النيل يواجه تقلبات مناخية قاسية

586

الخرطوم “تاق برس” –  محمد عبد العزيز – كشفت دراسة حديثة عن ان التغييرات المناخية ستؤدي إلى زيادة التباين  في حجم تدفقات مياه نهر النيل من جفاف في بعض السنين تعقبها فيضانات في سنوات اخري يعقبها جفاف وهكذا،ولكن النهرسيشهد زيادة عامة ومحدودة في متوسط تدفق المياه.
ووفقا للدراسة التي اجراها فريق من الباحثين في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا فأن تغير المناخ قد يزيد بشكل كبير من التباين في حجم الانتاج السنوى للنيل، وهوربمايزيد من اهمية انشاء السدود، لا سيما لدول حوض النيل الشرقي مصر والسودان وإثيوبيا.
سجلات ومعدلات

استندت الدراسة الجديدة على مجموعة من النماذج المناخية العالمية، وسجلات لمعدلات هطول الأمطار، وتدفقات مياه النيل خلال النصف الأخير من القرن الماضي.
الدراسة التي نشرت في دورية (Nature Climate Change) المتميزة من قبل استاذ الهندسة المدنية والبيئية د.الفاتح الطاهر، استاذ كرسي الهايدرولوجي و المناخ في معهد ماسشيوستس للتكنولوجيا،و د. محمد صيام الباحث في نفس المعهد، خلصت الى ان ظاهرة الاحتباس الحراري أدت لتزايد في كثافة ظاهرة (النينو) على منطقة المحيط الهادئ وهو ما تسبب في تغير معدلات الأمطار السنوية في الهضبة الاثيوبية وأحواض النيل الشرقية التي تمثل المصادر الرئيسية للنيل الازرق الذي يغذي مجري النيل بنحو 80%  من المياه.
فيما يقول المدير السابق لمعهد الدراسات البيئية بجامعة الخرطوم بروفسير ميرغني تاج السيد ان النيل يعتبر من اضعف الأنهار من حيث منسوب المياه ويضيف تاج السيد :”تاريخيا عرف النيل بتذبذب مناسيبه تبعا للأمطار في الهضبة الاثيوبية وهضبة البحيرات”.
يأتي حوالي 86% من مياه النيل من الهضبة الاثيوبية بينما تساهم البحيرات الاستوائية بحوالي 14 % فقط، وتٌقدّر كميات مياه النهر التي تصل أسوان سنوياً بحوالي 84 مليار متر مكعب، وهذا يجعل نهر النيل من أضعف وأقل الأنهار مياهاً في العالم مقارنةً بمساحة حوضه وطوله وعدد دوله المتشاطئة وتساوي هذه المياه 2% من نهر الأمازون.
المشكلة الكبرى
يمثل الضُعف النسبي في وارد المياه السنوي المشكلة الكبرى لنهر النيل ودوله وشعوبه، خصوصاً مع الزيادة المضطردة للسكان والاحتياجات المائية المتنامية لهم، بشكل يتزامن مع التغييرات المناخية والتدهور البيئي في دول الحوض.

