21 مارس.. عُقوق النُخبة ودمُوع الأُمهات

332

الخرطوم “تاق برس” – الزين عثمان – تقول العبارة المأخوذة من أحد الحوارات في مسلسل وادي الذئاب التركي ((يمكن لأحدكم أن يولد بلا أب ولكن ليس هناك من يولد بغير أم الوطن هو الأم لو سألتموني بتحب أمك لكانت إجابتي نعم وأكثر من ذلك سأقوم بقطع اليد التي تمتد لها بسوء)).

في الحادي والعشرين من مارس يحتفل العالم بمناسبة عيد الأم، الفكرة التي أنتجها الصحافي والكاتب المصري مصطفى أمين، المفارقة أن أول احتفال بعيد الأم في الأراضي المصرية كان في مارس من العام 1956 أي بعد واحد وثمانين يوماً من إعلان السودان دولة حرة مستقلة كاملة السيادة. لكن بعد تسعة وخمسين عاماً من الاستقلال ومن بدء الاحتفال بعيد الأم ربما يداهمك السؤال: ترى كيف تعاطي السودانيون مع أمهم الوطن؟. يأتي السؤال في صيغة أخرى: هل قطعوا الأيادي التي امتدت على الأرض بسوء أم أن أياديهم هي التي جلبت السوء على (عزتهم)؟ ..

يقول الشاعر الراحل صاحب المفردة الغارقة في عشق الأرض محمد الحسن سالم حميد في أحد لقاءته التلفزيونية إن السبب في تراجع هذا الوطن يعود بشكل أساسي لإخفاقات النخبة السياسية في إدارة شؤون شعوبها المتعددة وإصرارها في ذات الوقت على الوصول إلى نتائج مختلفة وهي تنطلق من ذات نقطة البدايات الأولى. حميد يبدو هنا متماهياً مع رؤية سياسي بدرجة مفكر هو الدكتور منصور خالد صاحب كتاب (قصة بلدين) النتيجة التي تم تحصيلها وفقاً لاستراتيجيات معالجة أزمة التنوع والتي انتهت في نهاية المطاف إلى قيام دولتين تتوسطهما ذات بندقية الحرب القديمة.. يكتب منصور خالد كتاباً أسماه (النخبة السودانية وإدمان الفشل) كتأكيد آخر على أن العقوق الوطني في السودان يأتي من الأعلى

 تحتشد الأسافير بصور الامهات حين يمارس السودانيون بمختلف توجهاتهم حالة من المحبة يربطونها بعيد الأم لكنها بالطبع لا تكتمل دون الإشارة للواقع العام في بلاد تموت فيها الأمهات بالحرب ويمتنً بوجع الولادة ويمتنً حين توجه بنادق الاخوة نحو صدورهم ليكون القاتل والمقتول ابناء ذات الام حين يتفرق سلاح الاخوة بين السلطة والحركات ان تجد أم قلبها معلق بين معركة لا يوجد منتصر فيها لكن وقودها سيكون أحد ابنائها  دون ان تمتلك حق ان تسأل صناع الحروب اليوماتي لماذا يحرقون قلبها وقلب أمهات أخريات وما فائدة الارض الواسعة حين يكون قلب السلطة والساعين اليها ضيقاً؟

لا تنتهي صورة العقوق الوطني في ميدان الحرب وانما تتجاوزها لميادين أخرى على الامهات ان يدفعن ايضاً فاتورة ما تطلبه السلطة. (الأمومة) هي كل فعل نبيل ينتهي الى نتيجة عشان عيون اطفالنا ما تضوق الهزيمة ولا احد يتجاوز مرحلة الطفولة في عيون امه (مريم) امراة دفعت بها الحرب الي قلب المعاناة في العاصمة الخرطوم جاءت تجرجر خلفها اذيال موت رفيقها في احد حروب اللا جدوي هي الأن الام المسؤولة عن جلب لقمة طعام لخمس افواه جائعة اكبرهم في الحادية عشر من عمره الابواب المغلقة تنفتح فقط في سوق الله واكبر ويمكن تحصثيلها عبر بيع الشاي الصندوق الذي يحمل ادوات العمل تزيينه عبارة رسم بالقرب منها قلب مفطور (من أجل ابنايئ) سيناريو الفيلم الهند تتكرر مشاهده في شوارع الخرطوم احدهم يدلق الماء علي الاسفلت ويصادر ادوات العمل وفي خلفية دفار المحلية تنكتب صفحة أخري من دفتر العقوق بأمهات الوطن وفي الصباح الباكر تعود ذات السيدة بعد ان تقوم بتغير صندوقها باخر كتبت عليه عبارة مختلفة (وراء البسمات كتمت دموع).

