمال عوض نائب رئيس تحرير “الانتباهة” مشروع (عمالة وتجنيد)؟ ومواقفه واضحةٌ ومنشورةٌ في دعم الوطني ومُحاججة مناوئيه، ولا تخفى على أحد؟
كيف تكون مُجرَّد لقاءات الصحفي الإعلامية مع سفراء، أو زيارة المملكة، مشروع عمالة؛ بينما من تقلَّدوا أعلى الهرم التنفيدي في البلاد يحملون جنسيات وجوازات أجنبية مُختلفة، وبعلم الدولة، لا يطالهم مثل هذا الاتهام، مثل (مساعد رئيس الجمهورية الأسبق، ومدير مكاتب رئيس الجمهورية الأسبق، بل حتى مدير المخابرات الأسبق)؛ علماً بأن هذه الجنسيات يخضع حاملها للقَسم بالولاء الكامل للدولة الأجنبية، مالكم كيف تحكمون؟
في المحاكم، خضع نظاميون وموظفون بالخارجية؛ لمُحاكمات، بتهم التجسس لصالح دولة أجنبية؛ لكن لم نَرَ صحفياً واحداً يجلس خلف قفص المحكمة بمثل هذه التهمة!!
إذا كان للدولة ثلاث سلطات دستورية: (تشريعية وتنفيذية وقضائية)؛ فالصحافة تُعتبر (السلطة الرابعة)، لدورها الريادي ونظير ما لها من تأثير، وهي التي تصنع الرأي العام، والقوة التي تُؤثِّر في الشعب وتُبرز قضاياه وتُدافع عنه؛ فإن لم تستطع الدفاع عن نفسها؛ والمُطالبة بحقِّها فهي غير جديرة بالدفاع عن الشعب.
*قال الإمام علي كرَّم الله وجهه، في كتابه المعروف إلى مالك الأشتر، إنه سمع رسول الله يقول: «لن تُقدَّسَ أُمّةٌ حتى يُؤخذَ للضعيف حقُّه من القوي غيرَ متَتَعْتِع».*
*لقد ظلمتنا يا قوش.*

قد يعجبك ايضا

تعليقات

Loading...