الخارجون بلا عودة..معارضة السودان هل ترغب حقاً في إسقاط النظام؟

535

الخرطوم “تاق برس” –  منتظراً في صف المخبز من اجل الحصول على رغيفة خبز، في بلاد تتمدد فيها الاوجاع بلا انتهاء، يتبنى وقتها المقولة ساعات الإنتظار اشغلها بـ(الواتساب) في احد المجموعات الداعية للتغير، يقرأ بيان ممهور بتوقيع احد تجمعاتها (وصولاً للانتفاضة الشعبية).. ثلاثون عاماً الا قليلاً والمعارضة تستهدف الوصول الى هذه المحطة منذ مغادرتها في تسعينات القرن الماضي، البلاد تزودت المعارضة السودانية بشعارها (ان سلم مفاتيح البلد تسلم).. المفتاح الذي كان يحمله التجمع الوطني الديمقراطي في ذلك الوقت لا يصلح الآن، فقد تغيرت جغرافية البلاد التي لم تعد تمتد مليون ميل مربع مثلما كانت في ساعة مغادرة المعارضة التي وقعت على “ميثاق اسمرا للقضايا المصيرية”، فيما يظل بعد ثلاثون عاماً السؤال حول مدى جدية المعارضة في أنزال شعاراتها الى ارض الواقع، وبالطبع سؤال آخر هل ترغب المعارضة حقاً في إسقاط النظام ؟

1

في صفحته على الفيسبوك يحول الناشط السياسي أحمد الشريف سؤاله من ” لماذا لا تسقط الإنقاذ؟ ، إلى سؤال لماذا تسقط الإنقاذ؟ الشاب الذي واجه الإنقاذ معارضاً في جامعة الخرطوم؟ يقول إن كثيرين ممن يرفعون شعارات الرغبة في إسقاطها هم أكثر المستفيدين من وجودها، بحسب الشريف فانه وباستثناء الفقراء في الريف وهوامش المدن البعيدة، فلا أحد يرغب في إسقاط النظام فالمستفيدون من وجوده كثر، ( فاسدون، مستفيدون من الفساد، مناضلو دولار، أمراء حرب، منظمات مجتمع مدني، مثقفاتية يزايدون بقضايا مترفة، ويقارن بين ما حدث فقط في أزمة البنزين التي وجدت صيتاً لم يتوفر بالطبع لأزمة الجازولين رغم تأثيراتها البالغة على المجتمع.

 بالنسبة للشريف ازمة الجاز تمثل نموذج يمكن القياس عليه عقب مقارنته مع أزمة البنزين التي ضربت القضايا الحقيقية لفئة المستفيدين من النضال ( الما عندو عربية خاصة عندو وعي بتاع زول عندو عربية خاصة هؤلاء بناضلو لي قضاياهم هم :نظام العام ،البنزين ،المنظمات ..الخ شوف الفعاليات الإحتجاجية الكانت ضد النظام العام مقارنة مع فعاليات الإحتجاج على العطش في كردفان مثلاً ولا في مقارنة أصلا مما يجعل من عملية النضال وكانها مسكة زمن وتشريفة).

2

يوافق الأمين العام لحزب المؤتمر السوداني المعارض، خالد عمر يوسف، ما طرحه أحمد الشريف حين يقول: (ربما بدت لغة أحمد الشريف صادمة بعض الشيء أو خارجة عن المألوف من وزن وعبارات الخطاب السياسي، ولكن فيما طرحه وجاهة لا يجب أن يُغض الطرف عنها. بقاء الإنقاذ ليس قدراً وليس مرتبطاً بقوة جهاز أمنها وسلاحها، بل هو نتاج مباشر لفعل أو “لا فعل” من هم على الضفة الأخرى.

عقود الإنقاذ الثلاثة هي نتيجة لخطاب مغترب وأدوات عجزت عن أن تفهم وتدرس التحولات التي حدثت في بنية المجتمعات السودانية. ويرى عمر أن الحل ليس في أن نندب حظنا العاثر أو نلعن “سنسفيل” النظام الغاشم، بل الحل كل الحل في أن نغير ما ألفناه من “ثوابت المعارضة السياسية”، وأصابنا داء الطمأنينة على صحتها.

ورأى أن التغيير يبدأ في أذهاننا أولاً وحين ننجح فيه سيمتد ليغير واقعنا البائس الذي نعيش فيه، ويضيف أن التغيير ممكن ولكنه ليس حتمياً، سيحدث متى ما تمكن حملة لوائه من فهم تعقيدات تركيبة معادلاته و”بساطتها أيضاً” والإيفاء بمستحقاتها).

بالطبع رؤية خالد يوسف تتوائم وتصريحاته السابقة لـ(تاق برس) حين اعتبر المعارضة السودانية جزء من الازمة وليست حلاً، وان فعلها غير المفضي لتحول دفعت فاتورته الجماهير بشكل كبير.

3

ربما يبدو السؤال الان هو، ما الذي تستهدفه المعارضة من رفع ألوية مواجهة النظام ؟ ولأي مدى يتخذ الصراع بينهم الشكل الحقيقي؟. بالنسبة للكثيرين فان المعارضة لا تمثل سوى كونها آلية يمكن من خلالها الصعود لتحقيق الغايات الذاتية.

