الشعب يريد إسقاط النظام… صديق محمد عثمان

274

– لا يمكن قبول اصرار المعارضة السودانية على تسليط الضوء على مظاهر فساد سلطة الانقاذ المالي والاقتصادي والقانوني وتجاهلها أصل الداء. لا يمكن باي حال من الأحوال صرف ذلك الى الغباء او الجهل السياسي فمن بين منظمات المعارضة احزاب ضاربة في القدم.
– كما لا يمكن قبول محاولة قوى المعارضة التنصل من مسؤوليتها عن ما وصلت اليه البلاد من تدهور بفعل ممارساتها عندما كان بعضها يحكم السودان قبل الانقاذ، وبفعل مشاركتها سلطة الانقاذ بعضا من مسؤولية ممارساتها التي راكمت ذلك التدهور وسارعت خطاه.
– ومن سوء حظ قوى المعارضة ان الشعب الذي تريد إخراجه لاسقاط سلطة الانقاذ ينظر الى المشهد بسخرية بالغة فيرى السيد الصادق المهدي وأبنائه وبناته وبعض رموز حزبه يدعون لاسقاط السلطة التي يتربع على عرشها ابنه الأكبر السيد عبدالرحمن الصادق المهدي، يقرا الناس في اخبار المعارضة أنباء احتجاز السيد الصديق الصادق المهدي بينما يطالع في اعلام الحكومة صور السيد عبدالرحمن الصادق المهدي وهو يفتتح بعض الاعمال او يخاطب ندوات او يشارك في مناشط ماراثون تنظمه جهات حكومية تحت رعايته بصفته مستشارا لرييس الجمهورية. يقرا الشعب الأشعار والخطب الحماسية للسيد عمر الدقير وتنتهي الى مسامعه أنباء اعتقال الدقير الصغير في نشرات حزبه الصغير، بينما تتجدد في صحف الحكومة أنباء خلافات السيد جلال الدقير مع السيدة اشراقة حول زعامة حزبه وأحقيته بمنصب مستشار الرئيس البشير هذا عدا عن اخبار الدقير الاخر الوزير بولاية الخرطوم.

– المعارضة التي خرجت من البلاد وتركت شعبها أعزلا بلا موسسات سياسية يواجه صلف وعسف سلطة الانقاذ، ظلت بعيدة عن ديناميكية الفعل السياسي مهما تقلبت بالبلاد وبالناس الابتلاءات وفِي مرات كثيرة سقطت سلطة الانقاذ او كادت وباتت ليال مرمية على قارعة الطريق والشعب هو الذي كان يجتهد في تسيير حياته بلا موسسات سياسية.
– ولسوء حظ المعارضة ان الشعب يتذكر جيدا انها لم تهب لنجدته حينما نشط هو يدبر أمور ازماته بالحد الأدنى من المعينات السياسية، بل عادت ذات المعارضة في ضيافة ذات السلطة التي تدعي معارضتها وفوق ظهر سيارات مراسمها واقتسمت معها المناصب والسلطات وقبلت منها الأوسمة والأنواط والنياشين وشاركتها المسؤولية الكاملة عن فصل الجنوب وحريق دارفور . هل تذكر المعارضة دارفور؟ ان كانت لا تذكر فالشعب -خاصة في دارفور – يذكر جيدا انه هب وثار ضد عسف الحكومة وجنونها الذي انطلق يزرع الفتنة فوق ظهر جواد في قرى دارفور الامنة، هب شعب دارفور وثار وأرسل ثلة من ابنائه الى معسكر المعارضة يبلغونه اخبار ثورة شعبه ويطلبون عنده السند المادي والخبرة والحكمة السياسية فماذا فعل تجمع المعارضة لدعم ثورة شعب دارفور؟ هل استقبل ثواره المندوبين وأفسح لهم صدر مجالسه واجتماعاته استحقاقا وعرفانا بما قاموا به من ثورة ونضال ؟ ام انه اظهر الضيق والحنق على شعب وثوار دارفور الذين يريدون ان يقاسموه “ثمار ” النضال ومفاوضات سلطة الانقاذ؟
