إبراهيم الجاك يكتب/ سد النهضة والفائدة للجميع!!

289

يحتدم الكثير من الجدل حول سد النهضة الذي أصبح الآن حقيقة ماثلة أمام أعين دول حوض النيل والعالم قاطبة، حيث لايمكن تجاهل كل الفوائد والمضار التي قد تحدث، ولكن الدول الثلاث (أثيوبيا – السودان – مصر ) حسب علمي حتى الآن لم تحسم قضية الفوائد والخسائر التي قد تقع على كل طرف، والعديد من الجولات تُعقد هنا وهناك وتنفض دون الوصول إلى حل يُرضي كل الأطراف. أثيوبيا بدورها قد حزمت أمرها في الإستمرار ببناء السد وأستمالت السودان لصفها للوقوف أمام مصر التي تعتبر مياه النيل “خط أحمر ” ولن تقبل حتى ” مليئ تانكر” من مياه ناهيك عن إتساع بحيرة سد النهضة التي قد تفوق 74 مليار متر مكعب من المياه بما يعادل اقل من نصف السد العالي الذي يخزن المياه لصالح مصر من منتصف القرن الماضي .

الجانب السوداني يرى أن هنالك فوائد جمة سوف تنتج عند بناء السد منها ثبات جريان النيل الأزرق مما يوفر منسوب مياه ثابت طول العام؛ وهذا يساعد على توفير المياه بشكل ثابت للمشاريع المروية، كما أنه يقلل كمية الطمي وتآكل توربينات توليد الكهرباء خاصة في خزان الروصيرص، بالإضافة إلى تقليل فيضان النيل الأزرق في فترة الخريف ويقل تهديد الجزر والمدن المتاخمة، كما أن بحيرة السد تصبح مخزن للمياه السودانية المُهدرة التي تترواح ما بين 8 مليار متر مكعب كانت تذهب الى مصر زيادة في حصتها التي تقدر بـ(58 مليار) متر مكعب سنويا.

يعتقد بعض الخبراء أن أكبر خطر يُهدد السودان جراء إنشاء سد النهضة هو إنهيار جسم السد والذي سوف يغرق كل المدن على ضفتي النيل، وبرروا ذلك بطبيعة المنطقة التي أقيمت عليها البحيرة التي تمتد في حزام الزلازل الافريقي، كذلك سوف تقل كمية الكهرباء المنتجة من سد مروي نتيجة نقص منسوب المياه المتجهة شمالًا وان كانت بنسبة قليلة. فترة تعبئة بحيرة السد وهذه تمثل عقبة أمام دول الحوض ونقطة محل خلاف وحتى الآن لم تحسم بعد.

مصر من جانبها تتخبط في إتخاذ القرار لأن موضوع النيل متداخل مع السياسة والاقتصاد والامن الإستراتيجي والوطنية والهوية؛ حيث كانت مصر تُسمى” هبة النيل” أي أن مصر هي النيل والعكس صحيح ، مصر السياسية الآن تُرسل ملف سد النهضة تارة إلى وزراة الخارجية وتعيده مرة أخرى إلى المخابرات والجيش، وهى حتماً عاجزة عن التعامل المباشر مع سد النهضة، والحقيقية الماثلة للعيان أن غالبية الساسة المصريين والوزراء، يتخوفون بل يتهربون من تولي هذا الملف الحساس، الذي يرتبط إرتباطاً مباشراً مع مصر المحروسة، صاحبة التاريخ والإرث القديم.

ولكن الشي الذي يجب أن ينتبه إليه إخوتنا المصريين، ان مصر لم تعد كما كانت في القرن الماضي، وكذلك الدول الأفريقية بما فيها السودان، الذي كان يمثل الحديقة الخلفية لمصر، وحارس البوابة الجنوبية. إثيوبيا الآن أصبحت دولة ذات ثقل إقليمي ودولي وتنتهج سياسة تطويرية وتنموية في شتى ضروب الحياة، إثيوبيا قدمت تجربة فريدة قبل أيام في التغلب على المصائب التي أقعدت الدول الأفريقية، ألا وهي الخلافات السياسية والنزاعات القبيلي، بدأت في التعامل بصدق مع الدائرة الخبيثة ” الجهل، الفقر والمرض”، وعلمت يقينًا أن الحل في التوافق السياسي الداخلي، والذي يقود حتمًا إلى فتح مغالق التعامل مع العالم الخارجي.

إثيوبيا أصبحت منطقة جذب للإستثمارات الخارجية؛ وصارت قبلة للسُياح، وحتماً إذا استمرت في هذا السير الحثيث سوف تصل إلى مُبتغاها عن قريب. ولكن هذا لا يعني أنها تعمل بمنأى عن دول الحوض، خاصة مصر والسودان، بحيث تضع مصر أمام الأمر الواقع دون الوصول معها إلى توافق على الأقل ان لم يكن إتفاق، لأنها فقط ضمنت وقوف السودان إلى جانبها، وإن كان السودان يقف مع مصالحه الإستراتيجية.

نعم إثيوبيا مدت يدها لدول الحوض للمشاركة في بناءه وإدارته من قبل؛ ولكن الوضع يتطلب العمل معًا بيد واحدة لتحقيق الإستقرار التنموي، الذي لا يتأتى إلا عبر الإستقرار السياسي وبناء علاقات جيدة مع دول الجوار. يجب أن تهتم بالإستقرار السياسي أولًا لأنه في الدول الأفريقية هش وسرعان ما يتضعضع في أول مواجهة مع المؤامرات والدسائس حيث ينبغي على أثيوبيا أن تزيل كل الغموض المتعلق بالسد والسماع إلى مخاوف الإخوة المصريين، وإعطائهم الضمانات الكافية خاصة فيما يتعلق بفترة التخزين والمخاطر الناجمة عنه.

مصر مطلوب منها أن تستمع إلى مطالب إثيوبيا التنموية، والعمل بواقع اليوم وليس الأمس. الوضع الحالي يحتم على دول حوض النيل العمل سويا بيد واحدة لتحقيق الرفاهية لشعوبها، حتى يعود مشروع سد النهضة بالفائدة على الجميع وان يصبح ” Should be win-win project ” .

أخبار ذات صلة المزيد من الكاتب

error: Content is protected !!