التاسع من يوليو..يوم سقوط (الوحدة) وتعليق (الصحافة)

394

الخرطوم ” تاق برس” – في التاسع من يوليو للعام 2011 كانت تسقط (الوحدة) وينقسم السودان بين شمال وجنوب، كانت نتيجة الأستفتاء تمد بلسان سخريتها لواحد من أجمل مانشيتات الصحافة السودانية خرج في العاشر من يوليو للعام 2005 في ثلاث عبارات، (تبت يد المُستحيل)، وهو العنوان الذي خرجت به صحيفة الصحافة يومها إحتفالاً بوضع نهاية لحرب النصف قرن بين شمال السودان وجنوبه، وإستشراق مرحلة جديدة في سودان يتسع لكل أبنائه.

لكن هل كانت مصادفة تزامن حلول الذكري السابعة لإنفصال جنوب السودان عن شماله مع قرار من قبل إدارة صحيفة الصحافة بإعلان تعليق صدورها ؟

منذ اليوم التاسع من يوليو لا يمكنك الحصول علي نسخة ورقية من صحيفة الصحافة التي أسسها عبدالرحمن مختار في العام 1961 فقد قررت ادارة الصحيفة تعليق صدورها ابتداء من يوم الإثنين، وسلمت العاملين خطابات تفيد بذلك، وتباينت المعلومات بين انهاء عمل الصحفيين نهائياً او لفترة مؤقتة، فبينما أكدت مصادر تسليم الصحفيين والعاملين والفنيين بالصحيفة خطابات انهاء خدمة نهائية، أكد صحفيين ان ادارة الصحيفة سلمتهم خطاب (اجازة) عن العمل لمدة شهر، دون ان تبين اسباب ودواعي التعليق وأبلغت مصادر “تاق برس” أن ادارة الصحيفة المقربة من السلطات الامنية تتحكم في الصحيفة وتعاني من صراعات ادارية ما دفعها لمنح الصحفيين والفنيين والعاملين خطابات (انهاء) خدمة الا ان مصادر قالت، إن إدارة الصحيفة أبلغت الصحفيين توقفهم عن العمل لمدة شهر فقط وانه بعد إنقضاء الفترة ستقرر بين احتمالية العودة للصدور بوضع مختلف أو التوقف بشكل نهائي 2 بغض النظر عما يمكن ان يحدث مستقبلاً فالحقيقة غير القابلة للنفي الان هي ان (الصحافة) خارج سوق التداول الجماهيري وان حوالي ستون عاماً من العمل الصحفي ستصير جزء من التاريخ بالنسبة للبعض فان مغادرة صحيفة مثل الصحافة باعتبارها احد اهم المنابر التي ظهرت في البلاد في فترة ما بعد الاستقلال فلا يكاد يذكر خبر او عمل صحفي الا وحضرت معه لازمة (الصحافة والايام) مما يعني ان سقوطها يمثل سقوط لركن جديد من اركان السودان القديم .

2

بالنسبة لعدد كبير من الاعلاميين فان مجرد التلويح بتوقف الصحافة عن الصدور، يبدو كأنه نعي مبكر للصحافة السودانية، بإعتبارات الإرث الذي قامت عليه الصحافة والرأي العام والإيام كاصدارات كان لها دورها البارز في التاريخ السياسي والاجتماعي في سودان ما بعد الإستقلال. وعلى الرغم من ان مصادر في الصحيفة المعلن تعطيل صدورها قالت ان قرار التعليق قد يكون مؤقتاً ومرتبط ببعض الصراعات بين إدارة الصحيفة المُقربة من السلطات الأمنية وبالامكان عودتها عقب شهر، يربط صحفيون الأمر بأنه ياتي في سياق الحرب التي تخوضها السلطة ضد الصحافة منذ فترة، بإعتباره آخر خطوط مواجهتها بعد أن نجحت في تدمير النقابات، ومن قبلها المؤسسات الحزبية، بُغية ضمان سيطرتها وإستمراريتها في إدارة الشأن السوداني.

