في أول حوار..ويني عمر تروي لـ(تاق برس)تفاصيل إحتجازها لدى الشرطة ومعركة الحريات

779

الخرطوم “تاق برس” – على مدى أيام مضت ضجت المدينة واطرافها ، وهاجت الاسافير، وهي تتناقل اخباراً من هنا وهناك عن الناشطة ويني عمر، انتاشتها الألسن، ولاحقتها بلاغات الشرطة، تارة بتهمة ارتاء الزي الفاضح وتارة أخرى،بتهمة تواجدها مع ثلاثة اخرين بينهم شباب، بين كل هذا وذاك، تقف ويني في محطة الثقة مما تفعل ، وما تتبناه من قضايا وتدافع عنه، في أول حوار لها مع وسيط اعلامي كان السبق لـ(تاق برس) التي أخرجت ويني من صمتها، لتكشف المثير من التفاصيل حول حادثة توقيفها، ارسلت رسائلها حيال ما يجري في عالم المرأة السوداني، والذي يجيء بالتزامن مع اليوم العالمي للمرأة.

في الثامن من مارس ترى الناشطة ويني عمر ازدياداً في نشاط النساء السودانيات من أجل المحافظة علي مكتسباتهن وتنفي ان ثمة تراجع في هذا الجانب تتجاوز ويني التي تم توقيفها برفقة اربع آخرين الحديث عن القضية لكونها ما زالت ، قيد التحري وكمن تحاول ان تتجاوز توصيفها بحالة الخوف من المآلات توجه سهام نقد قاسية لمنظومة (النظام العام) وترى في الإنشغال به ليس تقليلاً من قيمة القضايا الاخرى بل انه من صميم مشروع المقاومة الذي تتبناه النساء السودانيات في سبيل تحقيق اهدافهن وغاياتهن في حياة تشبه الحياة.

–      ويني امضت خمسة ايام في حراسة قسم المقرن ، ما الذي حدث هناك؟

مازالت هذه القضية قيد التحري لخمسة عشر يوما حتى الان، بعد ان قفز افراد من المباحث عبر الشباك الى بيت كنت متواجدة فيه بغرض العمل،  تمت المماطلة في الاجراءات الخاصة بالضمان وبقيت لخمسة ايام بحراسات قسم المقرن، دون ان افهم حتى الان لماذا حدث ذلك.

لكن كانت فرصة جيدة للتعرف على واقع الحراسات والاقسام ،وطبيعة القضايا المختلفة التى يجرم بها الرجال والنساء في السودان، والتى في معظمها تتعلق بظروف عملهم وخياراتهم الشخصية، ولأرى عن قرب كيف يتم امتهان كرامة النساء بشكل يومي لمجرد عملهن كبائعات شاي، ولأفهم كم التنوع في القضايا التى تقتاد بها النساء لهذا المكان، فحتى المتسولات اللاتى لم يجدن سقفا ليؤيهن يتم اقتيادهن للحراسات ليعرضن على المحاكم ومن ثم تغريمهن مبالغ مالية لو كن يملكنها لما خرجن يتسولن الناس في الشارع.

ما مررت به كان تجربة معلمة حقا، فهمت منها انه كلما كنت اكثر فقرا كلما كنت اكثر عرضة” للاعتقال من قبل شرطة النظام العام، لأن بائعات الشاي والاطعمة والنساء المتسولات شكلن الفئة الاكبر من السجينات.

–      الا يبدو تحويل كل معارك النساء في السودان الى معركة ضد النظام العام يؤثر على قضايا أخرى أكثر إلحاحاً وأهمية؟

هذه القضايا لا تنفصل عن بعضها البعض، كل القضايا المتعلقة بالحقوق والحريات هي قضايا ملحة،ترتيب الاولويات امر خطير ويترتب عليه اهمال قضايا قد يراها البعض مهمة، زوايا النظرتختلف بإختلاف حقول العمل العام.

قضايا النظام العام هي قضايا تقع مئات النساء كضحايا لها يوميا بمختلف مستويات تعليمهن وانتماءاتهن الجغرافية والطبقية، وفي ذات الوقت قضايا النساء الريفيات او النساء في مناطق الحروب والنزاعات او المشاركة السياسية للنساء، هي قضايا يجب طرحها بإستمرار والطرق عليها بإستمراروالمطالبة بالحقوق المتعلقة بها.

