كيف سيتعامل بنك السودان مع “البقرة”؟

461

بعد أن نظر عاطف حسين ذو الثلاثين عاماً لصحف الأمس التي تحمل تحذيراً رسمياً من التعامل بفئة الخمسين جنيه، نفض يده من الصحيفة وقال: “ما حأشيلها تاني.. مالي ومال الزول الدقوا وشالوا عجلتوا”- في كناية عن الرغبة في الابتعاد عن كل ما من شأنه إثارة المشكلات.

تحذيرات النائب العام عمر أحمد أتت بعد ضبط السلطات الأمنية لنحو 315 ألف جنيه مزيفة في معبر أرقين الحدودي الشمالي الأسبوع الماضي، مشيراً إلى أن هناك مبالغ تقدر بمئات الملايين من فئة الخمسين جنيه تم تزويرها.

يرى مدير وحدة التنفيذ في الشركة السودانية لطباعة العملة عبد الكريم عبد الحميد الفضل أنهم لم يتلقوا تحذير النائب العام بشكل رسمي باعتبارهم الذراع الفني لبنك السودان، إلا أنه يقول إن التزييف ينجح في حال عدم إحاطة المواطن بتفاصيل عملته أو يتساهل في فحصها، ويضيف: “السودانيون في العادة لا يميلون لفحص العملة أثناء التعاملات باعتبار أن ذلك يمثل إهانة للطرف الآخر بالرغم من أن ذلك حق أصيل”.

ويصف المسئول في الشركة السودانية لطباعة العملة، العملة السودانية بأنها على  قدرٍ عالٍ من التأمين مما سهَّل عملية اكتشاف التزييف، ويردف الفضل: “يستند تأمين العملة السودانية على أسس عالمية من خلال ورق خاص بطباعة العملات بجانب الأحبار والعلامات التأمينية وفق المواصفات العالمية”.

ويلفت الفضل إلى أن تزييف العملة عمل إجرامي لا يرتبط بقوة تأمين العملة أو ضعفها، مشيراً إلى أن أكثر العملات تزويراً في العالم هي الدولار الأمريكي المعروف بتأمينه العالي.

وليس بعيداً عما سبق، يقول الخبير الاقتصادي، والمدير السابق للأمن الاقتصادي د. عادل عبد العزيز إن العملة الورقية السودانية تتمتع بعناصر تأمين متقدمة للغاية فعجينة الورقة المخلوطة بخيوط حريرية دقيقة تظهر ألوانها تحت الأشعة تحت الحمراء  فضلاً عن العلامات المائية المتعددة والشريط المعدني المدمج مع الورقة والطباعة البارزة يجعل من أمر تزويرها شأناً صعباً للغاية ومكلفاً، خصوصاً إذا كان المقصود من التزوير الإدخال في النظام المصرفي والتأثير على قيمة العملة.

ويشير عبد العزيز إلى أن التزوير البدائي والذي يتم عن طريق الإسكانر والطابعات الملونة فإنه ينطلي على البسطاء من الناس ولا ينطلي على الإطلاق على موظفي البنوك أو رجال الأعمال.

ويلفت الخبير الاستراتيجي حنفي عبد الله إلى أن تزوير الفئة المالية الأكبر يأتي لاعتبارات تتعلق بالتكلفة في سياق عمليات إجرامية تتصل بغسيل الأموال وجرائم تضر بالاقتصاد القومي، داعياً المواطنين للتعاون مع السلطات الأمنية عبر التدقيق في الفئة النقدية المحددة والتبليغ الفوري عن أية عملات مزيفة، لافتاً إلى أن التداول سيتم من خلال الزج بالعملات المزيفة في وسط حزمة من العملات السليمة لتسهيل تمريرها.

ويضيف حنفي أيضا أن المزورين سيسعون لدفع أسعار أعلى مما هو معتاد لشراء البضائع أو العقارات مقابل بيعها لاحقاً بمبالغ أقل (كسرها)، أو يلجأوا لشراء العملات الأجنبية خاصة الدولار بأسعار أعلى من قيمته الحقيقية.

خيارات وبدائل

في ظل المعطيات الحالية يطرح البعض خيار إعادة طباعة فئة جديدة لفئة الخمسين لتفادي تأثير عملية التزوير بجانب تحقيق مكاسب أخرى، إلا أن الخطوة تجد معارضة لاعتبارات تتعلق بتكلفتها.

