محجوب شريف ..أربع سنين وحزن البلد وراك

367

الخرطوم ” تاق برس ” – الثاني من أبريل من العام 2014 تصحو الخرطوم وتطبق وشاح خوفها حين تقرأ في وسائط التواصل الإجتماعي رفض محجوب ان يزوره وزير الصحة بولاية الخرطوم مأمون حميدة،وهو يرقد في مستشفي خاص؛ بعد ان فككت الحكومة مستشفيات الشعب العامة من كانوا يعايشون خوفهم ساعتها نهضوا واقفين ورددوا (الأن يمكننا التاكيد علي ان الشريف بخير طالما انه ما زال متمسكاً بقيمة كونه (محجوباً) عن كل ما يبعده عن شعبه وقيم شعبه .

لكن كان النهار مختلفاً أخيراً اعلن الأطباء توقف القلب العاشق للارض مات محجوب شريف في الثاني من أبريل متجاوزاً اوان الكذبات وكانه يؤكد ساعتها ما كتبه نصاً (كنا نقول دة وكتو لكنك حقيقة)) عند عصر الثاني من ابريل كان الشعب يتبع شاعره.. في شوارع الثورة يشيعه بما يليق به.. كانت الخرطوم قد تجاوزت الأول من أبريل لتجد نفسها وهي تردد: “يابا مع السلامة سكة سلامة”.. وبالطبع: “يا موت لو تركتو كنا نقول دا وكتو لكنك حقيقة”.. لم يكن محجوب شريف محتاجاً لترديد أنشودة الفيتوري: “لا تحفروا لي قبراً.. سأرقد في كل شبر من الأرض.. أرقد كالماء في جسد النيل.. أرقد كالشمس فوق حقول بلادي.. مثلي أنا لا يسكن قبرراً لا يكتمل النص دون إضافة عبارة أخرى بالتزامن مع الذكرى الرابعة لرحيل محجوب شريف: “الشعراء لا يموتون إنهم يتظاهرون بالموت فقط.. وعلينا أن نتظاهر أننا نصدق رحيلهم ونبكيهم في ذاكرة الغياب الرابعة يمتد السؤال: أحقاً مات محجوب شريف؟ كان المشيعون لمحجوب يرددون أحد نصوصه: “ما مات مخون.. في جبين الشعب مدون”.. قبل أن يموت محجوب كان يرسل آخر قصائده: “أموت دون خوف.. أموت دون زيف”. متجاوزاً السؤال عن متى وكيف! لكن محجوب لا يغادر دون أن يبث خوفه من أن يموت في لحظة ضميره..

ذهب محجوب مهندماً بناصع البياض، دون أن يحمل معه صورته تلك؛ فما زال يمهد للناس الطرقات.. تخبرهم بأن طريق الشعب أوسع من رحاب الضيق، عند سوق صابرين احد اكبر الأسواق في مدينة الثورة التي كان محجوب الشريف احد سكانها وبالتزامن مع صخب حياة الناس يمكنك ان تلمح عربة (دفار) مكتوب في خلفيتها (عذاب الجسد حتي اللممات ولا عذاب الضمير لحظات) لو أنك تفرست في تفاصيل الممسك بمقود العربة لرايت ان به تشابه مع الغائب الحاضر لم يكن من فراغ ان يسمي السودانيين محجوب شاعر الشعب لو ان الرجل لم يكن يستحق ان يوشحوه باللقب عن جدارة واستحقاق بمواقفه قبل ان يكون بصوته وتعبيره عما يريده شعبه، وبرسمه تفاصيل حياة يستحقها، عليه ان تكون أخر قصائد محجوب هو اختياره لطريقة موته بإشتراط الا يموت في لحظة ضميره، مشهد يشبه محجوب الشريف تماماً.

