يوسف حمد/ “نمضي إلى الحرب .. لكن على مضض”

كان يا ما كان، في قديم الزمان، شيء وهمي اسمه (الدولة)، وكانت هذه الدولة قد صُمِّمت لتؤدي أدوارًا (شبه) حقيقية لمصلحة الناس المنتمين إليها بعامة.. الآن ظل الكيان الوهمي كما هو، غير أن أدواره أُختطفت، أو تغيَّرت، إذا استخدمنا ألطَّف العبارات! ودون مبالغة أو تهويل، فإن هذا الإختطاف يظهر أكثر وضوحًا في السودان.. لكن، لصالح من أُختُطِفت الدولة ومهامها ووظيفتها؟ إليكم ملخص هذه الواقعة المأساوية التي تجيب على جزء من السؤال: منحت (الدولة) حق التنقيب عن الذهب لشركة روسية في منطقة (وادي السنقير، شمال غرب مدينة بربر). وسنكون محقين إذا افترضنا أن أهل وادي السنقير لا مانع لديهم من مشاركة ملكهم وحماهم التاريخي من أجل توطيد مبدأ (الخير العام) المتوقع جنيه من عملية التنقيب عن الذهب في أرضهم! لكن الأهالي (أصحاب الأرض) يقولون إن كل شيء تمَّ من وراء ظهورهم، ولا يعرفون ما حقّهم لدى (الدولة) ولا لدى الشركة الروسية التي اغتصبت خيرات أرضهم بمباركة (الدولة) نفسها. ولأنه ليس من المتوقع أن يقابل أهل السنقير كل هذا الغموض بالسرور، احتجوا واستتفهموا عن طريق الاعتصامات المتكررة، لكن احتاجتهم انتهى إلى قتل أحدهم وجرح آخرين برصاص الشركة الروسية.

حين يفكر المرء في هذه المقتلة؛ لا يستطيع أن يطرد عن خياله ذلك النوع من المآسي التي عبَّر عنها وحملها البحث المعمّق للدكتور منير العكش (زحف القديسين من المجاز إلى الحقيقة.. نمضي إلى الحرب لكن على مضض: الكرمل، 85: 2005)، وقد لخص فيه الدكتور العكش الوقائع التاريخية المذلة والقهر الذي وقع على الهنود الحمر في أميركا الشمالية، على يد المغامرين الأوائل من بناة الإمبراطورية الأمريكية. لا يستطيع المرء طرد هذا الخيال؛ إذ لا فرق بين الماضي هناك والحاضر هنا، سوى أن أهل السنقير ليسوا هنودًا ولا حمر، لكن كلاهما صاحب أرض، وفي الوقت نفسه، ضحية لزحف قديسي (فكرة الإمبراطورية الأوروبية المقدسة)! فما بالك حين تترافق معها أطماع قديسي الداخل؟.

أخبار ذات صلة المزيد من الكاتب

error: Content is protected !!