الدموع التي تكتمها الباحثة عن رزقها الحلال من اجل ان تقدم للوطن ابناء صالحين يذرفها الناشط في مجالات العمل المدني والسياسي عضو حركة القوى الجديدة خالد بحر الذي يقول في تحديد علاقة السوداننين بامهم (عزة) السودانيون كلهم عن بكرة أبيهم تباروا وتنافسوا في إذلال أمهم الوطن، لم يعصمهم من ذلك اتجاه فكري أو حزب سياسي، لم يعصمهم من ذلك عاصم، ونظرة واحدة لمعطيات الماضي والحاضر السياسي تؤكد إجحاف السودانيين في حق أمهم الوطن.. تأتي هذا الذكرى لعيد الأم والوطن على حافة الانهيار، وهذا وحده يكفي لمعرفة مقدار إجحاف السودانيين تجاه وطنهم.. ينطلق بحر مما يمكن تسميته جماعية العقوق في ما يتعلق بكل المسرح السوداني في تعاطيه مع مشهد الوطن باعتباره أما يجب أن يلبى نداؤها ساعة خروجه وأن يتدافع بنوها لنصرتها حتى قبل أن يخرج منها صوت استغاثة

لكن السؤال الذي يبدو محوريا الآن: لماذا هذا العقوق؟ يرجع الدكتور عوض أحمد سليمان هذا الأمر لما يسميه (الضعف في مؤسسات الاجتماع السياسي المتخصصة في ربط الإنسان بالأرض والإنسان بالإنسان والإنسان بالموارد كعوامل مساهمة بشكل فاعل في بناء دولة وطنية حديثة يحكمها القانون وتعلو قيمتها على القيم الضابطة للسلوك وهو أمر مفقود في البيئة السياسية السودانية نتيجة لضعف في بنية الانتماء الوطني أو في بنية تطوير عملية الانتماء ودعمها وجعلها قيمة اجتماعية، كما أن مشروع الانتقال من حالة الدولة التقليدية لحالة الدولة الحديث بإضعاف انتماءات القبيلة والجهة وتذويبها في الانتماء الوطني لم تتبلور بشكل إيجابي كان يمكن أن يساهم في معالجة كافة الإشكاليات التي يدفع السودانيون فاتورتها الأمر يبدو هنا ثنائيا أكثر منه متعلقا ببنية النخبة السياسية وحدها بحسب رؤية سليمان الأكاديمية

بالنسبة للكثيرين فان حصر مسألة العقوق الوطني في الجانب المتعلق بالسلطة وحدها فالنخبة في خندق المعارضة مارست ايضاً ذات الامر الذي بالطبع لم يكن ليتخذ صفة العمومية فثمة اسماء يسبقهم توصيف إبن الوطن البار وهو توصيف يتجاوز التسمية لافعال حقيقة هدفوا من خلالها لان يسمو ببيت امهم في الاعالي فغياب المبديئة في ممارسة الفعل السياسي والاحتكار تحت مبررات ان ثمة اولاد يرون ان هذه الارض هي أمهم لوحدهم وعلى الأخرين البحث عن أم أخري انتجت هذا التناقض في الواقع السوداني فنحن نملك دولة تملك كل مقومات التقدم ونجلس مرتاحين في آخر الصفوف لا لشئ فقط لان احدنا راي انه وحده الذي يحق له ان يرضع خير البلاد ويتركنا نبحث عن إستيراد حليب للاطفال حديثي الولادة .

  تقول احد الأمهات في يوم عيدهن دون ان تخلع عنها ثوب أمومتها وهي تجلس القرفصاء في احد معسكرات النزوح في دارفور المنكوبة بابنائها بالطبع لم تصلها في يوم العيد (وردة) الامنيات لان الدماء لن تكون بديلاً لمياه الامطار تغوص في تسامحها حد التلاشي وتردد ما يررددهن اخواتها  تغلف دعواتها في دموعها وهي تقول عافية الأمهات في عافية عيالهن وعافية العيال فان يتوقف نزيف القلوب وان تجف دمائكم فهو الدرب الوحيد لجفاف دموع أمهاتكم . عندها سينتهي العقوق وياتي العيد بخيت وسعيد .

error: Content is protected !!