ومن المتوقع أن يتضاعف عدد السكان في دول حوض النيل بحلول عام 2050 ليصل لنحو مليار، وستؤدي الزيادة لتنامي الطلب على المياه.
يقول استاذ الهندسة المدنية والبيئية د.الفاتح الطاهر “ان مواسم الفيضانات كانت مثاراهتمام الحضارات الانسانية في هذه المنطقة لالاف السنين”، ويضيف الطاهر “ان التعرف على تاثيرات ظاهرة (النينو) على امطار الهضبة الاثيوبية يساعد على التنبواءات الموسمية لمنسوب النيل، وهو يمثل أهمية كبيرة للتخطيط لتخزين المياه الموسمي في السدود، كما انه من المتوقع ان يسهم في توفير معلومات مهمة في رسم الاستراتيجيات المائية فيما يتعلق بوضع وتشغيل السدود الجديدة والقائمة” بما في ذلك سد النهضة الاثيوبي، الذي يثير جدلا بين اديس أبابا، والخرطوم والقاهرة حول كيفية ملء الخزان.
تباين كبير
وجدت الدراسة باستخدام مجموعة متنوعة من النماذج المناخية العالمية  تحت عنوان “سيناريوهات العمل كالمعتاد”، على افتراض أن تخفيضات كبيرة في انبعاث الغازات المسببة للاحتباس الحراري لا تأخذ مكان، وجدت الدراسة أن أنماط هطول الأمطار تحدث تغييرا من شأنه أن يؤدي على الأرجح إلى زيادة متوسط ​​التدفق السنوي لنهر النيل من 10-الي 15%. وهذا يعني ارتفاع في النسب الحالية 84 كيلو متر مكعب في كل عام الى نحو 92 كيلو متر مكعب سنويا كمتوسط خلال القرن ال21، مقارنة بالمتوسط ​​في القرن الماضي.
في ذات الوقت تشير النتائج الى أن النيل سيشهد انحسارا في بعض السنوات، لتنخفض وارادته السنوية من المياه عن 70- كيلومتر مكعب، في مقابل فيضانات تتجاوز  بعض الأحيان 100 كيلومتر مكعب.
ويمكن الإشارة هنا لتأثيرات ظاهرة (النينو) لما حدث على مدى العامين الماضيين، حيث شهد العام 2015 جفاف في حوض النيل، بينما شهد العام 2016 فيضانات عالية.
فيما يقول الخبير في قضايا المياه د. سلمان ان النيل سيواجه تقلبات مناخية كبيرة بسبب التغيرات المناخية، ويشير سلمان الى ان الزيادة السكانية ساهمت في التدهور البيئي في معظم دول العالم، خصوصاً خلال القرن الماضي وفي الدول النامية التي ليس لها قوانين دقيقة لحماية البيئة، أو لها قوانين ولكن لا أحد يلتزم بها، أو لا تُوجد إرادة أو جدّية كافية لمتابعة التنفيذ. وقد نتجت من هذا التدهور البيئي، ومن التصنيع المكثّف في الدول المتقدمة، تغييراتٌ مناخية حادة تمثّلت في الفيضانات المدمّرة وكذلك الجفاف الذي يزحف تدريجياً في معظم أنحاء العالم، خصوصاً في افريقيا وآسيا. وقد ساهم التدهور البيئي والتغييرات المناخية بدورها في زيادة الهجرة من الريف إلى المدن بسبب تدهور وضعيّة الزراعة والرعي في الريف نتيجة الجفاف.
يعود الطاهر ليقول “ان معرفة التغييرات المُحتملة يمكن ان تساعد المخططين لاتخاذ الترتيبات المناسبة عن طريق التخطيطلتخزين المياه في سدود مناسبة ليتم الاستفادة منها عند الحاجة”.
فيما يقول استاذ علم الارض والكواكب بجامعة جونز هوبكنز بن زايتشيك، :”هذا التباين الكبير في مستويات متوسط هطول الأمطار بفعل التغييرات المناخية من الممكن ان يتسبب في مشكلة حقيقية لدول حوض النيل الشرقي في حالة استمراره لفترات طويلة”، ويضيف بن زايتشيك لدورية (Nature Climate Change) الذي لم يشارك في الدراسة:”هناك حاجة لضمان الامن المائي عبر استراتيجيات ادارة  البنى التحتية للدول المعنية تلافيا لأي توتر من الممكن ان يحدث جراء هذه الظاهرة”.
الطاهر الذي عمل منذ وقت مبكّر ولاكثر من عشرين عاما على دراسة ظاهرة (النينو) وتأثيراتها على نهر النيل، يقول:”الان يتم إصدار توقعات الفيضانات الموسمية في دول حوض النيل الشرقي باستثمار تاثيرات (النينو)، وهو ما يعطي مهندسي الموارد المائية وقتا كافيا لاتخاذ ما يلزم”، ويمضي الطاهر في حديثه ليضيف:”نامل في ان تسهم الدراسة الجديدة في الحد من حالة اللايقين عن تاثيرالتغير المناخ علي مياه النيل، والتي كنا نعيشها قبل اجراء هذه الدراسه، وهو ما يسهم في تطوير عمليات التخطيط  المائي على المدى الطويل”.
التأثيرات المُحتملة
ويشير الطاهر الى ان هذه الدراسة تشير الى أهمية التركيز على التأثيرات المُحتملة للتغير المناخي والنمو السكاني السريع وهو ما يشكل العوامل المهمة في التغييرات البيئية لدول حوض النيل، ويزيد الطاهر ايضا: “نعتقد أن تغير المناخ يستدعي تبني اولويات بيئية مختلفة، فالقضايا الحقيقية التي تواجه دول حوض النيل، من زيادة في عدد السكان وتغير مناخي، اكبر من الجدل الحالي حول كيفية التخزين في سد النهضة”.
فيما يدعو ميرغني تاج السيد دول حوض النيل الشرقي لاعادة النظر في الاستراتيجيات المائية استنادا لمبدأ التكامل الثلاثي لتحقيق التنمية المستدامة.
ومهما يكن من أمر فان الدراسة الاخيرة اعطت تصورات مستقبلية لمناسيب نهر النيل خلال السنوات القادمة وهو ما يمثل اهمية كبيرة بالنسبة للاستراتجيات المائية لدول حوض النيل لاتخاذ سياسات وتدابير تتلائم مع التغييرات المناخية والزيادة السكانية والتقلبات الكبيرة التي ستعتري نهر النيل.
روابط  للدراسة:
https://www.youtube.com/watch?v=KoSP4Fm62Iw
http://eltahir.mit.edu/wp-content/uploads/2017/04/Climate-change-enhances-interannual-variability-of-the-flow-in-the-Nile-river.pdf
http://news.mit.edu/2017/nile-climate-change-droughts-floods-0424

أخبار ذات صلة المزيد من الكاتب

error: Content is protected !!