القضارف تفاصيل أحداث (الحمرا)..(المُحرضون) المتهم الأول..!!

2٬885

ربما كانت رغبتي ان تكون زيارتي الاولي لولاية القضارف الخضراء مختلفة  لما سمعته عنها وعن جمالها، وطبيعة اهلها المتسامحة، وربما حديث عمي الدائم عنها وهو تاجر مقيم بالقضارف وفد اليها من ولاية اخرى ،الا انه لم يجد اي اشكال في التخلخل خلال المجتمع الرشيق كلمة ومعنًا ولونًا، فالقضارف (قضروف ود سعد ) كما يطلق عليها اهلها، تجسد معنى سودان مصغر يضم كل الوان الطيف دون فرز لعرق او لون او اي شي آخر، ولربما كان الشاعر المجيد الراحل حميد يقصدها في رائعته (عم عبدالرحيم ) بقوله :

 ( كل الناس هنا ما بتخبر زعل

تزعل من منو وتزعل في شنو

كل الناس هناك .. كل الناس صحاب .. كل الناس اهل ..

والماهم قراب قربهم العمل).

ولكن …تاتي الرياح بما لاتشتهي السفن، فالزيارة كانت للوقوف ميدانيا علي حادثة هزة كل السودان وليس الولاية وحدها تسبب فيها قلة وعبر تحريض لهدف يوجد براسهم فقط تسببوا في هز النسيج الاجتماعي قليلا هناك ،الا ان التماسك كان هو المسيطر لاحقا لان عقلاء القضارف كثر ،فهم قد رأوا ما تجره مثل هذه الصراعات الغير مبررة علي اهلها ،زرت الولاية ووقفت وشاهدت بام عيني حتي لا يقال ان المعلومات ملكت لي ،فمن راي ليس كمن سمع وارجو ان اكون وفقت في امري .

فجعت مدينة القضارف الاسبوع الماضي علي احداث دامية بمنطقة “الحمرا” جنوب الولاية بين بعض المجموعات السكانية  راح ضحيتها “28”  شخصاً بين قتيل وجريح  ، وحرقت خلالها  “7” تركتورات و”8″ ترلات في الحادثة، لم نلمس خلال زيارتنا للمنطقة  أي مبررات تقود لتفجر الأحداث الدامية ، فكل الشواهد وقرائن الأحوال، تكاد تكذب ان ما حدث، قد حدث بالفعل، فزيارتنا التي أعقبت الأحداث بأيام وما لمسناه من هدوء للاحوال، وانطفاء النيران، يؤكد ذلك  ايضا ،فضلا عن التسامح الذي عرفت به أصقاع ولاية القضارف، وفوق كل ذلك سرعة إطفاء الأحداث في مهدها  لرفضها من المجتمع، وعدم الاستجابة لها، ورغم ذلك يستلزم أيضا مزيد من أحكام تنفيذ قرارات الحكومة، باعتبار أنها فوق كل الشرعيات فيما يتصل بقضايا تنظيم مهن الزراعة والرعي، وأن كانتا هاتين المهنتين ونشاطهما بعيدا عن مسرح الصراع الذي أججه التحريض السياسي وحاول الباسه ثوب القبيلة حسب حديث والي الولاية..

حسناً طبيعة منطقة جنوب القضارف مألوفة ومنظمة بروابط اجتماعية قوية، لذلك بدأ من الغرابة بمكان أن تتفجر فيه مثل هذه الاحداث، فعند زيارتنا لمنطقة الحمرا، لمسنا انخراط الناس فى زراعتهم وحياتهم طبيعية، وتجاوزهم للأحداث بانشغالهم الحتمي بأمر الزراعة والرعي فالموسم ازف، صحيح أن الأحداث كانت دامية وقاسية علي ذوي الضحايا، وأن ما شاهدناه من بقايا الصراع يرن في أذان أسر الضحايا لبشاعته، لكن الصحيح أيضا أنه لم يكن عملا ذو خلفيات قبلية كما صوره البعض، وحاول تصويره كأنه صراع اثني علي أرض زراعية .  