– لقد كانت عين التجمع الوطني الديمقراطي على نسبة ال ٢٤٪؜ من المناصب والمكاسب التي رمتها لهم سلطة الانقاذ في سلة اللواء عمر سليمان بالقاهرة وثوار دارفور يقبلون عليه وفِي رصيدهم ثورة بداوها من حيث انتهى نضال حركات التمرد الاخرى بغزو المدن وحرق الطائرات التي تشارك في قتل شعبهم وبذلك انجزوا – كما اشار جون قرنق- ما لم تنجزه حركته في عشرين عاما ولذلك فمكانهم الطبيعي ان يكونوا طليعة قوى المعارضة وان يستنصر بإنجازهم تجمع المعارضة ليعيد ترتيب أوراق العمل السياسي ويقلب طاولات التفاوض ويحرر الحركة الشعبية من كمين نيفاشا ويقلب موازين مفاوضات القاهرة / جدة/ حيبوتي. فهل كان ذلك ما حدث فعلا؟ كلا فقد رفضت المعارضة ادخال حركات دارفور لتجمعها ( الوطني الديمقراطي) ومضت في مفاوضاتها مع سلطة الانقاذ كان ما وقع في دارفور لم يكن يعني شيئا ثم انتظرت طائرات السلطة وتذاكر طيرانها السخية تحملها على جناح المحاصصة السياسية وسيارات مراسمها الفخيمة تقلها من مطار الخرطوم الى فنادق الخرطوم وفيللها الرئاسية ومناصب وزاراتها ومقاعد برلمانها وسفاراتها وملحقياتها الإعلامية.
– وكما تركت ثوار دارفور في الخارج فان قائدا سياسيا واحدا من المعارضة العائدة هو الذي تجرا على زيارة معسكرات الذل والهوان في دارفور فوق سيارات وطائرات الحكومة واغضبه هتاف بعض النازحين ضده وأصوات أحذيتهم المهترئة يحدث ارتطامها بسيارات الحكومة التي تقله أصواتا اعلى من رايات زعامته التي لم يقم بحقها خير قيام.
– ان الشعب الذي تحاول قوى المعارضة السياسية الان استنفاره لاسقاط سلطة الانقاذ ليس غافلا عن فساد الانقاذ غير المسبوق، ليس قياسا الى فساد المعارضة نفسها في الحكم وفِي المعارضة، وانما قياسا الى ما علقه على الانقاذ من امال، وقبل ان تكتب المعارضة شيك مطالبتها باسقاط سلطة الانقاذ عليها ان تتاكد من رصيدها في بنك الشعب.
– نعم يا سادتي الشعب يريد إسقاط النظام وليس فقط سلطة الانقاذ، فما معنى ان يخرج عبدالرحمن الصادق المهدي من بوابة القصر الجمهوري الغربية وتدخل الدكتورة مريم الصادق من بوابته الجنوبية؟، وما معنى ان يبعث الشعب خطاب الإقالة للسيد جلال الدقير الذي يمارس وظيفة مستشار الرئيس بالبلوتوث من وراء البحار معظم العام ثم ينصب مكانه شقيقه الاشقر السيد عمر الدقير ؟
– الشعب يريد إسقاط النظام الذي وضع اساسه انقلاب حزب الأمة في ١٩٥٨ ورفع ( عتبه) انقلاب الحزب الشيوعي وبقية احزاب الوكالة القومية العربية واختتمه انقلاب الانقاذ. والشعب ليس في حاجة الى عرضحالات المعارضة لتبين له حجم الظلم والضيم والفساد الانقاذي، فعلى ظهره جرت الانقاذ شوكها ومن رصيد احلامه بالعيش الكريم اتخمت نخبة الانقاذ بالفساد الذي يزكم الأنوف.
