عبدالله علي إبراهيم.. (الحرية والتغيير) ورهان القدرة على تقليم أظافر الانقلابيين

351

الأخبار عن التسوية بين قوى الحرية والتغيير (المجلس المركزي) وحلفائها والعسكريين في السودان غير مبشرة، سئل سكرتير حزب الأمة، الغالب في المجلس المركزي، معاوية البرير، يوم 24 نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي عن تلك التسوية فقال إنهم التقوا قبل يومين مع المكون العسكري ولا جديد في التفاهمات معه. أما ما جاء على لسان رئيس الحركة الشعبية (التيار الديمقراطي) وعضو مركزية المجلس المركزي، ياسر عرمان، فقريب من القطيعة. عرمان اشترط يوم الأربعاء الماضي ألا توقع “الحرية والتغيير” على التسوية قبل إطلاق سراح المعتقلين من صف الثورة، ووقف العنف تجاه الاحتجاجات المناهضة للحكم العسكري. وقال إن أجواء الانتهاكات بحق رفاقه وشباب الثورة لا تساعد على التعاون من أجل حل سياسي، بل وصف توقيعهم على التسوية في مثل هذه الأجواء بالمعيب.

 

لا بد أن ثمة علة جوهرية في تسوية خرج طرف منها بهذا النذير ولم يجف مداد إعلانها على الملأ قبل أيام، والعلة ليست في التسوية من حيث هي كما في نظر كثير من رفاق “المركزي”. فالتسوية واردة في سياق كل صراع، لكن تحرص الأطراف في النزاع مثل “المركزي”، وقد خسر كل أراضيه بالدولة خلال انقلاب أكتوبر (تشرين الأول) 2021، أن تأتيها وقد استردت بعض قوتها لتفاوض معززة بها. وعليه فعلة التسوية في خروج “المركزي” لها في حين لم يستعد خسائره فحسب، بل زاد أيضاً ضعفاً على ضعف كما سنرى.

جاء على لسان ياسر نفسه عرض للتسوية في مؤتمر صحافي عقده “المركزي” في 16 نوفمبر، فقال إنها ستنفذ على مرحلتين، الأولى هي التراضي عند إطار مبادئ لإنهاء الانقلاب وقيام حكومة مدنية، أما الثانية لتطوير الاتفاق في سياسات للتنفيذ.

وجاء على رأس المبادئ في الاتفاق الإطاري تكوين جيش مهني بعيداً من السياسة يمتنع عن الاستثمار الاقتصادي في غير الصناعة الحربية وتحت إشراف وزارة المالية، ومنها إصلاح الشرطة والاستخبارات، علاوة على استقلالية الأجهزة العدلية.

 

وشملت هذه المبادئ أيضاً إصلاح الاقتصاد ووقف تدهوره الذي يعانيه السودانيون بإطلاق عملية شاملة للغاية، كما اتفقت الأطراف على مبدأ العدالة والعدالة الانتقالية. وستقوم بمقتضى التسوية حكومة مدنية ومجلس تشريعي ومجلس وزراء مدني لاستكمال الفترة الانتقالية. وستكون المرحلة التالية هي تطوير الاتفاق الإطاري بمشاركة الجماهير أصحاب المصلحة في التغيير حول أربع قضايا، وهي:

1- العدالة والعدالة الانتقالية لشهداء نظام الإنقاذ، وخلال الثورة، وفي ما بعد انقلاب أكتوبر 2021.

2- قيام جيش مهني موحد تندمج فيه قوات الدعم السريع في القوات المسلحة.

3- إصلاح اتفاق جوبا للسلام (أكتوبر 2020) وتنفيذه مع الأطراف الموقعة عليه.

4- تفكيك نظام الثلاثين من يونيو (حزيران) وسيادة حكم القانون وكفالة الحقوق الأساسية.

بدا للمراقب أن المجلس المركزي ربما طلب من التسوية فوق ما يأذن به ميزان القوة كما هو قائم اليوم، فلم يأت للتسوية مع العسكريين من موقع قوة معززاً بقوى الثورة في الشارع كما في أغسطس (آب) 2019.

فلم يجرده الانقلاب من كل سلطان، ويلغى كل قرارات حكومته الانتقالية، ويتخلص من طاقم كادره في الدولة فحسب، بل أغرى أيضاً خصومه من النظام القديم به فاستعادوا أكثر أراضيهم التي فقدوها بعد الثورة.

بل ويحدق شارعهم المضاد، الذي أطلقوه بقوة ببعثة الأمم المتحدة بالخرطوم، التي هي طرف في التسوية، لوقف التسوية.

الحصان الخاسر… السودان المبتلى في قواه السياسية

ووصف هؤلاء الخصوم التسوية بأنها ثنائية استبعدت قوى مؤثرة في الأمة لتعيد إنتاج دولة الحرية والتغيير “البغيضة”، وقالوا إنها لن تمر سواء جاءت سلماً أو من فوق دبابة.

ليس أدل على الضعف الذي جاء به “المركزي” للتسوية من اعتزال أحد أميز مفرداته، وهو حزب البعث، حتى خلال مساعيه لعقدها مع العسكريين.

ومعلوم اعتزال “المركزي” من جماعات في قوى الحرية والتغيير حتى مساومة أغسطس 2019 مع العسكريين، وطال الاعتزال وأسفر عن عدائية له سافرة.

