النهر القديم لا يغير مجراه .. في ذكري رحيله السادسة.. السودانيون يستدعون “وردي” إلى سجن كوبر

411

الثامن عشر من فبراير  2018 امام بوابة سجن (كوبر) كانوا يرددون النشيد (لا السجن ولا السجّان باقٍ)، بدا ليلتها وكأن وردي يغادر قبره في (الفاروق) ويقطع جسر القوات المسلحة ليخبر جماهير شعبه وعاشقيه (الفنان لا يموت). في ذكرى رحيله السادسة في كوبر نفسه يمكنك إستدعاء مشهد حدث في (مايو) حين قرر الراحل نميري إعتقال “محمد عثمان وردي” لم يفعل ساعتها النزلاء غير إستقبال وردي بأغانية (جيتنا وفيك ملامحنا)

 (1)

من يستدعون صوت وردي في إنتظار خروج أهلهم وذويهم من المعتقل كانوا يعلمون ساعتها ، أن تروي تاريخ البلاد وأمجادها، فإنه يعجزك أن تفعل ذلك دون صوت وردي ونغماته المدوزنة على السودانية الحقّة، حين حط المجد له دروبا؛ عزم تهراقا وإيمان العروبة، عرباً نحن حملناها ونوبة.

لم يفعل ابن صوارده سوى أنه استلم الراية التي رفعها بعانخي وسلمها للفونج قبل أن يرفعها فوق هامة البلاد المهدي وأنصاره، يمسك بها عبد الفضيل ويخيطها بدمه الغالي شهيداً، ترتكز فوق أيادي المهدي والمحجوب عند سارية القصر السوداني الحر، يعيد ترتيبها مرة أخرى القرشي؛ لا تسقط الراية التي يحملها صوت وردي، فيمضي بها نحو كل القارة التي توجته فنانها الأول. ستون عاماً وأكثر من ثلاثمائة عمل خاص تبيح له أن يكون ملك ملوك القارة، وأن تجعل صوته ينساب من داكار وحتى أسمرا، القارة ترقص على سلم وردي السوداني. إن كانت في حكاياتنا مروي بحضارتها الأولى، ومملكة علوة، وآثار البجراوية، وثورة المهدية، ونضالات اللواء الأبيض، ومؤتمر الخريجين، والاستقلال، ونوفمبر، وأكتوبر، ومايو الذي أعقبه أبريل، والإنقاذ، لكن حكايتنا لا تكتمل دون قصة وردي

 (2)

في بداية ثورة نوفمبر ووردي يتلمّس دربه الفني حدث في البلاد الانقلاب الأول، دخل وردي ليغني للجنرالات (17 نوفمبر، هب الشعب وطرد جلاده، وردي برر فعلة غنائه لنظام عبود بأن رأى في عسكر 17 نوفمبر السودانيين صورة مصغرة لجمال عبد الناصر في مصر، لكن وردي سرعان ما أرتد على أهل نوفمبر لاحقاً عقب التهجير وانتظر حتى سقوطهم ليغني للشعب تكفيراً: “أصبح الصُبح فلا السجنُ ولا السجان باقٍ”، لكن ما تبقى من العمر؛ يعود وردي ليغني لمايو في إنطلاقتها ولقائدها جعفر نميري، وهو ينادي عليهو: “يا حارسنا ويا فارسنا”، ويضيف عليها أخرى في حكاياتنا مايو، لكن حكاية المحبة بين وردي ونميري لا تستمر طويلاً، فحين نفّذ هاشم العطاء حركة 19 يوليو بإنقلابها كان وردي من الداعمين لها، وهو الأمر الذي دفع به الى السجن حبيساً. وعند دخوله إلى كوبر لم يجد المساجين ما يستقبلون به القادم الجديد غير (جيتنا وفيك ملامحنا). حُرم وردي من عوده، وحين طالب به كان رد مأمور السجن: “نحنا قبضناك عشان عودك ما عشان شايل سلاح”. ليؤكد فرضية أن الفنون يمكنها أن تقود الشعب، وبصوت وردي يمكنك أن تتجاوز كل حالات اليأس ويرافقك الأمل. من داخل كوبر خرجت للسودانيين (أرحل).

