القمة الأفريقية.. مَشَاهِد وقراءات قبل إسدال السِّتار!!

161

وأخيراً أسدلت القمة الأفريقية الستار وعاد القادة ورؤساء الوفود أدراجهم بعد مداولات ساخنة امتدت لـ(48) ساعة داخل وخارج قاعة “نيلسون مانديلا” التي احتضنت الفعاليات الرسمية بمقر الاتحاد الأفريقي بشارع مكسيكو بالعاصمة الأثيوبية أديس أبابا. 

ملفات حاسمة وحساسة!!

في نظر الكثيرين تُعد القمة الثلاثين ساخنةً ومُهمّةً، بحسب الملفات التي بحثتها، وأهمها المُلفان الحساسيان للقارة والقادة الأفارقة، وهما الإصلاح المُؤسّسي لمفوضية الاتحاد وإعادة هيكلتها، وإقرار تمويل الأعضاء للاتحاد.

ويقول الصحفي المُختص في شؤون القارة عبده عبد الكريم لـ (التيار)، إنّ إصلاح الاتحاد الأفريقي وإعادة هيكلتها، وإقرار مسألة تمويل الدول الأعضاء لأنشطته قضيتان في غاية الأهمية والحساسية، لأنهما ترتبطان باستقلال القرار الأفريقي، وحل قضايا القارة داخل أسوار القارة السمراء.

أزمة تمويل..!

يرى المُتابعون جلياً، أنّ القمة التي أسدلت الستار أمس، كانت تُعاني “نقصاً لافتاً في التمويل”، ويُؤكِّدون أنّ القادة الأفارقة فشلوا في إيفاء التزاماتهم المالية تجاه الاتحاد.. قلة المال ظهرت بصورة لافتة في التخلي عن كثير من الأنشطة التي دأب الاتحاد إعطاءها أولوية في قمم سابقة، بل أنّ “الفقر” جعله يُقلِّل التركيز على قضايا جوهرية تعني القارة، بل أنّ الاتحاد بدا متقشفاً و”فقيراً” هذا العام، وبان ذلك بوضوح في الخدمات “البسيطة” التي كان يُقدِّمها للضيوف.

قمة الثنائيات والتباهي!!

انشغل القادة الأفارقة بلقاءاتهم الثنائية، ولم يركزوا كثيراً على اجتماعات القمة، وهو ما تبدّى في الحركة الدؤوبة والماكوكية للوفود المُرافقة للرؤساء، لترتيب أكبر عددٍ من اللقاءات الثنائية بين الزعماء.
سيدة مُرافقة لأحد الوفود شَخّصت الحالة لـ (التيار) بقولها: “الرؤساء والزعماء الأفارقة عادةً يُشاركون في القمة بقصد التباهي”، وأضافت: “بل أنّ بعضهم يسألون عن غياب بعضهم، وعن أسباب عدم مُشاركتهم في القمة، وحين يعرفون أنّ الأسباب سُوء الأحوال المالية والاقتصادية في بلاده، يسخرون منه”، بيد أنّ السيدة استثنت بعض القادة دُون تسميات، وقالت إنّهم “ربما يتضامنون مع الزعيم المُتخلِّف عن المُشاركة، إذا كانت أسباب تخلُّفه موضوعية”.

أفريقيا تخذل ليبيا!!

ليبيا راحت ضحية لمُغادرة قادة رؤساء الاتحاد الأفريقي، وذلك لأنّ اجتماعاً مُخصّصاً للقادة الذين أُوكل لهم الاتحاد مُناقشة الاضطراب الذي تشهده منذ سُقوط نظام القذافي، وكيفية مُواجهته، أُلغي دُون إبداء أسباب.. إلغاء الاجتماع دفع وزير الخارجية الليبي محمد السيالة لعقد مؤتمر صحفي شَرَحَ فيه قضية بلاده لأجهزة الإعلام، ولسان حاله يقول: “ما حك جلدك مثل ظفرك”، فقد خذل الأفارقة شعبه الذي كان يأمل الكثير من اجتماعهم.

سد النهضة يسرق الأضواء!!