اعلي الجبل

سجلت زيارة لمنطقة الاحداث وطفت في أعلى الجبل حيث قضى “9” أشخاص مصرعهم وأصيب “19” اخرين ، وبالنظر للمشاهد التي سقطت فى أعيننا فيما يبدو من بقايا التراكترات التي تم حرقها، ومقطوراتها التي يستغلها الرحل في نقل اغراضهم من مأكل ومشرب، فإن الجناة أخطأوا في تقدير أن الرحل كانوا يستغلون الأرض للزراعة، وما يثبت ذلك المسافة الطويلة التي قطعناها بين منطقة الرحل التي كانت في قمة جبل ومنطقة الحمراء التي انطلق منها الجناة، فالمسافة تتجاوز العشرة كيلو مترات وهي بعيدة عن حرم القرية، فيما يشير دليل آخر يتمثل في أن الأرض ليست زراعية بحكم تواجد الرحل في منطقة جبلية وليست سهلية صالحة للزراعة .

هجوم مباغت

وذكر شهود عيان ان الهجوم الذي تعرض له الرحل كان مباغتاً وناتج عن سرعة كبيرة في اختراق المنطقة التي يقطنون بها، لجهة ان جميع المتواجدين لحظة الحادث كانوا من النساء والأطفال وكبار السن حسب شهود العيان، وأن الجناة استغلوا وقتاً هادئا لتنفيذ هجومهم علي المنطقة .

تحريض سياسي

وقال والي القضارف ميرغني صالح في حديثه ان الأحداث معزولة وتحدث للمرة الأولي خلال الثلاثة سنوات الاخيرة، ونفي كونها ذات خلفيات قبلية باعتبار أن منطقة الحمراء تضم عددا من الاثنيات، وليس إثنية واحدة، وأن نزول وتواجد الرحل في تلك المنطقة منذ سنين طويلة وهذه منزلتهم وهناك تبادل للمنافع بينهم ،لذلك هو يشير إلى أن الأمر لا يمكن الحديث عنه من ناحية صراع قبلي أو حتي علي أرض زراعية ورعوية ، لان الارض التي ينزل فيها الرحل”هضاب وجبال ” وليست منطقة تصلح للزراعة ،واكد أن الرحل أنفسهم يتسوقون في سوق منطقة الحمراء، ويقومون بشراء المشاريع الزراعة لرعي ماشيتهم من أهل المنطقة بكل رضا دون أن تحدث أي مشكلة ذات طبيعة صراع اثني علي زراعة وارض ، وقال ويبدو ان هناك “تحريض ” تم وعمل سياسي ، لجهة ان الهجوم علي الرحل تم في وقت لا يتواجد فيها الشباب في المنطقة ، ومعظم الجرحي والقتلا كانوا فوق سن الـ”65″ عاماً ، ونبه الي ان موقع الرحل يبعد من “الحمرا ” “9” كيلو متر، ولا يوجد سبب واضح لهجوم مثل الذي حدث.

عدم منطق

ويجزم ميرغني بعدم وجود اي ” رواسب ” وأشياء سالبة بين المجموعتين ، وقال ان الرعاة طلبوا الاستقرار في المنطقة ولا يريدون شيئاً غيره ، لجهة ان وجودهم في المنطقة كان قديماً منذ عشرات السنين ويرحلون عنها مع بداية الخريف ،وقال الهجوم عليهم ربما كان ناتج من تخوف من استقرارهم ، واستدرك قائلاً هذا ليس مبرر ان يضع الناس تخوف ويبنون عليه ولا يوجد منطق لذلك  .   

جرارات محروقة جراء الاحداث

حادث بشع

ويرى ميرغني انه رغم “بشاعة ” الحادث الا ان الرُّحل ينتظرون الحكومة كي تاخذ لهم حقهم بالقانون وعبر التقاضي ، ولن يحدثوا اي ردة فعل وهكذا ظل حديثم ، وقال الحكومة اتخذت بعض التدابير القانونية التي تحميهم وتم تأمين كل المنطقة في يوم الحادث ، وحركة المعزين التي كانت بكميات كبيرة كذلك، واضاف حجم القضية اكبر من المحلية لذلك احلنا ملف القضية لرئاسة الولاية ، وتركنا التحريات تكون في النيابة ، وهناك وكيل نيابة اعلي يشرف علي التحري ، فضلاً عن وجود لجنة عليا من المباحث والاستخبارات ، واشار الي تفريغهم للجنة التحري من اي اعباء وظيفية والتفرغ لهذه القضية فقط والعمل عليها طوال اليوم لتسريع الاجراءات، وقال لجنة الامن تنعقد يومياً للوقوف علي التحريات واين وصلت ، وقال ان مجتمع القضارف استنكر الحادث وظل المواطنين من جميع انحاء الولاية يذهبون لاداء واجب العزاء في القتلي، وافصح عن اجراء هيئة العلماء وقيادات الاحزاب والادارة الاهلية والمجلس التشريعي لمبادرات للمواساة وتهدية الخواطر والاحتكام للقضاء وكونوا لجنة للقيام بذلك ، واكد ان استقرار الرحل يساعد في الانتاج والانتاجية بالولاية ويرتقي بالرعي المفتوح .