3

بالرغم من ان تراجع كبير يشهده الواقع الصحفي السوداني، بإعتراف عميد الصحافة السودانية، وصاحب (الأيام) محجوب محمد صالح، الذي قال في فترة كانت فيها الأوضاع أفضل مماهي عليه الآن : (الصحافة السودانية تعيش أسوأ أيامها)، إلا أن ذلك لم يُقلل من الصدمة التي أصابت كثيرين، عقب قرار التعليق. فالصحيفة التي تحتل موقعها بالقُرب من المركز الثقافي الفرنسي بالخرطوم كان لها الدور البارز في إخراج عدداً من الكوادر الصحفية في تسعينات ومطلع الألفية الجديدة، وكانت صالة تحريرها مكاناً لصناعة النجوم في مجالات الإعلام المختلفة، لدرجة ان بعضهم يُعلق ” من لم يمر بصالة الصحافة فاته الكثير”.

4

فيما يظل سؤال الراهن ” هل فات القطار الصحافة الجريدة، وعليها ان تمضي الى دار الوثائق حيث النسيان؟. الإجابة علي هذا السؤال تتطلب عودة الى الوراء لقراءة سطور مسيرة صحيفة الصحافة في صدورها الثاني، والتي كانت نتاجاً لشراكة أطلق عليها صانعيها الشراكة الذكية، حيث إندمجت كل من صحيفة الصحافة “ست الإسم” وصحيفتي الصحافي الدولي والحرية، واتفق الجميع أن يكون خيارهم إسم (الصحافة)، والفعل هو التوافق على الشعار المكتوب تحت اللوقو (السلام والوحدة والديمقراطية)، وهي شعارات قد تجعل دعاتها بالضرورة متقاطعين مع ما تطلبه السلطة. لكن رغم ذلك نجحت الاصدارة في الإستفادة من هامش الحرية للتعببير عما يريده قطاع كبير من السودانيين.

المعركة التي برزت للسطح عقب سقوط خيار الوحدة في استفتاء الجنوب، واندلاع الحرب في المنطقتين ودارفور، وفي غياب قيمة الديمقراطية إنتهى الأمر بالصحيفة لملكية رجل الأعمال صديق ودعة، والذي تنازل عنها لاحقاً لصالح الحكومة في عام 2013.

كان رئيس تحريرها المعين عبدالمحمود الكرنكي يقوم بسحب الشعار بكلماته الثلاث السلام والوحدة والديمقراطية، وهو الشعار الذي كان قد إختاره في ساعة تأسيس الشراكة المحامي كمال الجزولي، قبل أن تأتي أحداث سبتمبر بدمائها التي سالت على الطرقات، وتكتب السطر الأخير للجريدة التي كانت “تهز وترز” وبعنوان يشبه عنوان إستقبال السلام مكاناً، ويخالفه تماماً في المضمون(تبت يد المخربيين).

5

الان وربما في المستقبل ستكون المكتبات دون (صحافة) وهو ما يطرح السؤال الأبرز، ” لمصلحة من يتم ذلك؟ ولأي مدى سيساهم التضييق على وسائل التعبير في الحفاظ على السلطة؟، وهل لسلطة أن تستمر في واقع يزداد سقوطاً في كل مجالاته مع شروق كل شمس؟

سقطت (الصحافة) التي حاولت أقلامها في فترة عصية من تاريخ البلاد أن تجعل من خيار الديمقراطية راجحاً، وأن تزرع عبر حروفها شتولاً للسلام في إرضٍ أرهقت أهلها الحرب، وما زالت تفعل، لم تجد في تاسع الفراق من يوليو للعام 2011 غير البكاء على وحدة، كان مغنطيس جاذبيتها في أيدي الساسة بشراكتهم في (المكائد).

بعد ذلك الصباح بسبع سنوات تغيب الصحافة عن مولد الإحتفاء بالمصالحة الأثيوبية الأريترية، وهي العاجزة في قادمات الأيام من البكاء عند أطلال الوطن، وأطلال الحروف، بل أنها عاجزة حتى عن التبرير بمفارقته.

الذي يردده البعض الآن يقول ان تعليق الصحافة يأتي من أجل تحقيق غاية السُلطة الحاكمة وسعيها لدمج المؤسسات الصحفية مع بعضها البعض.

الزين عثمان

 

error: Content is protected !!