المحلل الاقتصادي المعروف بروفيسور عبد العظيم المهل يقول إن تقديرات حجم التزوير تحدد خيارات البنك المركزي للتعامل إزاء المشكلة، مضيفاً: “إن كان التزييف في حدود 1% من الفئة المطروحة أو أقل فالأمر يمكن تدراكه عبر فحص العملة واستبعاد المزيف منها عبر البنوك ومنافذ البيع والصرف المختلفة”.

ويرى المهل أن البنك المركزي يمكن أن يقوم بتبديل تدريجي لفئة الخمسين جنيه علاوة على توزيع أجهزة كشف العملات بأسعار زهيدة على البيع المختلفة.

ويعود المهل ليقول “في حال كانت الكمية المزيفة كبيرة فمن الأفضل أن يتم إلغاء الفئة وإعادة طباعتها بشكل جديد”.

من جهته، يقول الخبير الاستراتيجي حنفي عبد الله إن خيار طباعة جديدة لفئة الخمسين جنيها يبدو غير عملي لاعتبارات تتعلق بتكلفته الأعلى وخلقه لـ(البلبلة).

ويشير حنفي إلى خيارات أخرى أمنية وبنكية، تتعلق الأولى بمطاردة السلطات الأمنية بالتعاون مع المواطنين للفئات المزيفة ومصادر توزيعها فيما يبدو خيار البنك المركزي الأفضل بتقليل تداول الفئة المعنية عبر السحب التدريجي من التعامل.

من جانبه يرى الخبير الاقتصادي د. عادل عبد العزيز أن الأمر لا يتطلب من البنك المركزي طباعة عملة جديدة ولكنه يستدعي تكثيف الإعلام والتنوير بالعلامات التي تميز العملة الأصلية عن المزورة، خصوصاً في المناطق الطرفية والريفية.

مكاسب جانبية

في مقابل ذلك قد يؤدي سحب فئة الخمسين جنيه من السوق وطرحها بشكل جديد فرصة جيدة للحكومة لإعادة التحكم في الكتلة النقدية ومطاردة الفساد أسوة بتجربة رئيس الوزراء الهندي ماريندرا مودي في نوفمبر من العام 2016م، الذي أوقف التعامل بالفئات النقدية الكبيرة – ٧٥٪‏ من إجمالي العملة النقدية المتداولة- ودفع الناس لتغيير العملة في فترة زمنية قصيرة وفقاً لترتيبات محددة لتضييق الخناق على الفساد المتفشي وانتشار العملة المزيفة في البلاد، بجانب محاربة العمليات التمويلية للحركات المتمردة. خصوصاً مع التقارير عن اعتماد تلك الميليشيات على أوراق نقدية مزيفة من فئة 500 روبية.

يعود المحلل الاقتصادي المعروف بروفيسور عبد العظيم المهل ليقول “إن اضطر البنك المركزي لإعادة طباعة فئة الخمسين بشكل جديد لاعتبارات تتعلق بحجم التزييف فإن البنك المركزي سيحقق إعادة جانبية تتعلق بتحديد حجم السيولة وأماكن توزيعها الجغرافية ومدى المتوفر منها في النظام المصرفي”.

ويضيف المهل أن هذه الإجراءات قد تساعد في الكشف عن عمليات غسل الأموال والتهريب والمضاربين بالعملة.

عاطف ما يزال عند موقفه في وقف التعامل النهائي بفئة الخمسين جنيه دون اعتبار للنظر في الجهة المانحة أو علامات تأمين العملة، وقد لا يكون عاطف وحده فالتوقعات تشير إلى أن الكثيرين سيتحاشوا قدر الإمكان تفادي التعامل بـ(البقرة) -الاسم الشعبي لفئة الخمسين- فهل سيتخذ البنك المركزي خيار إلغائها ويتحمل التكلفة العالية في سبيل ضرب العديد من الأهداف بحجر واحد؟، أم أن الأمر سيقتصر على حملات المراقبة والسحب التدريجي؟، كل هذا ستكشف عنه مقبل الأيام لا سيما وأن السلطات لم تكشف عن حقيقة حجم التزييف في أكبر الفئات النقدية للعملة السودانية التي إن لم يكن أنهكها التزييف فقد أنهكها التضخم الذي اقترب من وضعها في موازاة الدولار الواحد.

 محمد عبد العزيز- السوداني