ناهد قرناص .. عصير صبار

358

ترددت في اخذ الزجاجة المقدمة لي ..عصير صبار ؟ (العالم دي جادة ؟) ..قلت لنفسي (كلو عرفنا ..لكن ما لي درجة الحنضل يبقى مشروب)..لكنه صار مشروب حلو المذاق ويعطى انتعاشا واحساسا غريبا بالصفاء …فاضاف الى عنصر الاندهاش الذي لازمني منذ ان وطأت قدماي أرض كوريا الجنوبية ..اضاف اليه اعجابا وغيرة خفية ..من الشعب الذي نال استقلاله في ذات العام الذي نلنا فيه الاستقلال ..فحلق نحو الثريا ..واخلدنا نحن الى أسفل سافلين.

سألت وفكرت وبصرت كثيرا ..عن الرفاهية التي بناها الشعب الكوري في وطن لا يملك من الموارد الطبيعية مثل ما نملك ..وبالعكس ..طبيعة البلاد صعبة أغلبها جبال وصخور ..لكن الاجابة اتت واضحة ..ثروتهم كانت في العنصر البشري ..فقد رفعوا شعارا التنمية البشرية وغنوا لابناءهم (انت المهم والناس جميع ما تهمني ) الانسان هو المهم وهو الذي يطوع الطبيعة ويستفيد من خبراتها ..دعوني احدثكم عن البلدة الصغيرة التي اكتب منها هذا المقال .

ديمسونغ ..بلدة صغيرة تبعد عن العاصمة حوالي ساعتين ..بها مصانع ومعامل الكواشف الطبية التي اتينا للتدريب في معاملها ..ياتي العاملون الساعة السابعة والنصف صباحا ..يدخلون جميعهم (المدير والغفير )..في سفرة طعام ضخمة (تذكرت جدالا دار بيننا وبين هيئة المراسم لاحدي الوزارات ..اذ انصب احتجاجهم كيف نطلب طعاما واحدا لعلية القوم وبقية الضيوف من عامة الشعب ؟!! ..ما علينا ) ..جميعهم يأكلون طعام الافطار في مكان العمل ..الثامنة يدخلون الى الورش والمعامل ..يعملون في صمت وهمة لن تجد احدا يخاطب احدا ..وليست هناك ونسة جانبية ..الساعة الحادية عشرة ..يخرجون الى السفرة مرة اخرى لتناول وجبة ثانية ..ثم معاودة العمل ..والساعة الخامسة أيضا يتناولون طعام العشاء ..وفي السابعة يغادرون الى منازلهم .

كوريا الجنوبية اتخذت فكرة تنمية الريف باعطاء تسهيلات واعفاءات ضريبية لاصحاب المصانع الذين يقيمون مصانعهم في الريف ..والزمتهم بتشغيل ابناء المنطقة ..ومن ثم صار المصنع حياة هؤلاء ..حتى اولادهم يتم توجيه دراستهم ليتم استيعابهم في العمل بالقرب من منطقتهم ..سألت عن قصة التزام المصنع باكل الموظفين ..قيل لي حتى لا يضيع الوقت في البحث عن الاكل ..وحتى يتاكد المالك انهم ياكلون بصورة جيدة وبالتالي مرض أقل ..وانتاج أفضل.

استاء البعض من صورة الذين يلعبون الكوتشينة في انتظار البنزين ..وفسرها اخرون اننا تعايشنا مع الأزمات حتى ألفناها ..لكنني رأيت فيها انعكاس صورة الانسان الذي بلغ به اليأس مبلغ انها (بقت ما فارقة معاهو) ..تساوت لديه الأشياء ..فما الذي ينتظره ان ذهب الى بيته (الغاز قاطع ..الكاش غير موجود لشراء أشياء كثيرة ..الكهرباء قاطعة ..الموية ايضا ) أو مكان (سيولة مافي ..رواتب ضعيفة ..تاهيل لا يوجد ) ..لا احد يقول له (انت المهم ) وما عداك اشياء يمكن التحكم بها ….باختصار لن يجد مناخا يولد ابداعا او يخرج مقدرات النفس البشرية الطبيعية التي حين تتاح لها الظروف الجيدة ..فخلد الى الأرض يلعب الكوتشينة في انتظار البنزين لكي يعود الى منزله دون اي اضافة او انتاج .

عندما تحادثت مع الباشمهندس عوض ميرغني (الناشر لصحيفة الجريدة ) لاخطره بسفري الى كوريا ..وبعد ان رتبنا انسياب المقالات من هناك ..قال لي (بالتوفيق في الرحلة الي المستقبل ) ..ضحكت حينها وقد ظننت انه يقصد عدد الساعات التي تسبقنا بها كوريا ..ولكنني الان عرفت مقصده ..هذه بلاد تعيش المستقبل حقا ..ووصلت بها العبقرية ان تعمل من الفسيخ شربات ..ومن الصبار (عصير) ..

أخبار ذات صلة المزيد من الكاتب

error: Content is protected !!