هنا يستدعي البعض قائمة من المعارضين الذي شرقت عليهم شمس اليوم التاني وهم جزء من المنظومة التي كانوا يحملونها كل اسباب معاناة الجماهير والازمة الوطنية الخانقة. لكن كانت اصوات العربة السارينا التي تتقدمهم كافية لنسيان كل ما حدث بل ان بعضهم صار جزء من إمتداد معاناة الجماهير. وهو ما يعظم من وجهة النظر القائلة بأن الرغبة في تغيير الاوضاع تظل في آخر سلم اولويات المعارضين، وان الاصوات التي ترتفع مطالبة بحقها في حياة افضل هي ذاتها التي تتحول للدفاع عن مزايا اصحابها عقب التحولات .

4

على سبيل الدعابة يقول أحد المواطنين معلقاً على الأوضاع التي تعيشها البلاد وعجز الحكومة حيالها، (الحكومة دي سقطت نحن محتاجين من يخرجنا من تحت ركامها)، وتقرأ مقولة المواطن في سياق الأزمات المتلاحقة التي تمسك بتلابيب غالبية السودانيين الذين يعانون في سبيل الحصول على رغيفة الخبز ويتابعون مشهد انهيار عملتهم الوطنية بشكل يومي ويعجزون في الحصول على جرعة دواء من الصيدليات، وتهزمهم عملية الحصول على القيمة المادية التي تمكنهم من مقابلة الطبيب في ظل تحول العلاج نفسه إلى سلعة.

يتزامن كل ذلك مع مطالبة يبعثها إمام الانصار وزعيم حزب الامة القومي رئيس تحالف نداء السودان الصادق المهدي للسودانيين بضرورة العصيان دون ان يحدد الزمان او الطريقة. مطالبة المهدي للشعب السوداني بضرورة تجميع الصفوف من أجل مواجهة السلطة ليست جديدة، فلطالما ردد زعيم الأنصار الذي يسبق اسمه بصفة رئيس الوزراء الشرعي للحكومة السودانية، نفس المطالب للجماهير بضرورة العصيان, الذي يؤكد الرجل بأن مكونات قوى نداء السودان لم تحدد حتى الآن مواقيته ولا طريقة تنفيذه على أرض الواقع، وهو ما يفرض سؤالاً: لماذا تدعو المعارضة لموقف لم تحدد آلياته بعد؟.

تحديد الخطوة دون حسم يؤكد رؤية البعض، فإن تحالف نداء السودان باعتباره أكبر أجسام المعارضة يمضي في اتجاه التسوية ولا يرغب في تغيير الأوضاع، وهو ما أكد عليه آخر البيانات التي أصدرها عقب ما جرى في برلين برغبته في انتهاج أسلوب الحوار المفضي لتحقيق الاستقرار في البلاد، وهو ما أدى بدوره لاحتجاجات في الجسم الآخر تحالف الإجماع الوطني، ربما لا يبدو الأمر رهيناً بمطلب الإمام الأخير وهو يرسله من الأراضي البريطانية بقدر ما هو مرتبط بالسؤال هل ترغب المعارضة حقاً في تغيير الأوضاع؟

5

بالنسبة للكثيرين فان سلوك المعارضة طوال سنين الإنقاذ وعلاقات الترابط بين مكوناتها من جانب وبالنظام من جانب آخر، تؤكد على ان خيار إغلاق “صفحة الإنقاذ” لا يبدو هو خيار المعارضة، التي لطالما اضاعت الفرص تباعاً و بشكل كبير..

 تؤكد الصورة المرسومة في واقع السودان اليوم على تمدد مساحات عدم الثقة بين الشعب والمعارضة التي لطالما نجحت وبشكل تحسد عليه في اغتنام فرص توفرت لها من اجل تحقيق اهدافها التي كانت على بعد خطوات منها، وذلك بفعل تمدد مساحات حالة عدم الرضا  الشعبي من السياسات الحكومية، بل إنه وحتى في اللحظات التي سبق الشعب المعارضة إلى الشوارع عجزت عن اللحاق به في (سبتمبر)، وتركت دماءه تغطي الطرقات، وحين بدأت الأمور في العودة لنصاب السطوة السلطوية إلتحقت بعض المكونات المعارضة بحوار القاعة وكأنها تمارس وثبتها عكس إتجاه ما يريد المواطنون.

بالطبع يرى البعض ان المعارضة خرجت ولم تعد منذ اختيارها مواجهة “الانقاذ” من الخارج وبعيداً عن معاناة من تقول عنهم جماهيرها. من يومها لم تعد المعارضة هي المعارضة التي وصفها ذات صباح مساعد رئيس الجمهورية الاسبق نافع علي نافع بالعاجزة عن إسقاط النظام واكدت هي على صدق مقولته. لكن ربما السؤوال الاهم ” هل هي عاجزة ام غير راغبة من الإساس في التخلي عن مزايا يوفرها لها استمرار سلطة الإنقاذ وان عم خرابها كل مكان ؟.

الزين عثمان

أخبار ذات صلة المزيد من الكاتب

error: Content is protected !!