ما وراء الخبر ..محمد وداعة

219

مولانا سيف الدولة .. جلد الذات !
ابناءنا الذين في الخارج
في مقاله ( ما كنش يتعز يا قوش ) ، كتب مولانا سيف الدولة حمدنا الله ، متسائلاً ( ما الذي يجعل شخص مثل قوش يمتلك الجرأة لان يطرح نفسه للشعب بديلاً عن الانقاذ لحكمنا ) .. ويقول ( وفي تقديري ان السبب في ذلك ، هو اننا جلبنا مهانتنا لأنفسنا بأيدينا ، فقد صمتنا وقبلنا كل الذي فعلته بنا الانقاذ ، واكتفينا بالتغنى بتاريخنا المجيد ونردد اننا شعب معلم ) .. ويقول ( وما جعل قوش يفكر في حكمنا ، هو الخطأ الذي  ظللنا نرتكبه في حق انفسنا ، فقد صفحنا عن كل جلادينا السابقين وقبلنا بهم في صفوفنا بجرة قلم لمجرد خروجهم  من السلطة ، فما الذي نعيبه من قوش ولا نجد مثله  عند الترابي او علي الحاج ) ، ومن قبلهم غفرنا لمبارك الفاضل مشاركته الحكم مع الانقاذ بدرجة مساعد لرئيس الجمهورية ، و حينما طرد من القصر قبلناه ليحكي بإسمنا في المنابر ، ويقول ( لابد ان تعمل هذه الحادثة علي افاقة الشعب من الغيبوبة التى يعيش فيها  ، ليقف علي اسباب الضعف والهوان التي بلغت به الي هذه المرحلة وقد سبق لنا الحديث عن أهم الاسباب وهي عدم وجود تنظيم حزبي  يجمع بين الملايين من ابناء  الشعب المقهور والمظلوم ، اللذين يتم تعريفهم عن طريق  الاستبعاد  من الانتماء للأحزاب القائمة ، فليس هناك ثورة بلا تنظيم حزبي  او نقابي ) ، ولذلك طرحنا فكرة تأسيس حزب  ليتثني له القيام بهذا الدور ، وسمينا شخصيات وطنية يمكنها ان تتولي قيادة هذا التنظيم ، وهذا السبيل الوحيد لخروجنا من هذه المحنة التي طالت ، .. انتهى حديث مولانا سيف الدولة .

ما يعنيني في مقال مولانا سيف الدولة في هذه المرحلة هو الحديث المرير والحزين  في قوله( اننا جلبنا مهانتنا لأنفسنا بأيدينا ، فقد صمتنا وقبلنا بكل الذي فعلته بنا الانقاذ ، و اكتفينا بالتغنى بتاريخنا المجيد ونردد اننا شعب معلم )، خطورة مثل هذا الحديث ان الاحباط  حالة مرضية وبالذات اذا تمكن من قامات لها مساهمات كبيرة خاصة في معارضة النظام الحاكم، ولها تأثيرها في حركة التنوير بشكل عام ..  مثل مولانا سيف الدولة  وآخرين  تظل مساهماتهم الرصينة من محفزات الحراك نحو التغيير.
لاحظت استياء متزايد لدي الكثيرين وبالذات من هم في الخارج ، بعد تراجع الاحتجاجات الاخيرة وعدم قدرتها علي تحريك اعداد كبيرة من المواطنين للانتظام فيها ، و تراجع ارادة للمعارضة نحو استمرارها ..
بداية لابد من اثارة نقطة في غاية الأهمية تتعلق بالوضع الحالي الذي تعيشه بلادنا ، وهو لا يعود فقط الي فشل برنامج الحكومة في تنفيذ رؤى  مستحيلة عملياً ولا يوجد لها اساس نظري محكم ، ولا يعود فقط الي عدم فهم الحاكمين  لطبيعة الصراع  وتطوره في ظل  سيادة  العولمة  وثورة الاتصالات ما بين الفئات السودانية المتصارعة مع اسس ثقافية  وحضارية فحسب ، بل لعله في الاساس يعود الى فشل النخبة السودانية  في ايجاد  مرتكزات مشروع الدولة الوطنية ، وعدم قدرة  المجتمع السوداني علي تطوير نفسه نحو التمازج القومي  في كيان  دولة حديثة تحترم التنوع الدينى و الثقافى و الاثنى ..
من نحن ؟ ملايين السودانيين المتعلمين و المستنيرين ، ادباء و اطباء و مهندسين ،و اساتذة جامعات اختاروا البقاء فى الخارج ، مغتربين و مهاجرين و لاجئيين ، ومنهم من اكتسب جنسية اخرى ، و حمل جوازآ اجنبيآ، و تحولت الخرطوم و المدن الاخرى الى قرى كبيرة  ، انتقلت ارياف بكاملها و استوطنت المدن ، فلم تتكيف و تتمدن و عجزت عن الابقاء على نقاء و بساطة الارياف، ليس فى شكل المبانى و الطرقات و لكن فى اسلوب الحياة ، و الحقيقة ان  حشود بشرية ضخمة ، لا تعنيها ( ساس .. يسوس ) ،و لا يهمها من الحاكم ، او كيف يحكم ، و يتراوح هامش الحرية عندها ، فى الاختيار بين البوش و طلب الفول ! فشاخت احزاب المعارضة وسط انحسار اهتمام الشباب بالعمل السياسى ، و ربما بعض اسبابه استعجالهم الالتحاق بالملايين ممن انقذوا انفسهم و تركونا للانقاذ لتنقذنا من انفسنا ،.. ومع ذلك ، فلا يمكن لومهم على هذا ، و بالطبع ووفقآ لهذا التحليل ان كان صحيحآ،  لا تلام احزاب المعارضة على راهنها  فهذا واقع لا سبيل الى تفاديه إلا باسلوب جديد  ، اما دعوتكم لتأسيس حزب جديد على نفس المنوال فلن يضيف جديدآ.
الصراع مستمر و ان اتخذ اشكالآ مختلفة ، واحزابنا على علاتها هى آخر ما تبقى لدينا ، ولن ينصلح حالها،كما نتوقع مهما صبرت و تجلدت و جالدت ، حتى تعود كوادرها التى هاجرت ، و لن تتغير الاوضاع للافضل لمجرد اسقاط النظام ، فمن يصنعون التغيير مختلفون على ابسط اسباب الاتفاق وهو كيفية التخلص من النظام الحاكم ، ناهيك عن الاتفاق على مشروع وطنى ، يوقف مسلسل تفسخ كيان الدولة،و تتوقف بموجبه الحرب نهائيآ ، ويفتح الباب لحل الازمة الوطنية الجارية على اساس وحدة البلاد ، و مشاركة بنيها فى الحكم على اساس  كفالة الحريات والتداول السلمى للسلطة .

error: Content is protected !!