إنتظر وردي سقوط الطاغية ليرفع صوته بالنداء “بلا وإنجلى”، وأنهد كتف المقصلة؛ المقصلة التي كان قريبة من الإلتفاف حول عنق الفنان، ولكنه إستطاع الإفلات منها ويترك للآخرين حق إنفلاتة المتعة، حين يكون النص لمحجوب شريف، واللحن والصوت لمحمد وردي، وتلك حياة أخرى . لكن وردي وعقب عودته من منفاه الإختياري وهو القائل (بأن السودان لن يسعه والإسلاميين معًاً)، يقول بأن تجربته في الغناء لنميري أكدت له شيئا واحدا، وهو أن الغناء للأنظمة يذهب معها، ويبقى ماهو للشعب حتى الممات، لم يكن وردي الموصوف بالمعتذر لشعبه عن غنائه للأنظمة، وأن يوظف ما تبقى من العمر له وحده مستدعياً النص (أبداً ما هنت يا سوداننا يوماً علينا).

(3)

 إخترناك يا حلو”.. قالت صاحبة (التسعطاشر سنة) وهي ترد جميل الفنجري حين وقوفه في محطة “بنحب من بلدنا ما من بره البلد.. سودانية تهوى عاشق ود بلد في عيونا المفاتن شيء ما ليهو حد”.. المشهد المرسوم أمس هو ذات مشهد ستينات القرن المنصرم، إطار الصورة ينعكس على الفرعون الجالس فوق هرم القلوب السودانية، الإسم يتردد ألحاناً شجية (الود) هو القيمة الثابتة التي يتحرك فيها محمد عثمان وردي فنان أفريقيا الأول، وغناي السودان في عصوره كافة. يقول آخر في الذكرى السادسة  لرحيل وردي: “إن قدر وردي أنه كان سودانياً، وقدر السودانيين بشمالهم وجنوبهم أن لهم صوتاً قادماً من صوارده دون أن يتوقف في محطة واحدة”. حمل الصوت في أعوام الإستقلال الأولى من الإنجليز وهتف بالنشيد: (اليوم نرفع راية إستقلالنا ويسطر التاريخ مولد شعبنا)، وحين انطوت الراية في وطن الإستقلال الأول حمل ذات الصوت ليتردد صداه في جبال الأماتونج وتحركه حجارة الدولة الجديدة في جوبا، مع ذات النشيد، وكأن أبوالورود يريد إيصال رسالته الأخيرة (ما فصلوه ولكن شُبِه لهم)، كيف لا وهم يقولون( وردي الوطن).

(4)

في ذاكرة رحيله السادسة يحتفي الناس به عند بوابة كوبر وكأنهم يؤكدون القول”واهمًا ذلك الذي يقول إن وردي قد مات”، وردي ذهب ليبقى هنا ومعه السؤال: أوتموت الأوطان؟.

 يقول فيصل محمد صالح (لكن لم يكن محمد وردي مجرد فنان، بل هو رمز ومعنى وطني وإنساني كبير، ولو جاز تلخيص الوطن في شخوص لكن محمد عثمان وردي من أحق الناس بتلخيص قيمة الوطن ورمزيته ومعناه). ظل وردي يمثل رمزا وقيمة شامخة على مدى ستة عقود، إختلف السودانيون أحزابا وشيعًا وطوائف وإتجاهات وقبائل، لكنه كان من الرموز القليلة التي لم يختلف حولها الناس، وهوت إليه أفئدتهم  شمالًا وجنوبًا، شرقًا وغربًا، وهو شموخ لم يبلغ قدره السياسيون والحكام والزعماء، ويقول الصحفي والقاص خالد عويس (الوطن في عيني وردي “نهر قديم” يسيل بالعطر والتاريخ الذي يجهله أنصاف المثقفين الذين أضحوا “ساسة” الزمن الرديء. الوطن في عينيه طفل منسيٌ في حفل، عليه هو وحده أن يهدهد حزنه، ويعيده إلى حضن أمه هل عرفتم الأن لماذا ردد الشعب نشيد فنانه في ليلة إطلاق سراح المعتقلين .

الخرطوم : الزين عثمان  

أخبار ذات صلة المزيد من الكاتب