صديق محمد عثمان: “عبدالغفار الشريف فرح الخيابا وشماتة العاطلين”

1٬057

– ليس ثمة جدال ان نخب الحركة الاسلامية وبمجرد خروجها منتصرة من معركة انتخابات ١٩٨٦، أصبحت مثل نخب اليهود الذي قادهم موسى عليه السلام هربا من الفرعون وسعيا الى الله فلما تجاوز بهم البحر نكصوا على رؤوسهم وسقطت همتهم عن مواصلة المسير الى الله فاختاروا ان ينصبوا لهم اله يظلوا عليه عاكفين، هكذا قاومت هذه النخب مساعي قيادة الحركة لتحويل النصر الانتخابي الى وسيلة تعاون وائتلاف مع حزبي الأمة والاتحادي الديمقراطي، فقد رسخت هذه النخب اقدامها في موقع المعارضة وراحت تستخدم كل رصيد الحركة الاسلامية السياسي في الانتقام لمعارك الاقصاء التي قادتها القوى السياسية ضد الحركة الاسلامية بمجرد سقوط نظام نميري.
– وليس ثمة جدال في ان هذه النخب واصلت مساعيها الاقصائية هذه حتى بعد ان دانت لها السلطة بالانقلاب ولَم تطمين أبدا لتغادر محطة ( عداء) الاخر الى محطة تاسيس نفسها ومشروعها استقلالا. لذلك فمسيرة الانقاذ كلها ظلت موجهة نحو الاخر اذا افتتحت سدا نسبته الى الاخر فهتفت ( السد السد الرد الرد) وإذا قالت لهم قيادة الحركة بان يفسحوا للناس في وطنهم كان الرد ( لبنت وما بنديها بغاث الطير).
– هكذا أسست الانقاذ نفسها ضد الاخر وليس ضد نفسها.