أشاعة واتساب

من جانبه قال معتمد محلية القلابات الشرقية، عثمان محمد دج، إن الحياة قد عاودت لطبيعتها بمنطقة الأحداث الدامية،  ونبه إلى علاقة الرحل بأهل المنطقة تعود لمئات السنين، واوضح  أن المنطقة تضم قرى (الحمرا، راشد، تواريت) وتتمتع  بنسيج إجتماعي متميز يضم قبائل ومجموعات شتى، وأكد  عودة التعايش بالمنطقة لاوضاعه الطبيعية، وجزم بعدم تجدد القتال والاشتباك بالمنطقة، وقال الحديث الذي يدور في الاسافير عن تجدد القتال “أشاعات وأتساب” فقط ولا صحة لذلك ،  واكد ان شرطة المحلية لم تدون اي بلاغ لاشتباك أهالي بعد الحادثة، التي تصفها حكومة القضارف، بأنها حادثة معزولة ، وافصح عن تكوينهم لجنة لحصر الضرر الذي خلفته الحادثة ، وقال كل شخص لديه ضرر فاليذهب للجنة فوراً ويبلغ ، واضاف قائلاً اي شخص ضاعت منه “ابرا” في الحادثة فالياتي للجنة ويسجلها .

محنة

اما نائب رئيس مجلس تشريعي ولاية القضارف عبدالله رحمة الله فيؤكد على أن  الحادثة غريبة عن أهل القضارف، ووصف الحادثة  ” بالمحنة ” ، وقال نسأل الله زوالها وان يحفظ الوطن”، ودعا الطرفين لضرورة ضبط النفس والاحتكام لصوت العقل، وانتظار ما سيقوله القضاء، واشار  إلى أن زيارتهم هذه، تعد الزيارة الثانية للمجلس التشريعي، حيث قاد الوفد الأول، رئيس المجلس التشريعي بالولاية، وجلس مع الطرفين، داعياً لترك الفرصة للعدالة لتأخذ مجراها.

الامر لله

وفي غضون ذلك أعلن عمدة الرحل بالمنطقة حسن علي الزين عن التزامهم بما ستسفر عنه سير إجراءات العدالة ، وقال “تاركين الأمر لله ” وما يقوله القضاء والقانون ” فقط ، وقال منذ عشرات السنين ناتي الي هذه المنطقة مع بداية شهر اكتوبر ونذهب منها بداية الخريف ، واضاف يوم الحادث لم نكن متواجدين بالمنطقة ، وعند اخباري بالحادثة  ذهبت فوراً الي مركز الشرطة بدوكة وبلغت عن الحادث ، وافصح عن حرق “43” خيمة للرحل في الحادثة ، واصابة ومقتل “11” شخص . 

تدخل عاجل

وفي السياق ذاته اعتبر المدير العام لوزارة الصحة بالقضارف احمد الامين ادم الحادثة بالطارئة وتتطلب تدخل عاجل من قبل الوزارة ، وقال لدينا تيم مجهز للتدخل وحل المشكلة بسرعة ، واضاف حضرنا لمنطقة الرحل ومعنا كل ادوية الرعاية الاولي والاطفال دون  والنساء الحوامل وادوية الملاريا ، فضلاً عن وجود كادر ومثقف صحي للعمل علي كلورة المياة ، والتاكد من عدم وجود مشاكل في المياه ، وأعلن عن تطويرهم التدخل السريع لوحدة صحية ثابتة بالمنطقة لخدمة الاشخاص المتواجدين بها ، وهناك كثافة سكانية عالية ، وقال احضرنا علاج كثير للاطفال اقل من خمس سنوات وهناك ثلاثين نوع يغطي لاسبوع .

القضارف /عبد الرحمن صالح – الانتباهة

أخبار ذات صلة المزيد من الكاتب

error: Content is protected !!