بينما القادة والرؤساء الأفارقة يدخلون قاعة “نيسلون مانديلا” بمقر الاتحاد لحُضُور الجلسة الأولى لليوم الختامي للقمة، كَانت الأنظار، وربما عدساتها كاميرات الصّحفيين تتّجه إلى “فندق شِيراتون” الفَخم، حيث تُعقد الجلسات “الثنائيّة المُهمّة” هناك.. الكُل كان ينتظر اجتماعاً فوق العادة، ينتظر أن تشهده قاعات الفندق الثرية لبحث القضية التي أخذت حيِّزاً كبيراً من التداول، بل سرقت تركيز القادة، وهي المُباحثات المُهمّة بين رؤساء أثيوبيا والسُّودان ومصر المُتعلِّقة بسد النهضة الأثيوبي. الرئيس الأثيوبي باعتباره مُضيفاً للجميع، بدا مثل “أم العروس” عليها “مجاملة الجميع” وتفقدهم، وحسب متابعة (التيار) أنّ هايلي ماريام ديسالين، وصل مقر الاتحاد الأفريقي وحضر الجلسة الافتتاحية لفعاليات ختام القمة. وتضيف: “لكن مُشاركته في الافتتاح لم تحل دون وصوله قبل ساعة من الوقت المحدد إلى فندق شيراتون، حيث تُجرى مباحثات سد النهضة”، وتتابع: “فور وصوله اتجه إلى القاعة المُغلقة المعدّة مُسبقاً من أجل الاجتماع”.

أحضان رئاسية دافئة!!

في التاسعة وخمسة وعشرين دقيقة من صبيحة أمس، دخل الرئيس المصري السيسي الي القاعة ” فندق شِيراتون”، وفور وصوله هرع مضيفه ديسالين لاستقباله بحفاوة. ومن “لغة الجسد” بدا لـ (التيار) أنّ ديسالين والسيسي كانا سعيدين باللقاء، فقد استقبلا بعضهما بابتسامة واسعة وأحضانٍ عريضةٍ ودافئةٍ، كأنّهما أرادا القول للحضور أو لبعضهما: “التوتر والخلافات التي شابت مُفاوضات سد النهضة قد تلاشت”.

تأخير البشير يُثير القلق!!

دخل الرئيسان ديسالين والسيسي فور وصول الأخير لفندق شيراتون في اجتماع مُغلق استمر 45 دقيقة، لم تخرج عنه أيِّ تسريبات، لكن مراقبين ذكروا لـ (التيار) أنّ الرجلين حسما أمرهما قبل وصول الرئيس عمر البشير، الذي أثار تأخيره قلقاً لافتاً عكسته وجوه وزيري الخارجية سامح شكري وورقني جيبوا.. سأل شكري نظيره جيبوا بقلق عن الرئيس البشير أثناء وقوفهما خارج القاعة، وقال بالإنجليزية (Not arrived yet).
وما أن أطل البشير في الساعة التاسعة وأربعين دقيقة، سرت موجة ارتياح بين الحَاضرين، لكن للبعض رأيٌ آخر ولفت انتباهي الطريقة التي قابل بها ديسالين البشير، فقد قطع مسافة أكبر من المسافة التي قطعها ديسالين إلى قاعة الاجتماعات.

لا تؤرِّق صمتي!!

دخل الرؤساء الثلاثة في اجتماع سري مُغلقٍ ومطولٍ، لم يعكر سريته سوى الأصوات العالية الصادرة من أطقم الحراسة والدبلوماسيين والسفراء المُرافقين والصحَفيين.. وهو ما دَفَع أحد أفراد الحراسة للفت أنظار الحَاضرين لخفض أصواتهم، لأنّها تزعج الرؤساء الذين لم يتسرب عنهم سوى الصمت رغم الضجيج المُحتمل داخل القاعة والذي حالت دونه الجدران العازلة.
استمر الاجتماع الثلاثي “رأساً برأس” وبدون مُساعدين لساعتين، وطال زمنه عمّا كان مُتوقّعاً، ما أثار موجة من التكهنات بين الحَاضرين، بعضها متشائمٌ، يعرف أنصاره أنّ التوصُّل لاتفاق بين الثلاثي محفوفٌ بالتعقيدات، والبعض الآخر كان مُتفائلاً بقدرة الرؤساء على تجاوز الصعاب والوصول إلى حل لأكثر الملفات الأفريقية تعقيداً، وإعادة الحياة للتفاوض الذي “تَجَمّد” قبل أن يحل الشتاء في الهضبة.

مياه النهضة خارج الأجندة!!