الانتهاكات التى تتعرض لها النساء داخل منظومة النظام العام، ابتداءاً من التعسف وسوء استخدام السلطة الذي تمارسه شرطة النظام العام، مرورا بالحراسات وظروفها السيئة ، وليس انتهاءا بالمحاكم الايجازية والتى لا تعطي في العادة الحق لاي مرافعات دفاع  او حق تقديم بينات البراءة او اي دفوعات قانونية، فيها تداخل بين عدد من المشاكل، لأن معظم النساء اللاتي يقعن ضحايا هذه القوانين، هن ذوات ثقاقة قانونية ضعيفة ، وبالتالي لا يطالبن بالعون القانوني، اوحتى يحرصن  على سلامة الاجراءات القانونية المتبعة، ويتضح هنا أن المسألة تحمل في داخلها عددا من المشاكل الاخرى كالتمييز القانوني ضد النساء والقانون المصاغ بعناية للتضييق عليهن وقهرن، بالاضافة لضعف وعيهن القانوني، في هذه الحالة نحن لا نتعامل مع مشكلة واحدة بل مع عدد من المشكلات وافرازاتها اجتماعيا وقانونيا، ونتعامل مع فئة عريضة من النساء، من ملاحظاتي ان هذه الفئة تتشكل اغلبيتها من النساء النازحات والقادمات من مناطق الحروب، والنساء الاكثر فقراً وذوات الدخل المحدود.

تتدخل منظومة النظام العام في كل الخيارات الخاصة بنشاطات النساء الاقتصادية وكذلك بمجال حركتهن في الفضاء العام.

-الا ترين ان ثمة تراجع في دور المراة السودانية بشكل كبير وان ربط هذا التراجع بدور السلطة وحدها يبدو غير صحيحاً؟

بالعكس،ارى ان تواجد النساء في المجال العام في ازدياد، و باستمرار هنالك محاولات لكسر القوالب التى يحاول المجتمع سجننا فيها او اعادتنا عبرها لاوضاع تجاوزناها تاريخيا.

اعتقد ان ما حدث هو حالة من الردة على مكتسبات تاريخية حققتها النساء السودانيات بنضال طويل وعبر مسار تراكم بشكل جيد لحقوق اساسية كالحق في الانتخاب وحق الاجر المتساوي وغيرها من الحقوق الاقتصادية والسياسية، انقطع مسار هذا التطور لأن المناخ لم يعد ايجابيا بل ومعاديا للنساء، أعادنا خطوات للوراء، ففي تاريخ السودان الحديث لم يحصل ان وضع قانون يحدد للنساء كيف وماذا يرتدين من الملابس، بل ويعاقبهن بالجلد والحبس والغرامات عندما يخالفن هذه القوانين، هذا لم يحدث اطلاقا من قبل، لكنه يحدث الان، ولم يحدث ان كان العمل كبائعات متجولات او في الاماكن العامة جريمة تعرضهن للكشات والحبس والغرامات، وكل هذا صنعته السلطة السياسية، وهي محاولات لإمتهان واذلال النساء ومنعهن من ان يكن مواطنات مستقلات اقتصاديا واجتماعيا.

هذا الوضع صنعته السلطة السياسية عبر تشريعاتها وسياساتها، ولا يمكننا ابدا اغفال النظر عن ذلك.

 وبالرغم من كل هذا فإن النساء السودانيات مازلن يقاومن ويمارسن حياتهن في الفضاء العام ، يقاتلن من اجل توفير الحياة الكريمة  لهن ولأسرهن.

–      بدا وكان المعركة تتجاوز السلطة السياسية لسلطة مجتمع كامل؟

يجب ان تساءل اولا عن حقيقة مصالح الدولة من هذه المنظومة، وأعتقد انها القهر اولا والجباية ثانيا، حيث تشير تقارير ان الدولة تجني شهريا حوالي 600 الف جنيه كغرامات عبر محاكم النظام العام في ولاية الخرطوم وحدها.

في رأيي ان المسألة ابتدأت حينما قدمت السلطة السياسية خطابا مخادعا اوهم الشعب السوداني بأن حماية الجتمع وامنه لن يتم الا عبر هذه القوانين والتشريعات المتعسفة والمهينة، وقدمت نفسها ،أعني السلطة السياسية، كحامية للاخلاق والفضيلة والتى بدونها قد يتجول الناس عراة في الشوارع، متناسية ان الشعب السوداني تاريخيا قد نظم نفسه وعاش بسلم بدون كل هذه التشريعات المنتهكة للحريات الشخصية.

ما حدث هو أن هنالك فئة من المجتمع قد قبلت بهذا الخطاب، وبالتالي صارت منظومة النظام العام متبناة من قبلهم، يؤيدون عقلية الوصاية والتسلط التي تتعاطى بها مع الجميع، وهنا يكمن التعقيد، ان السلطة الاجتماعية صارت تتبنى هذه التشريعات وصارت جزءا من وعيها الجمعي، لا اريد التعميم،ولكن يمكن فهم كل هذا عبر تفحص مستوى النقاشات على السوشال ميديا،وكمية التباين في وجهات النظر فيمايتعلق بقضيتي وغيرها من قضايا النظام العام، ستجد فئة مقدرة داعمة ومؤيدة لهذه القوانين ولمنظومة النظام العام بأكملها، بل وتهاجم بشراسة كل من يطالب بإلغائها.

