هاشم محمد نور صالح/ إرتريا وأثيوبيا..الطريق إلى السلام

466

الوضع الحالي القائم بين ارتريا وإثيوبيا الذي انقلب مائة وثمانين درجة، بعكس الحالة التي كانت قائمة لعقدين من الزمان، وهي حالة اللا سلم واللا حرب، يؤكد تماما بأن هنالك تحول وتطور كبير وضرورة أملتها ظروف راهنة داخلية ودولية.

ولطالما كان أي تغيير يحتاج إلى فاعل جديد في الساحة وغير راتب؛ قد يكون شخصاً أو منظومة، لكن في الحالة الارترية الأثيوبية كان الفاعل المحرك للأحداث الأخيرة فيها هو الرئيس الأثيوبي الجديد أبي أحمد، الذي بات يطمح في أن يتعدى طموحه حدود بلاده إلى القرن الإفريقي. ولقد نجح نسبياً، في إحداث اختراق كان يراه المراقبون مستحيلاً في العلاقة بين ارتريا وأثيوبيا. وذلك للخسائر المهولة التي منيت بها الدولتان، وبخاصة الجانب البشري لأثيوبيا، والجانب البشري والبنية التحتية لإريتريا جرّاء حرب ضروس بين البلدين في منطقة حدودية على مدى عامي 1998 ــ 2000 ، انتهت باتفاقية الجزائر التي حسمت النزاع  لصالح ارتريا ألا إنها ظلت السيطرة الأثيوبية فعلياً حتى اللحظة.

ويوجد قناعة شبه راسخة، ربما تزعزعت أخيراً، لدى المجتمع الأثيوبي وصناع القرار في أثيوبيا على مر الزمان؛ بأن إرتريا جزء لا يتجزأ من أثيوبيا، (الحبشة) ولكن دائما ظل الخطر بين الدولتين في التداخل الشعوبي وبخاصّة الجوانب المتاخمة للحدود بينهما. إذ أن قومية التجراي الأثيوبية يقابلها في ارتريا قومية التجرينية وهما المتنفذتان في السلطة السياسية في البلدين في فترة من الفترات. وربما تضعضع وضع التجراي في أثيوبيا في الفترة الأخيرة جرَّاء مسلك أثيوبيا الأخير الموغل في الديمقراطية.

وللمفارقة فإنه ، برغم التقارب الاثني  والمصالح المشتركة الذي تم الاستفادة منه إبان مرحلة التحرير ــ إذ كانت الجبهة الشعبية لتحرير تجراي تسعى لتحرير إقليمها وتكوين دولة مستقلة ضد نظام الدرق بقيادة منقستو هيلي ميريام ــ الذي كان قائما وأشد فتكا في فترة الثمانينات ، فيما كانت الجبهة الشعبية الارترية لديمقراطية والعدالة تمثل الشعب الارتري بشرعية ثورية فرضها واقع علو كعبها في الميدان ، مقارنة بجبهة التحرير الارترية ــ التي كانت الجبهة ألأم ــ لعوامل كثيرة تضافرت ، منها : انتشارها على رقعة واسعة من الأراضي الارترية ، والعمل على التغيير في أدبيات النضال ، واستحداث طرق ربما فاتت على جبهة التحرير الارترية  استدراكها عبر تحفظها  ، نوعا ما ، حيال كيفية مقارعة السلطة الإثيوبية في أديس أبابا ؛ منها ، على سبيل المثال لا الحصر، عدم تجنيد النساء في جيش التحرير الارتري لعوامل اجتماعية على الأرجح . ولكن الجبهة الشعبية عملت على تقليل الفارق بينها وكثافة الجيش الأثيوبي باستيعاب النساء وكان مشروعا آتى أكله في حينها ، لكن خطورة الموضوع تكمن في البنية الاجتماعية الهشة في الدولتين بين القوميات إذ أن هنالك تربص وتحين للفرص القومية، متى ما اعتلى منها فرد آو حزب إلى السلطة فينتقم للخلفية الاجتماعية للدولة الراهنة من الدولة السابقة.

هذا بالإضافة إلى تدني مستوى الوعي بشكل عام، وبخاصّة، فيما يتعلق بالهوية لدى شعوب القرن الإفريقي. وهذا ما لمسناه، مؤخراً، من خلال التجني شبه المنظم اجتماعيا ضد قومية التجراي في أثيوبيا، وارتكاب جرائم تصل ال التطهير العرقي لأبناء تلك القومية. وهو دلالة دالة على التشفي وتفريغ الغبن بطريقة لا إرادية.  وبالنسبة للجانب الإرتري ، هنالك حكومة مؤقتة تتكئ على شرعية ثورية وتحت ذريعة  حالة الحرب مع أثيوبيا  ؛ تم تعطيل المؤسسات التشريعية والعدلية في البلاد إذ أصبحت الدولة دولةً بوليسية بامتياز ومغلقة تماماً أمام التواصل مع العالم الخارجي وترزح غالبية الشعب تحت فقر مدقع ، مع عدم عودة اللاجئين إبان فترة التحرير إلى بلادهم لأنهم لم يلمسوا هنالك استقلالاً  حقيقياً يجلب الرخاء بالإضافة إلى الخدمة اللانهائية للشباب في نظام التجنيد الإجباري ؛ مما أدّى  إلى هروب كم كبير نحو الدول المجاورة ، ومنهم من عبر إلى أوروبا عبر البحار وتناثروا في أصقاع العالم وباتت ارتريا شبه خالية من اليد العاملة الماهرة والمتخصصة ؛ مما أضعف هيكل الدولة بشكل عام فباتت تعتمد على تناقضات المنطقة واستغلال الموقع الجغرافي والاستراتيجي للبحر الاحمر عبر تأجير الموانئ لفترات طويلة المدى لجهات خارجية تغلبت مصلحتها على  مصلحة الحكومة ، وفق الاتفاقيات المعمول بها في هذا الشأن.

لإريتريا قوميات تسع هي: التجرينية، والتجري. بالإضافة الى: البلين والكوناما، والباريا، والحدارب، والساهو، والعفر، و الرشايدة؛ من ناحية الكم. 

واللغة السائدة والرسمية هي التجرينية. ولا توجد احصائية رسمية دقيقة لعدد المسلمين والمسيحيين. ولكن، وفقاً لمراقبين، فإن النسبة قد تكون 50% لكل منهما. إلى جانب بعض الديانات الوثنية الأخرى.

ومنذ بداية استيلائه على السلطة ، توجه الحزب الحاكم في إرتريا نحو تشديد قبضته على الحكم ، ورفض أن يعترف بكافة أشكال المعارضة ، كما أن هذه الأخيرة لم تجد المعينات اللازمة لتكون فاعلة على الأرض. وذلك لضبابية موقف الأنظمة المجاورة، التي تستخدم المعارضة عصاً تلويح تستخدمها متى شاءت، وتواريها عن الأضواء متى ما أرادت.

 التحول المرتقب بين أثيوبيا وارتريا، مؤخراً، ينظر له بتفاؤل وحذر شديدين؛ إذ أنه، حتماً، سيغير الواقع مما هو عليه راهناً. وبالتأكيد، لقد رمى هذا التحول حجراً في بركة راكدة بالثارات التاريخية !؟

أخبار ذات صلة المزيد من الكاتب

error: Content is protected !!