أخيراً انهدّ جدار الانتظار، وخرج الرؤساء الثلاثة ليعلنوا لمُعاونيهم أنّهم اتفقوا على إصدار توجيهٍ لوزراء الخارجية بالدول الثلاث “سامح شكري، إبراهيم غندور وورقني جيبوا”، ورؤساء أجهزة الأمن ووزراء الري واللجان الفنية لحل القضايا الخلافية ورفع تقاريرهم للرؤساء.. كما أعلنوا عن اتفاقهم على إنشاء “صندوقٍ مُشترك” بين الدول الثلاث بنسبٍ مُتساويةٍ.
وفور انتهاء اجتماع الرؤساء، سَارَعَ وزير الخارجية إبراهيم غندور بالقول للصحَفيين، إنّ الرؤساء اتّفقوا على أن ترفع لهم اللجان الثلاث تقاريرها شهرياً بشأن القضايا محل الخلاف لحلها.
وأوضح أنّ اجتماع الرؤساء لم يناقش أكبر القضايا الخلافية بين الدول الثلاث، وهي قضية “سنوات ملء بحيرة سد النهضة”، وأنّ الصندوق المُشترك الذي تَمّ الاتفاق عليه تتم المُساهمة فيه بنسبٍ مُتساويةٍ بين الدول الثلاث، وقال: “لم نتّفق على الأرقام، لكنها بالتأكيد ستكون مُتساوية”.

لملمة الأزمة!!

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بدا أكثر الثلاثة سعادةً بما دار في القاعة المُغلقة، وبمُجرّد أن خرج من الاجتماع، حاول بث رسائل “تطمين” في اتجاهات مُتعدِّدة، وقال للصحفيين: “كونوا مُطمئنين تماماً بأنّ مصر وأثيوبيا والسودان لديهم قادة مسؤولون”، وتابع: “التقينا واتّفقنا، ولا يُوجد ضررٌ على أحدٍ، وأكّدنا أنّ هنالك مصلحة واحدة تجمع الثلاث دول، وصوتنا واحدٌ، ولا توجد أزمة بيننا”.
رسائل السيسي أثارت تكهنات المُراقبين، وقال البعض إنّها مُوجّهة للداخل المصري المشحون، وآخرون رأوا أنّها مُوجّهة لشعوب البلدان الثلاثة، لكنهم أجمعوا على أن الاجتماع أفلح في إذابة جليد التفاوض بين البلدان الثلاثة الذي تثاقل منذ الصيف وقبل حُلُول الشتاء.

شبكوا أيديهم عالية!!

السرور الذي بدا في مَلامح الرئيس المصري بعد الاجتماع، انتقل لملامح رصيفيه السوداني والأثيوبي، لكن السيسي سارع بإعلانه على الملأ حين طلب من البشير وديسالين “شبك أياديهم” ورفعها عاليةً.. وهو ما جعل مراسل وكالة أنباء “الأناضول” عبده عبد الكريم يقول في حديث لـ (التيار) إنّ الرئيس السيسي كان أكثرهم سعادةً، وتابع: “كأنّما الاتفاق تمّ وفقاً لما يريده، وأن نتائج المُفاوضات جَرت لصالحه”، وأرجع تحليله إلى أن الرئيس المصري هو “صاحب مُبادرة شبك الأيادي” ورفعها عاليةً أمام كاميرات التلفزة والصحفيين.. ورأى أنّ الاتفاق سيُعزِّز فرص الرئيس عبد الفتاح السيسي في الانتخابات المصرية المُرتقبة، وأضاف: “سينظر إليه بأنّه سَاهَمَ في حل مشكلة سد النهضة، التي تُعد قضية حياة أو موت للمصريين”.

اتفاق طي الكتمان!!

على الرغم من بقاء الكثير من تفاصيل اتفاق الرؤساء طي الكتمان، لكنه مُعقّدٌ وتَمّ على عَجلٍ، وهو ما أشار إليه أحد أفراد الوفد السوداني في حديث لـ (التيار)، بقوله: الاتفاق (Very Complicated)، وتابع: “لقد تمّ الاتفاق بشكل سريع، لكنه تضمّن تناقضاً يتمثل في استحداث لجان وزارية لبحث المَشاكل، إلى جانب الشركات الهندسية والاستشارية الفرنسية التي تعمل على دراسة وحل القضايا محل الخلاف بين الدول الثلاث.

مها التلب