من النادر أن تجد شخصاً يوازي فعله قوله تماماً، لكن هذا الغائب يحضر في حضور المحجوب الذي انتصر لقيمه في الحياة، أو بمعنى آخر انتصرت الحياة بمرور محجوب شريف بين تقاطعاتها وزواياها.. يقول أحمد كوارتي الذي يسمي نفسه (أحمد محجوب شريف): “من انتصر للحياة في كل جوانبها لن يهزمه الموت.. هو يمضي بيننا في كل الطرقات.. من يمضون الآن في طرق إغاثة الملهوف ورد الجميل.. هم في الأصل أبناء مدرسة محجوب شريف.. شريف الذي تجاوز كل شيء واكتفى بأن عرف نفسه بأنه مجرد تلميذ في مدرسة الشعب”. يردف كوارتي: “لم يمت هو يحيا في كل فعل نبيل مكتمل بتوصيف أنه سوداني لمحجوب شريف منه نصيب يكفي سودانيتك سمواً أن يكون فيها محجوب شريف. عندها حتماً ستجد وطناً بينك وبينه “الضحكة ورحيق الشاي، وطعم الخبز والسترة، وعمق الألفة بين النهر والنخلة، وصدق العشرة بين الأرض والإنسان تكتب مي محجوب في صفحتها: “رحل بعد ما رتب دنيانا”..

تبدو مي كأنها متجاوزة أنها ابنة الرجل الذي أنشدها: “قالوا أيضاً بت.. قلت مالو ولو.. بتي أمي.. أختي.. شيلي مني همي شيلي ختي”. لم تكن مي سوى واحدة من النساء اللائي احترمهن محجوب؛ فحين كانوا يقللون من قيمة النساء كان سيف الشريف حاضراً مع أم اليتامى، ومع ست البيت، ومع الأستاذة، مع ست الكسرة، ومع صاحبة الكفتيرة البتفك الحيرة، مع كل بت أحسن من غيرا، مع الممرضة السسترة والفراشة، ومعهن كلهن.. هو محجوب هكذا تؤكد الناشطة في مجال حقوق النساء أمل هباني حين اعترافها بأن محجوب الشريف أعطى النساء كل حقوقهن ولم يستبق شيئا.. ربما لا يمكن مغادرة هذه المحطة دون الوقوف عند الدور الكبير الذي كانت تلعبه منظمة (رد الجميل) في إعانة المصابات بداء الناسور البولي من النساء. كان محجوب في حياته يرتب حياة النساء ومثله لن يصل إليه الموت؛ فما تزال النساء يناضلن بصوته اربع سنوات والبلاد تفقد محجوبها فقط يردد أهلها السؤال أحقاً مات ابو مريم ومي ؟ ربما لا تحتاج لكثير مجهود لتجيب علي سؤالك بلا والف لا اليست هو محجوب الذي غني رقص وهو في الأسر تاركاً سكان القصر في ارتجافاتهم (ديل انحنا القالوا فتنا وقالوا متنا وقالوا للناس انتهينا) نعم كان وقتها محجوب يساري شيوعي في اوراق الحزب الرسمية ولكنه في حقيقته سوداني متجاوزاً لكل الإنتماءت الضيقة من لم يهزمه وجع الحياة أكيد هو المنتصر بانتقاله الي العالم الأخر . لم يمت محجوب تقولها شابة في مقتبل العمر دون ان تنسي ان تسبق اسمه بتوصيف (ابوي) في احد الايام كانت تجلس قريبة منه في ذلك الحوش الوسيع للساكنين افواج تاتي سيرة نقطة ضوء وحين الوصول الي محطة ادت ابوها مرتبا تتقاطر دموع اليتيمة وبحميمية من يشعر بألام الاخرين يطلب محجوب رقم شمت محمد نور ويطلب منه تغير عبارة (ابوها) بعبارة ادتنا نحنا مرتبا لم يمت محجوب لانه كان قادر علي ترتيب كل المبعثر فينا وايضاً علي طريقته تلك (الطريقة) التي كان وسيظل شيخها (ودمريم) لم يمت محجوب فهو حاضر في تفاصيل الزول السوداني المكتمل ستجده هناك مرسومة صورتها ناصعة البياض في كوب شاي تصنعه زولة هي في قاموس محجوب أحسن من غيرا لم يمت من لم يكن محير او كفيف الإنسانية فلم تكن خياراته في كل الحياة غير ان يعيش بين ووسط الناس (التحتانية) ويجعل احلامهم تطال السماء فقط لان من يصدح بها محجوب الشريف التي يمكنك ان تغوص في أحزانك حتي أعماقها وتردد فخامة الفعل تكفي. 

الزين عثمان

أخبار ذات صلة المزيد من الكاتب

error: Content is protected !!