بين النيابة العامة ووزارة العدل..مكافحة الإتجار بالبشر تجاذُب مُستمر

410

الخرطوم “تاق برس”- أم سلمة العشا – لعل استضافة الخرطوم لمؤتمر اللجان الوطنية لمكافحة الاتجار بالبشر في القرن الافريقي اكد ذلك الاهتمام بالدور المتعاظم للجنة الوطنية لمكافحة الاتجار بالبشر.

فقد إنطلقت بالعاصمة السودانية الخرطوم أمس الاثنين، أعمال مؤتمر اللجان الوطنية لمكافحة الاتجار وبالبشر في القرن الافريقي، بهدف إيجاد آلية إقليمية لتوفير الحماية اللازمة لضحايا الهجرة غير الشرعية والاتجار بالبشر، وفي أطار برنامج تحسين إدارة الهجرة في الاقليم.

وشارك في “المؤتمر الأول الذي تستمر أعماله حتى 18 يوليو الجاري، ممثلون عن دول القرن الإفريقي (أوغندا، كينيا، إثيوبيا، جنوب السودان، جيبوتي والصومال).

حيث قال رئيس اللجنة الوطنية لمكافحة الاتجار بالبشر، وكيل وزارة العدل السودانية، أحمد عباس الرزم، خلال مخاطبته الجلسة الافتتاحية للمؤتمر إن المؤتمر يأتي بغرض التنسيق والتعاون بين دول المنطقة لمحاربة ظاهرة الاتجار بالبشر وتهريب المهاجرين، وتقوية الشراكات بين المنظمات الدولية ذات الصلة.

رغم ذلك الا ان للاتجار بالبشر لجنتان تعملان دون تنسيق كل علي حدا، لجنة تتبع لوزارة العدل يرأسها وكيل الوزارة ، ولجنة أخرى تابعة للنيابة العامة يرأسها نائب الرئيس السوداني ، كلتا اللجنتان تبرران اسناد ملف الاتجار بالبشر لها، وفقا لرؤيتيهما. لكن ثمة سؤال كيف تسير الامور بينهما؟ ولماذا هذا التجاذب في الملف؟

قرار صادر بموجب القانون بحسب أحكام دستور جمهورية السودان الانتقالي لسنة 2005، أجاز البرلمان السوداني قانون مكافحة جريمة الاتجار بالبشر لعام 2014 بتوقيع الرئيس عمر البشير، وبموجب قرار صادر من مجلس الوزراء وتوصية وزير العدل آنذاك محمد بشارة دوسة، أُنشئت اللجنة الوطنية لمكافحة الاتجار بالبشر، لتكون لها شخصية اعتبارية، وتشكل من الرئيس وعدد من الاعضاء يمثلون الجهات ذات الصلة، تخضع اللجنة لإشراف الوزير وتكون مسئولة امامه عن اداء اعمالها ومهامها، وحدد القانون ان تكون اللجنة هي السلطة العليا في مكافحة ومعالجة أسباب جرائم الاتجار بالبشر.

كل هذه الاختصاصات من صلاحيات اللجنة التي تم تكوينها بموجب القانون، حيث شرعت اللجنة التي أولت قضية الاتجار بالبشر اهتماما بالغا ودورا متعاظما بحسب مهامها المؤكلة لها في عقد الورش والمؤتمرات مع المنظمات الاممية واللجان الوطنية للدول من اجل ايجاد معالجة لأسباب ظاهرة الاتجار بالبشر، اهتمام محلي واقليمي تداعت له دول القرن الأفريقي لمحاربة الظاهرة التي باتت تؤرق جميع العالم، عمل دؤوب ظلت تمارسه اللجنة داخليا وخارجيا، بدأت تتكشف ثماره، نتيجة لتكامل الادوار مع الجهات ذات الصلة، الا ان ثمة امرا ما، حينما اصدرت رئاسة الجمهورية قرارا جديدا بتشكيل لجنة اخرى تحت مسمى اللجنة القومية العليا لمكافحة جريمة الاتجار بالبشر بناءا علي توصية النائب العام، برئاسة نائب الرئيس حسبو محمد عبد الرحمن والنائب العام عمر احمد محمد نائبا ومساعد الرئيس موسي محمد احمد نائبا لها، وعضوية كل من وزير العدل الداخلية الشرطة جهاز الامن وغيرها من الجهات المختصة.

هاتين اللجنتين (الوطنية واللجنة القومية العليا)، ظلتا تعملان كل علي حدا دون اي تنسيق مع بعضهما رغم أن القضية والملف واحد ، وادوارهما في مكافحة الاتجار بالبشر متكاملة، استمرت اللجنة الوطنية والتي انشئت بموجب القانون في عملها بصورة كاملة، في ذات الوقت شرعت اللجنة القومية العليا التي انشئت اخيرا في عملها وعقد اجتماعات راتبة بصورة اسبوعية تناقش ابعاد الجريمة، تضارب اختصاصات.

