عطاف محمد مختار يكتب/ “القطط السمان” داخل المصيدة!

388

في 30 يناير الماضي؛ نشرتُ تحقيقاً حول (مخالفات البنوك.. التنقيب في عش الدبابير)؛ عرضتُّ فيه ملفَّات ووثائق خطيرة، كشفت المستور و(المُستخبّي) داخل 9 بنوك بالبلاد، يقوم بعضها بالتلاعب في ملايين الدولارات من حصائل الصادر؛ والمُضارَبة بها بالسوق الأسود للدولار، بواسطة (شبكة فساد) ترتبط فيها مصالح (القطط السمان) ببعض قيادات البنوك.
ذكرت في التحقيق، أسماء البنوك والمُوظَّفين المُتلاعبين، الذين من المُفترض أن يكونوا حُرَّاساً على أموال المُودِعين؛ إلا أنهم يقومون بالتزوير والتلاعب في شهادات حصائل الصادر، ويضربون بكُلِّ القواعد القانونية والمهنية والأخلاقية عرض الحائط، من أجل (حفيف الدولار الأخضر)، الذي يُسِيل لعابَهم؛ حيث تحصل (القطط السمان) على ملايين الدولارات التي لم تبذل فيها جهداً. تلك الأموال من المفترض أن تكون احتياطاً نقدياً لبنك السودان؛ ليتمكَّن بها من حفظ استقرار النشاط الاقتصادي للبلاد؛ الذي تدهور بسبب هذه المُضاربات، التي تأتي خصماً على أموال استيراد الدواء والقمح..إلخ؛ للشعب المنهوب.
شبكة الفساد التي تُديرها (القطط السمان)؛ أعادت بعد 3 أيام فقط من نشر التحقيق (30) مليون دولار؛ بواسطة بنك السودان. وهنا لا بدَّ من إرسال إشادة مُستحَقَّة لبنك السودان وقيادته، وعلى رأسه المحافظ حازم عبد القادر – أن تأتي متأخراً خيرٌ من أن لا تأتي أبداً – الذي أدَّى دوراً محترماً ومُشرِّفاً في التصدِّي لهذه (الشبكة الظلامية)، التي نُسِجَتْ حبالُها حول عنق الاقتصاد السوداني؛ وخنقته حتى كاد يلفظ أنفاسه. (الشبكة الظلامية) حاولت بكُلِّ ما تملك من قوة ممارسة الضغوط على بنك السودان، وقادت حملة شعواء لتُشوِّش على عمله؛ وممارسة الابتزاز الرخيص بشتى أنواعه، حتى لا يستمرَّ في حملة تطهير البنوك من (مصَّاصي دماء الشعب).

بل حتى شخصي الضعيف لم يسلم من هذه الأساليب الرخيصة، عبر عرض (الرشوة) عليّ؛ حتى لا أواصل في نشر غسيلهم القذر. وكانوا يعتقدون أن دولاراتهم الحرام – التي قدموها لي تارةً، وتارةً أخرى قدموا عرضاً لبناء منزل – (ستُزغلل) عينيّ، لكن هيهات! فما كان لي أن أُلوِّث شرفي بمال السّحت والربا؛ وأُدخله على نفسي وآل بيتي وعيالي، فالمال الحرام يذهب من حيث أتى.
وعندما خاب ظنُّهم بإدخال مال سحتهم عليّ؛ سلكوا طريقاً آخر، وهو الترهيب، وذلك عبر مُلاحقتي بعربتين في الساعات الأولى من الصباح، ومُحاولة قطع الطريق أمامي؛ كما يحدث في أفلام (الآكشن)، لكن الله لطيف بعباده وهو خير حافظ. بعد ذلك قمت بأخذ احتياطاتي التأمينية كاملة، وكذلك أبلغت الجهات الشرطية والأمنية بما حدث، ولم تُقصِّر كعهدنا بها؛ وقامت بالترتيبات اللازمة.
بالأمس، اعتقلت السلطات المدير العام لبنك فيصل الإسلامي وأحد أعضاء مجلس الإدارة، وموظفاً آخرَ كبيراً، وذلك في إطار التحقيقات التي تقوم بها السلطات؛ والتي طالت عدداً من رجال الأعمال.
الحرب ضدَّ الفساد، يجب أن لا تستثني أحداً مهما علا شأنه، ويجب تفعيل القوانين كافة حيال المُتلاعبين، مثل قوانين (التزوير في أوراق رسمية، الجرائم الموجهة ضدَّ الدولة، الثراء الحرام، الاتجار والمُضاربة في النقد الأجنبي). والأهمُّ من ذلك، يجب أن تعيد (القطط السمان) جميع الأموال المنهوبة التي تُقَدَّرُ بملايين الدولارات؛ فالتحقيقات يجب أن تكون صارمة جداً حيالها، حتى تكتمل ملفات الفساد ويطالها العقابُ، عبر مُحاكمات علنية عادلة فــ(العدالة يجب أن تُرى).
وعلى حازم ورفاقه ببنك السودان، المضي قدماً في هذا الأمر؛ فهي قضية أمن قومي، ويجب عليهم اتخاذ المزيد من الخطوات الجريئة، بفتح بلاغاتٍ جنائية حيال ملفات التجاوزات البنكية التي تمَّ ضبطها، فيجب أن لا يكتفوا بطرد المُوظَّفين كما حدث ببنك الساحل والصحراء، بل تقديم جميع الفاسدين للعدالة، فلم تُقْعِدْ بهذه البلاد إلا سياسة (خلُّوها مستورة). أخشى أن ينطبق فينا حديث الرسول الكريم: (إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد…).
معلومات مؤكدة وصلتني، بأن هناك مزيداً من الإجراءات الصارمة، ستطال بعض البنوك ورجال الأعمال المُتلاعبين بأموال الشعب، وأن السلطات لديها عشرات الملفات التي تدين أولئك المُتلاعبين؛ تُطبَخُ على نار هادئة.
(القطط السمان) داخل المصيدة، لكن هل ستخرج منها كما دخلتها؟ أم ستتحلَّل من ملايين الدولارات التي كدَّستها في الخارج، واشترت بها مئات العقارات والمزارع بالداخل؟ هل سيتم تقديمها للمحاكمات أم ستتم التسوية؟ هذا ما ستكشفه قادم الأيام.

atafmoh@gmail.com

أخبار ذات صلة المزيد من الكاتب

error: Content is protected !!