كانت قوى الحرية والتغيير قد دخلت مفاوضات مساومة أغسطس 2019 من فوق غزارة شباب المقاومة واستماتتهم كما تقدم. وهؤلاء الشباب الآن ليسوا خارج “المركزي” وحسب، بل في خصومة معه أيضاً، فلم تعد لجان المقاومة تعترف حتى بـ”المركزي” كياناً سياسياً، وأخذت تتعاطى معه متى نشأ الظرف عن طريق مكوناته فرادى.

وضعف “المركزي” مما عبر عنه أحد ممثلي المقاومة بقوله إن ميزان القوة تغير بعد انسحابهم منه منذ أغسطس 2019 احتجاجاً على التسوية الماضية. أضاف أن “المركزي” لم يعد قوياً بما يعني أنه صار جنرالات بلا جيش.

وتستعصم المقاومة حيال العسكريين بلاءاتها الثلاث: لا تفاوض لا شراكة لا مساومة. وتدعو إلى إسقاط الانقلاب بعمل مدني بواسطة تظاهراتهم المليونية والإضراب السياسي والعصيان المدني.

وسأل راشد نبأ، الإعلامي النابه بـ”S 24″، أحدهم عن عدم اهتمامهم خلال مقاومتهم بقضايا شاغلة للناس مثل الاقتصاد والجريمة والصراعات القبلية وانفلات النيابة والشرطة في مواجهتهم، فكان رد عضو المقاومة أن الانقلاب هو السبب من وراء كل ما ذكر، وأنهم قائمون بعزيمة لإنهاكه حتى يصل إلى نقطة لا يكون بعدها قادراً على القمع، لأنه لم يعد يقوى على تكلفته.

أما “البعث” الذي اعتزل مساعي “المركزي” للتسوية، فقال إنها مفخخة والقصد منها شق جبهة الثورة من دون أن تتمكن من بناء جبهة عريضة لمقاومة الانقلاب.

وقال باستحالة أي تسوية مع الانقلابيين الذين أعاقوا الانتقال الديمقراطي، وغدروا بالوثيقة الدستورية (2019)، ولم يسفروا منذ انقلابهم في أكتوبر 2021 إلا عن العداء منقطع النظير للثورة.

و”البعث” متفق مع المقاومة في آلية التصعيد. وأكد مع ذلك حرصه على وحدة “المركزي” وسيبقى فيه لا يؤرقه الخلاف حول التسوية ليغادر ساحته.

وخلافاً لـ”البعث” الذي يرى في التسوية خطأ سياسياً كبيراً نجد الحزب الشيوعي يحمل التسوية محمل خيانة أخرى من الحرية والتغيير للثورة سبقوا إليها بقبولهم تسوية 2019.

فقال إن “المركزي” يعتقد أن إنهاء الانقلاب سيتم لا بالعمل الجماهيري بل بإنهاء التناقض الثانوي بينه وبين العسكريين في شراكة جديدة مفاتيحها بيد العسكريين، وهي شراكة وصفوها دائماً بـ”شراكة الدم”، فليس ما نتحدث عنه تسوية بل مؤامرة.

 

جاء “المركزي” للتفاوض، وهي ساحة صراع للقوى، مجرداً من القوة كما رأينا من اعتزال حتى جيشه السياسي، وهي لجان المقاومة، ولما خلا وفاضه من الشوكة احتاج إلى وازع الوطنية وندائها الذي لا يقاوم.

فذكر ياسر الحيثيات التي أملت عليهم التفاوض مع العسكريين للتسوية، فالبلد خربت وتوقفت الخدمات الصحية التعليمية وغيرها، علاوة على هشاشة الوطن واحتقاناته القبلية والمناطقية، ناهيك بتعدد الجيوش، ففينا جيشان بميزانيتين منفصلتين ولكل علاقاته الخارجية المستقلة.

وقال إن التفاوض مع العسكريين ليس منحة منهم، بل فرصة من صنع نضال الشعب ضد الانقلاب ولإقامة سلطة ديمقراطية.

كما حفزهم للتفاوض ما رأوه من سباق النظام القديم للعودة إلى الحكم، وعليه اختاروا قطع الطريق عليه بالمفاوضات مع العسكريين، ولا يستهين ياسر بالمصاعب التي تكتنف التسوية، لكن حلها عنده سيكون في وجودهم في السلطة وبواسطته.

وربما كان هذا التعويل على العسكريين في المساهمة لحل مشكلة من صنعهم كما في رأي “المركزي” نفسه، ما استنكره الكاتب المخضرم كمال الجزولي، الذي قال إنه استمع لمؤتمر “المركزي” عن التسوية ولم ير كيف لمثله أن يطمئن لسداد تسوية لم يدخر لها قوة مع خصم لم يدخر من جانبه طاقة لهلهلته من كل الوجوه.

وأكد أنه لن يقع له هذا الاطمئنان لـ”المركزي” إلا إذا كانت لديه “طريقته الخاصة في تقليم مخالب هؤلاء الانقلابيين، وخلع أنيابهم”، فإما هذه الطريقة الخفية، وإما أن تكون التسوية هي قداس لاستسلام “المركزي” للعسكريين.

اندبندنت عربية

أخبار ذات صلة