ازاء كل ذلك لم تتوارى اللجنة الوطنية لمكافحة الاتجار بالبشر التي اسندت رئاستها لوكيل وزارة العدل احمد عباس الرزم عن مهامها، وواصلت مسيرتها وعملها، مبررة ذلك بأن اللجنة لم يأتيها اخطار بالتوقف عن العمل.

مصدر فضل حجب اسمه قال لـ”تاق برس” أن وزارة العدل جهة مسئولة عن دراسة الظاهرة في بدايتها ووضع الاستراتيجات اللازمة والخطط لمعرفة دواعي تلك الظاهرة، والتنسيق والتعاون في مجال السياسات وبناء القدرات والحماية، وهو من صميم عملها في حماية الضحايا من العنف وسوء المعاملة والاستغلال، واشار الي ان التركيز شمل ولاية الخرطوم والقضارف وكسلا والشمالية ونهر النيل ، واكد أن ملف الاتجار بالبشر معنيه به وزارة العدل  تماما، وانه من صميم اولوياتها.

في المقابل ترى النيابة العامة ردا على ما يحدث من تضارب في الاختصاص بينها وبين وزارة العدل، أنها هي الجهة المعنية بمنع الجريمة والمحاكمات وأن ملف الاتجار بالبشر من صميم عمل النيابة باعتبارها “جريمة” مجردة، وأن الظاهرة يجب ان تبحث اسابها ودواعيها والوصول الى الجرائم التي تتعلق بها، ومن ثم يأتي دور النيابة العامة، لمحاكمة المجرمين بالعقوبات الرادعة.

مصادر عدلية مضت الى أن النيابة لها ادوار في مكافحة الاتجار بالبشر شأنها شأن جهات اختصاص اخرى، لها دور في مكافحة الاتجار بالبشر وتبادل المعلومات.

الظاهرة لكبر اثارها دوليا واقليميا ومحليا، كانت الجهات الدولية حاضرة في المتابعة مع السودان لمعاونته في المكافحة، بوصفه دولة معبر تتقاطر عبر اراضيه جماعات التهريب والضحايا المهربين.

سفير الاتحاد الاوروبي بالسودان جون ميشيل دعا، خلال مخطابته مؤتمر اللجان الوطنية لمكافحة الاتجار بالبشر في القرن الافريقي امس، الى تكوين منظومة اقليمية لحماية ضحايا الاتجار بالبشر وضمان سلامتهم، وحث حكومات المنطقة لمزيد من التعاون مع الاتحاد الاوروبي والمنظمات المعنية لمواجهة تحديات الهجرة غير الشرعية، والتنسيق فيما يتعلق بتابدل المعلومات للوصول الى كيفية أفضل لمكافحة الجريمة.

من جهته طالب رئيس قطاع الجريمة المنظمة عبر الوطنية بمنظمة (الايقاد) تومي ديستا بدعم المجتمع الدولي لدول القرن الافريقي من أجل توفير الحماية لضحايا الهجرة غير الشرعية الذين قال إنهم يتعرضون لأسوأ أنواع الاستغلال من قبل عصابات الاتجار بالبشر، مشيرا الى أن (الايقاد) وضعت سياسة إقليمية تقوم على بناء القدرات، والتنسيق بين دول المنطقة فيما يتعلق بتبادل المعلومات وتقاسم الموارد المتاحة من أجل الحد من آثار الهجرة وتهريب البشر، وحض على ضرورة بناء نظم أفضل لمحاربة الاتجار بالبشر وفي نفس الوقت حماية الضحايا، وشدد على أنه لا يمكن محاربة الاتجار بالبشر دون حماية الضحايا.

بدورها قالت مدير برنامج تحسين إدارة الهجرة سابينا وينز إن شواغل الهجرة والنزوح باتت تستدعى ايجاد حلول عابرة للحدود، وأكدت أن البرنامج قام منذ انطلاقه في العام 2016 باجراء عملية تقييم مشتركة، ومن ثم أنطلقت أنشطته للتنفيذ الكامل في الاقليم، ولفتت الى أن انشطة البرنامج ستكتمل وفق ماهو مقرر في مارس من العام المقبل، وأشارت وينز الى أن البرنامج يتم تنفيذه بتمويل من صندوق الاتحاد الاوروبي الانمائي للطوارئ في افريقيا بقيمة 40 مليون يورو، ووزارة التعاون الالمانية بقيمة 6 ملايين يورو.

ولا شك ان السودان بحسب موقعه الجغرافي يعد من أهم بلدان العبور والمقصد الأساسي للمهاجرين على جميع مسارات الهجرة، بجانب انه بلد يستضيف للتدفقات الكبيرة من المهاجرين واللاجئين وطالبي اللجوء وفقا لاحصائيات المفوضية السامية لشئون اللاجئين، حيث يستضيف السودان نحو 750 الف لاجئ من دولة جنوب السودان، والف لاجئ من دولة ارتريا الى جانب لاجئين من دول اخرى، ما يجعل السودان في المحك مع الاخرين لاثبات جديته في مكافحة الظاهرة تماماً وحسم تجاذب ادارة ملف القضية ما بين وزارة العدل والنيابة العامة.

أخبار ذات صلة المزيد من الكاتب

error: Content is protected !!