– لم تكن فكرة حزب الأمة الساذجة بالاستقلال عن التاج الأدنى والاحتفاظ بالولاء للتاج الأعلى هي سبب فساد نظام الفريق عبود، ولا كانت مجرد تطلعات الحزب الشيوعي لصناعة برجوازية صغيرة لضرب إقطاع متوهم هي سبب فساد انقلاب مايو، ولا علاقة البتة بين الفكر الاسلامي السديد وما ارتكبته الانقاذ من فساد سياسي واقتصادي ومالي، ففكرة حزب الأمة بالولاء لقتلة الامام المهدي على سذاجتها وقلة مروءتها ما كانت لتضر بالوطن كله وان كانت لتخسف بالحزب وتجرده من حق احتكار الولاء للمهدي، ومثابرة الحزب الشيوعي في حرق مراحل النضال كشفت لهاثه للسلطة ودفع ثمنها غاليا واحتل مكانه الطبيعي في متحف التاريخ، وخروج الأمويين الجدد من عباءة الصحوة الاسلامية واستغلالهم قميص عثمان عجل سقوطهم في براثن المماليك الجدد وهاهم يذيقنوهم خسف الاذلال الذي ادعوا بان شيخ حسن يمارسه عليهم. ومحاولة بعض القوى السياسية نسبة فساد الانقاذ الى فكر جماعتها الاسلامي هو حديث مخاتل فالاستبداد السياسي والفساد الاقتصادي والمالي لا فكر له بل هو وليد شرعي للنظام السياسي الذي رفضت النخب السياسية اصلاحه بين يدي الاستقلال وظلت ترفض محاولات الإصلاح اللاحقة تباعا.
– لذلك يقف الشعب على الرصيف يكافح من اجل البقاء وقد قطع العشم في نخبه السياسية. وان كان ثمة قايد سياسي سيستمع اليه الشعب فليس من بين هؤلاء الذين يتنصلون عن مسؤوليتهم في ما لحق الوطن من خراب، بل القائد الذي يعترف بشجاعة بفساد النظام كله حكومة ومعارضة ويحدث الناس عن بديل شامل يجرد السلطة من صلاحيات تفتيش ضمائر شعبها وقياس فساتين فتياتها وتوزيع صكوك الوطنية وتهم الخيانة الوطنية، ويحصرها في مهام السيادة دفاعا عن الوطن وتمثيلا دبلوماسيا وسعيا بارادته بين الامم.
– الشعب يبحث عن نظام يخسف بوزارة الاعلام ومؤسساتها المركزية الارض ويكف يد السلطة المركزية عن جباية اموال زراعته ورعيه لتدفعها الى نخب تتسامر باسم الثقافة في إندية خرطومية صرفة.
– والشعب يبحث عن نظام يذهب بكليات الطب الى علي الحاج، والضو مختار، وحامد رشوان، ومحمد احمد الشيخ، وكليات الهندسة الى محمود شريف وأبوبكر الصديق والأقرع في اماكنهم عوضا عن ان يكدح هو لابتعاثهم اليها بتصاريح السفر وعلى أكتافهم بقج الهدوم ف ( شن طعم الدروس ما دام بكانها مشي قطر ؟ وكيف ذاتها ترتاح النفوس تقبل قرايةً في سفر ؟ وريني؟).
– لقد دفع السودان ثمنا باهظا منذ الاستقلال يستحق معه افضل مما تعرضه قواه السياسية من مجرد تبادل الاتهام على الفشل. يستحق حقيقة ومصارحة ومصالحة وان ترتفع معايير العمل العام اعلى من مجرد شعارات ساذجة ووعود كذوبة ب ( ديمقراطية) لا تمارسها الأحزاب السياسية نفسها.
– الشعب يريد إسقاط النظام اما سلطة الانقاذ فقد لحقت بأخواتها غير المحسنات منذ ان التمست المشروعية في غير مظانها وتطلعت الى ان تحل مكان حزب الأمة في الولاء للتاج البريطاني والحزب الاتحادي في التنازل للتاج الخديوي والحزب الشيوعي في حرق المراحل وعدم الاصطبار على نضال التغيير. الانقاذ سقطت فكريا واخلاقيا وما سيحدث من سقوطها المادي الحتمي لن يكون اكثر من اعلان رسمي يمكن أهل الميت من نصب سرادق العزاء وتلقي المواساة. وفِي مقبرة الحكومات سترقد جنبا الى جنب مع اخواتها، وبديل الانقاذ ليس مولودا سياسيا خديجا آخر.

error: Content is protected !!