وحدة حمدي بدران للأطفال..حكاية جديدة في دفتر شارع الحوادث

513

الخرطوم ” تاق برس ” – الزين عثمان 

الشارع الذي بدا رصفه بأنامل الحاجة أم قسمة، في مستشفى محمد الأمين للأطفال بأمدرمان؛ تواصل في عطبرة، كان العم صلاح توفيق العامل بالسكة حديد، وهو يحرك أقدامه على(بدال عجلته)، التي توقفت أمام المسجد الكبير بشندي،  تختار هذه المرة مولانا عبدالرحيم عبدالله  إمام المسجد، لقص الشريط الخاص بإفتتاح غرفة الراحل (حمدي بدران للاطفال) حديثي الولادة بمستشفي المك نمر الجامعي بمدينة شندي شمالي السودان، المشروع الذي إستغرق حوالي تسعة أشهر قبل أن يرى النور نهار أمس السبت .

الموت هو الا يكون لك أصدقاء يحبونك أنت وحلمك؛ في بداية هذا العام كان متطوعوا مبادرة شارع الحوادث ينعون رفيقهم في مشاريع التطوع والخير، الشاب حمدي بدران الذي خسر معركته في مواجهة مرض السرطان الفتاك، لكن دموع الحزن سرعان ما كانت تتوشح برداء السعي الجاد لإنجاز حلم الشاب في توفير غرفة للعناية المكثفة بحديثي الولادة في شندي.

يتحزم ساعتها الرفاق ويرددون (وما الموت إلا معناً آخر من معاني الحياة)، كان ينادي عليهم ساعتها.. لا تذهبوا بعيداً فمن يكون للصغار القادمين جرعة دواء ان لم نكن نحن ؟، الإستفهام تجيب عليه أفعال المبادرة التي إنطلقت في شارع الحوادث بمستشفى الخرطوم حين جلس ثلاثة أصدقاء رابعهم إحساسهم بعجز الاباء والأمهات عن توفير ثمن الحقنة أو حق الكشف وهم لا يملكون غير دموع عجزهم أمام آهات صغارهم.

 دفتر الحوجة سرعان ما أنطلق في كل مدن السودان لدرجة أن الإتحاد الأوروبي منّح المُبادرة جائزة العمل الطوعي في السودان. بالطبع كانت الغرفة الخاصة بالعناية المكثفة إمتداداً لمشاريع سابقة كانت قد نفذتها مُبادر شارع الحوادث التي يرى شبابها أن النظر إلى إهمال الدولة للواقع الصحي دون إيجاد معالجات له، امراً يدفع فاتورته في نهاية المطاف المرضى من الصغار والكبار.

الغرفة التي كلفت حوالي مليون ونصف المليون جنيه سوداني، تم توفيرها بشكل أساسي من خلال تبرعات الداعمين للمبادرة عبر ارقام الهواتف المعروفة للكثيرين، وهو ذات الأمر الذي كان قد حدث في غرفة عطبرة. فبينما اجلت مماحكات في ولاية كسلا إكمال غرفة أخرى للمبادرة ذائعة الصيت هو ذات الأمر الذي حدث حين تعطل عمل غرفة عطبرة لمشكلات تتعلق بتوفير التيار الكهربائي قبل أن يتم حلها في نهاية المطاف .

بالطبع كان حدثاً إستثنائياً إفتتاح غرفة عناية الأطفال بمستشفي محمد الأمين بأم درمان، وبالطبع كان مدهشاً إختيار السيدة (ماما أم قسمة) للقيام بذلك وهو ما أثار بدوره إنتقادات من قبل البعض بإعتبار أن الأمر يُجافي ما يُعرف بالتراتبية في القيام بالأعمال، وأنه ليس من حق بائعة شاي أن تقوم بقص شريط عنبر في المستشفي العريق، وحدهم أصحاب المشروع كانوا يعرفون قيمة السيدة التي يسبقون أسمها بـ(ماما أم قسمة)، التي جاءت الى المكان لممارضة صغيرتها في مستشفى جعفر إبن عوف بالخرطوم، وأضطرت لأن توقد (كانونها) من أجل توفير قيمة العلاج، ليقول الجميع أن ما فعلوه معها كان ردًا للجميل. فالسيدة جزءًا من المشروع، وبنابرها كانت تقيّهم حرارة الشمس، كما أنها كانت دفتر أماناتهم ساعة غياب، وهي أحق الناس بقص شريط الإنجاز.

مؤكد أن مشهد (ماما أم قسمة) تكرر في مكان آخر مع العامل البسيط في هيئة سكك حديد السودان صلاح توفيق الذي إختاره شارع عطبرة من أجل إفتتاح غرفتهم. هناك كانوا ساعتها يهتفون بالنشيد (نحنا الفي إيدنا القدرة عدالة العوج)، ويدفعون بصك الوفاء قيمة مشاوير الركشة التي يقودها عم صلاح في إنجاز مشاوير الخير اليوماتي في بوابة الوطن الكبير كان نهارها صلاح يغرق في دموع فرحة من جاء (حازما).

ويسألونك عن مولانا عبدالرحيم الذي توكأ علي سواعد الشباب في شندي هو أحد الرعيل الأول من المعلمين في البلاد وأمام مسجد الجامع الكبير بشندي ولمزيد من التعريف هو صاحب أول تبرع لصالح المبادرة في المدينة في العام 2014. بالطبع فإن المبادرة تقوم في الأسوأ على تبرعات الأفراد من السودانيين وهو ما يدفع بأحد مؤسسيها أحمد الصيني للقول لـ(تاق برس)، نحنا فقط نقوم بأجر المناولة؛ كل الحكاية هي أن خير بعض أهل بلاد الخير يستفيد منه آخرين، ونحن لا نفعل أكثر من ذلك، ونتمنى أن نستمر دون توقف وأن يستمر معنا وبنا الشعار الأثير (أينما وجد طفل محتاج علينا أن نكون هناك وأن نسد الفرقة ما أستطاع شعبنا الى ذلك سبيلا).

في السبت الأخضر صار لمواليد شندي وضواحيها غرفة تقدم لهم الحياة علي طبق من أمل، تعلوها لافتة كُتب عليها (غُرفة المصباح) حمدي بدران الراحل، والباقية أحلامه في صدور أصدقائه من مصابيح الطريق المفارقة.

أن إفتتاح غرفة شندي لم يكن الإنجاز الوحيد يوم السبت حيث كتب أحمد الصيني من غربته في المملكة العربية السعودية وعلى صفحته في الفيسبوك(عندما تستيقظ صباح الغد عليك إحدى الحسنيين) ، التواجد في الخرطوم والإنضمام إلى فيض الفرح في إفتتاح إستراحة مرضى السرطان للكبار أو الإنضمام لمصابيح الطريق بمدينة شندي في إفتتاح وحدة حمدي بدران لحديثي الولادة .

لو كان حمدي موجوداً لكانت منه نسختان الآن نسخة مع الأحباء في تجهيزات إفتتاح إستراحتهم  والأخرى في وحدته مع الرفقاء .

إلى فقيد السرطان وكل مصابيحه، غداً سيرسم الأحباء لوحة أخرى يكتب تحتها (لا ألم مع الأمل)، وكأنه يختصر كل مشروع شارع الحوادث في عبارتي (الألم والأمل).

أم قسمة اثناء قص شريط افتتاح مستشفى الحوادث الخرطوم
عم عبد الرحيم اثناء قص شريط افتتاح وحدة بدران..شندي

أخبار ذات صلة المزيد من الكاتب

error: Content is protected !!