وارى الامر كشكل من اشكال إحكام سيطرة الدولة كمؤسسة على المجتمع  والتلاعب بالادراك العام،حيث  تقوم الدولة بإستمرار بصناعة مؤسسات تحرس ايدولوجيتها وسلطتها، وتخلق انقساما داخل المجتمع نفسه حول قيمه ومبادئه المنظمة، وبالتالي يقهر المجتمع نفسه ويصبح حارسا مسلطا يحمى ويديم بقاء السلطة السياسية بكل العنف الذي تمارسه تجاهنا كمواطنين. وهذا ما حدث في حالتنا، بحيث صارت عقلية النظام العام متبناة اجتماعيا ومحمية بدعاوى الحفاظ على الاخلاق العامة.

وهنا نقع جميعا، رجالا ونساءا، ضحايا لمنظومة النظام العام، بوعي او بدون وعي، هذه القوانين امتدت لداخل منازلنا و مجالنا الخاص، بحيث صارت تراقب كل ما يحدث و تمد يدها لتبطش بكل من يتجاوز خطوطها الحمراء.

–      لكن الا ترين ان اي حديث ضد النظام العام يتم مواجهته بإعتباره حديث يدعو لتفسخ المجتمع وتدمير اخلاقه وقيمه ؟

هنا تكمن المشكلة، هنالك تجريم لأي نقد يمس منظومة النظام العام، يتم وصم هذا النقد إما باعتباره خطابا ذو اجندة غربية يدعو لتدمير المجتمع وتدمير خصوصيته ودينه ، او يتم اتهام هذا النقد بأنه يدعو لإفساد المجتمع ونشر الرذيلة والخروج عن عادات وتقاليد المجتمع.

واعتقد أن هذه التهم الخاطئة جعلت تيارا كبيرا من السياسيين والحقوقيين يبتعدون عن نقد النظام العام والدفاع عن حقوق اصيلة، وصار الامر غير مفيد  بحسابات الربح والخسارة التي قد يفكر بها البعض.

اعتقد ان من يتبنون مهمة الدفاع عن منظومة النظام العام يحتاجون اولا  لاعادة تعريف مفاهيم كالفضيلة والاخلاق والعادات وغيرها من المفاهيم التي تقدم في سياق الدفاع عن منظومة النظام العام، بحيث لا يصبح هذا الهجوم مجرد كلام مجاني لمجرد الثرثرة او كسب تعاطف و تأييد المجتمع لدعم لمؤسسة الجباية هذه، التى تهدف لإذلال المواطنات والمواطنين اولا و للتكسب من الغرامات الباهظة التى يجبرون على دفعها لكي يتفادوا السجن.

 قبول فئة ما لهذه المنظومة لا يجعلها صحيحة على الاطلاق، لانها تتعارض مع معايير حقوق الانسان ومع شروط الحياة الكريمة، بالإضافة لأن حق الفرد في ممارسة خياراته الخاصة التى لا تتعدى على خيارات الاخرين او حرياتهم، هو حق اصيل، لا ادري لماذا يجب ان ينتزع بسبب تصورات اخرين أو افتراضاتهم للصواب والخطأ، حتى وإن كانت هذه التصورات بإملاء من النظام السياسي الذي يحتكر العنف.

اراهن على الوعي الذي بدأ ينتشر حول حقيقة هذه المنظومة، وكذب ادعاءاتها، كثيرون وكثيرات بدأو يشاركون/ن التجارب مع بوليس النظام العام، ومع هذه المواد الفضفاضة والمتعدية على حقوقهم/ن  ومساحاتهم/ن الشخصية، و بدأت تتشكل حالة تضامن جماعية مع ضحايا منظومة النظام العام، الامر الذي اتوقع ان يتصاعد ليصبح تيارا ضد هذا القهر المغلف بالقانون.

–      كيف ترين المخرج من كل هذا؟

ارى ان انتظام حركة مدنية تطالب بالحقوق والحريات هي خطوة اولى في الاتجاه الصحيح، والضغط من اجل تعديل القوانين والغاء كل هذه المواد المهينة والمنتهكة للحقوق الاساسية.

كذلك ارى من المهم ان يكون لدينا وعي قانوني وحقوقي، بحيث نجعل رجال الشرطة محاسبين حال تجاوزهم لحدود سلطاتهم، وبحيث نقف بقوة ضد اي قانون يمتهن اويتغول على حرياتنا الشخصية.

وبالطبع فالمناخ الديمقراطي هو شرط اساسي لضمان وحماية الحقوق من اي تغول عبر الدولة ومؤسساتها.

أثق تماما بقدرتنا كشعب على مقاومة هذه المنظومة، وبقدرتنا كنساء على الانعتاق من الخوف والصمت  وكسر الوصمة الاجتماعية حول قضايا النظام العام، والانتقال لخانة الهجوم والرفض، لأن الصمت هو ما يمنح الجلاد قوته.

error: Content is protected !!