– ففي مساعيه نحو الهداية والاستعداد لمقام النبوة خاض موسى عليه السلام في مخاض العصبية فهب لنصرة رجل من شيعته على الاخر فوكزه فقضى عليه، وفِي خضم مسعى الرسول الكريم محمد عليه الصلاة والسلام كاد ان يركن قليلا الى شيعته فذكره الوحي ( ولولا ان ثبتناك فقد كدت تركن اليهم قليلا)، ولكن المؤمنين اذا مسهم طائف من الشيطان ذكروا الرحمن فاستغفروا لذنبهم وجددوا عزيمة السعي.
– ولكن نخب الحركة الاسلامية ضاقت ذرعا بحركتها التي لم تفتأ تذكرها بالرحمن المطلق فقامت عليها وأقصتها ووضعت اصلبها وأقواها في السجون واجتهدت في ضرب كل ما يذكرها بالالتزام بالحركة والسعي نحو الكمال المطلق.
– في الطرف الاخر من هذه المعادلة كان تجمع المعارضة الذي استغرق تماما في العداء والخصومة لمشروع الحركة الاسلامية الأصلي وبادل نخب الحركة الحاكمة حملات الاقصاء وفِي منفاه الاختياري ظل يرفض ان تعلو أية أصوات للإصلاح والتغيير وفِي سبيل ذلك لم يتورع عن إقامة مشروعه الذي يمثل الوجه الاخر لسلطة الخرطوم
– ففي الوقت الذي كانت بيوت الاشباح في الخرطوم تمتلي بالناشطين السياسيين ومن بينهم اسلاميين، وفِي الوقت الذي كانت فيه نخب السلطة تواجه مذكرات الإصلاح الداخلية بعنف شديد وتصفي موسسات الحركة وتطارد وتطرد الذين رفضوا الانضمام الى صفوف (هال هاج) الخرقاء، في هذا الوقت تماما كانت سجون التجمع الوطني في اسمرا تمتلي بأشلاء المعذبين الهاربين من رمضاء الانقاذ الى جحيم التجمع، وفِي الوقت الذي كانت الخرطوم تغتال فيه بعض الضباط الذين حاولوا الانقلاب عليها كانت نخب التجمع تصفي غدرا بعض خيرة الضباط النابهين لأنهم حاولوا رفع سقف التطلعات ونحت مبادئ واخلاق العمل المعارض على نحو يخدم الآجل من مصائر الوطن ولا يستجيب لإغراء استعجال العاجلة من إقصاء الانقاذ.
– في قلب هذه ” المعركة” وفِي هذا الوحل غرس صلاح قوش وعبدالغفار الشريف اقدامهم وكانوا “فرسانا” في معركة الملهاة الوطنية الكبرى، ومثلهم مثل كثيرين من نخب التجمع لا يزال ذلك الوحل يأخذ بتلابيب عقولهم ويصور لهم انهم كانوا ” يناضلون” دفاعا عن “مشروع” يعجزون عن رؤية تفاهته.
– وقد بذلت الحركة الاسلامية جهودا كبيرة منذ خروجها من السلطة لتأسيس مشروعها البديل لمشروع الاقصاء النخبوي هذا وفِي سبيل ذلك دفعت غاليا من انفس ووقت ومال وجهد أعضائها، وبينما تخلصت السلطة من عتاة نخبها الاقصائية قبيل الحوار فقد تخندقت نخب التجمع السابقة في خندق ما قبل الانقلاب ورفعت مطالب تبدو منطقية ولكنها في حقيقتها مطالب العاجز الذي لا يقوى ولا ينوي بذل اَي جهد في المدافعة المطلوبة لإيقاع مساومة ليست مثالية ولكنها ضرورية للانتقال بالوطن الى مرحلة اخرى.
– والحقيقة ان معظم هذه القوى تحذر انفراج فسحة كاملة للحرية تمنح الجميع فرصا متساوية لتبادل الاتهامات والدفاع عن النفس عما سبق من ممارسات ثم طرح رؤى المستقبل، والحقيقة ان معظم هذه القوى تدعي السير نحو المستقبل بينما أفضلها ينظر فوق كتفه يحرص على الا يتقدم من معه في الصف نحو المستقبل، هكذا يبدو هذا المستقبل مجهولا ومخيفا لهولاء ولذلك يفضلون ان يقتاتوا على فتات موائد صراع الآخرين.
– بين يناير ٢٠١٤ وأكتوبر ٢٠١٧ ارتفع السقف قليلا فوق سماء الوطن المكلوم وتقاطرت نخب المهجر نحو ساحاته بينما هربت نخب اخرى من داخله للخارج تطلب عونا على مشاق الحرية الوشيكة، وتمترست نخب اخرى في مواقعها القديمة تلعق جراح هزيمة مشروعها ، مشروع الاقصاء ، وتستخدم ما تبقى لها من مهارات تقليدية في محاولة اعاقة شروق شمس الحرية وبزوغ فجر الخلاص، وما شهدناه من صراع عنيف حول موسسات المال والاقتصاد عقب الموازنة الاخيرة كان احدى معارك هذه النخب ولا علاقة له بمصالح الوطن.
– وفِي داخل السلطة أيضا خرجت الخناجر في خواصر العناصر المتهمة بقيادة الحوار ولو ان الراحل مندور المهدي كان لا يزال حيّا لناله نصيب منها مثله مثل غندور وابراهيم محمود الذين يعلو الهمس بضعفهم وتعريضهم مكاسب نخب السلطة للخطر .
– وفِي صفوف المعارضة انشغل البعض بالاستعداد للاحتفال بهزيمة ” مشروع الحركة الاسلامية ” الافتراضي دون ان ينتبه ان الحركة الاسلامية ليست ذلك الوهم الذي يعشعش في راْسه بل هي في قلب قيادة التغيير والإصلاح وشبابها وكوادرها هم الذين يصنعون الأحداث ويسطرون خطط التغيير العاقل غير المنشغل بالانتقام والاقصاء.
– قفز البعض الى خارج أسوار الوطن من جديد يصطف الى جانب انقلاب مصر ويحاول المزايدة على نخب السلطة التي ورطت الوطن في حرب اليمن.
– كل هذا الذي يدور في صفوف نخب السلطة والمعارضة ما هو الا محاولة لتعطيل مسيرة التغيير المطلق الشامل فالبعض يريد تفصيل جلابية التغيير ( على الله) -رايح جاي- والبعض يريد لونها حمراء فاقع لونها لا تسر اصحاب النظر الحكيم، والبعض …
– وهولاء البعض هم الذين يقاومون مشروع الإصلاح الكبير ويعملون على استمرار مشاريعهم الصغيرة التي يفرحها تجدد ثقافة الصراع مكان منهج الحل الشامل، واستبدال مناخ الاستعداد للتغيير بأجواء تصفية الحسابات.
– عبدالغفار الشريف مثله مثل صلاح قوش عمل ضمن نخبة صادرت احلام حركتها الخاصة وتطلعات شعبها وعبأتها في كبسولة مصالح نخبوية محدودة ووقفت تدافع عنها بالسنان وفِي مدافعتها هذه اتفقت واختلفت واحتربت وسالت دماؤها فعمقت بذلك جراح الوطن، والذين يفرحون لاعتقاله من قبل خصومه الأدنى ويشحذون همة الشماتة إنما يفوت عليهم انهم بالامس كانوا شامتين في صلاح قوش نفسه ولَم يزالوا في محطة العجز والعطالة هذه حتى استوفى قوش ابتلاءه المحدود وعاد وفق قواعد لعبة الصراع الداخلي التي لا سهم لهم هم فيها.

أخبار ذات صلة المزيد من الكاتب

error: Content is protected !!