“الكشة” .. دفار يمشي فوق أرواح وأجساد الفقراء

591

الخرطوم “تاق برس” – الزين عثمان – ثلاث ساعات فقط كانت هي الفاصل الزمني بين دفع السيدة (م،أ)  “بائعة الشاي” بالقرب من مستشفي فضيل بالخرطوم (للغرامة) لسلطات محلية الخرطوم، ووصول دفار الكشة مرة اخرى لذات المكان لتحقيق ذات الغاية، وهي معاودة مصادرة ادوات عملها واجبارها على دفع غرامة أخرى مدفوعة بالغبن.

كانت السيدة التي تعول خمس أطفال تتمدد بوجعها تحت إطارات الدفار وتحديداً على مقربة من اللوحة الصفراء التي تؤشر بشكل كبير لسياسات الحكومة ومؤسساتها في التعاطي مع تلك الشريحة من النساء.

السيدة قالت خلال فيديو تداوله نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي، ” انها أرملة و ام لخمسة اطفال يتلقون تعليمهم بالمدارس المختلفة واضافت :”حتى اللحظة ما دفعت الرسوم والمحلية مجهجهانا، شالوا كفتتيرتي وحاجاتي”. وامنيتي ان استطيع تدريس ابنائي لكن في كل يوم يتم طردهم من المدارس لعدم ايفائي ومقدرتي على دفع الرسوم”.

بحسب شهود عيان فان الامر لم يتوقف عند حد الرغبة في مصادرة أدوات العمل بل أن أحد منفذي الحملة ممن يتوشحون بلباس الشرطة اطلق إساءت لفظية في وجه (بائعة الشاي) .

المشهد الذي دارت تفاصيله في شارع الحوادث الاربعاء الماضي لا يبدو غريباً، بل انه صار احد المشاهد التي تتكرر على الدوام في شوارع وتقاطعات العاصمة الخرطوم، بل انه وإثباتاً للمفارقة يقول اصحاب الاعمال الصغيرة في موقف (جاكسون) ان ” دفارات المحلية وكشاتها متوفرة اكثر من حافلات المواصلات”.

السيدة التي اعلنت مواجهتها لسياسة الظلم والعسف لم تكن الاولى، فثّمة من سبقوها في المسير في ذات الطريق، وحين تم رفعها في الدفار رفضت النيابة تدوين بلاغا ضدها، لكن ماذا عن الارقام التي يتم تدوينها يومياً لمن تمت مصادرة ادوات رزقهم؟

ورغم قرار النيابة باعادة ادوات عمل السيدة، الا ان من نفذوا الحملة اخبروها بان هذا لا يمكن انجازه الا يوم الأحد المقبل، وهو ما يفرض سؤال رئيس اين يتم الإحتفاظ بالادوات المصادرة ؟ الصورة ترسم مفارقة أخرى حين تعلم ان عدداً من المدارس الكائنة في وسط الخرطوم قد تم تحويلها لأوكار ومخازن تعج بالأشياء المصادرة وتحرسها سيارات الشرطة مثلما يحدث في مدرسة المقرن الثانوية وفي مدرسة اخرى تقع في قلب السوق العربي بالخرطوم، الامر لا يحتاج سوى وصول الدفار اليها من اجل إفراغ حمولته كيفما اتفق والمغادرة لملئه من جديد، فيما تتحول في الصباح الباكر الى مدرسة.

من اجل ابراز ايصال الغرامة وحمل ادوات العمل في انتظار الحملة القادمة، تبدو عملية تحويل المدارس الي اماكن من اجل حبس ادوات الرزق الحلال تتوائم تماماً وفلسفة الدولة الجبايئة . بالطبع فان الصورة تؤكد على فرضية ان المعاناة من “الكشة” تتخذ صفة العمومية وتؤكد علي ان السلطة تقتات من جيوب الفقراء الخاوية.

بمرارة تحكي السيدة معاناتها اليومية من اجل توفير احتياجاتها الرئيسة في بلاد تفرض حكومتها رسوم على كل شئ بل ان يدها تطال حتى الكراسي التي يجلس عليها رواد ستات الشاي  انفسهن .. بالنسبة لتلك  السيدة فإن تمسكها بمهنتها يأتي في سياق (الجابرك علي المر الأكثر مرارة منه).. تقول: “لا شيء يجبرنا على هذه (البشتنة) غير خوفنا من أن نموت بالجوع”.. وهو الإحساس الذي قد يحول صاحبه لاتخاذ كافة الخطوات التي بامكانه حمايته وهو ما حدث في مشهد أخر حين امسكت احد العاملات في المهنة ب (سكين) ولوحت بها في مواجهة ركاب دفار الكشة مما اضطرهم للتراجع لكنهم حتماً سيعودون في مرة اخرى مما يحتم السؤال حول الكيفية التي يمكن من خلالها مواجهة هذا السلوك المتعسف؟

يقول والي الخرطوم الفريق عبد الرحيم محمد حسين وسط حشد من الصحفيين إنه يشعر بألم في قلبه حين يرى (ست شاي) وكشف عن توجيهات لوزارة التنمية الاجتماعية بضرورة إيجاد معالجات وبدائل لهن من أجل توفير لقمة العيش، وأردف أن نظرتهم إلى هؤلاء السيدات هي نظرة إنسانية في المقام الأول تستهدف بشكل كبير توفير الكرامة الإنسانية لهن بإنقاذهن وتوفير مهن بديلة توفر لهن قوت يومهن.  لكن بالنسبة للكثيرين فان ما تجنيه حكومة الولاية من هذه الفئة كافي لتجفيف دموعها طوال ايام الشهر وهو ما يعني الاستمرار في هذا النهج ولفترة قد تطول .

انتهت معركة الاربعاء بان عادت السيدة لممارسة عملها المعتاد مدعومة بمجهودات جاراتها وشركائها في المهنة وهو سلوك عام في التعامل مع تداعيات الحملات بين المتضررين منها.. لكن هل يبدو هذا الامر كافياً لايقاف السلوك غير الإنساني ؟ بالطبع لا والدليل علي ذلك انه قبل فترة كانت بائعة شاي تسقط جثة هامدة تحت إطارات ذات الدفار، مما يعني ان سيدة شارع الحوادث كان حظها أفضل.

أخبار ذات صلة المزيد من الكاتب

error: Content is protected !!