سكت المُركب وتحدثت الفاجعة بـ(23) جُثة..تفاصيل المأساة

المناصير أخت الألم ..طلبو العلم فكان النهر مثواهم الأخير

1٬553

الخرطوم “تاق برس ” –  الزين عثمان – في نوفمبر من العام 2011 كان سيد احمد البصير يقطع الفيافي بين ارض المناصير ومدينة الدامر حاضرة ولاية نهر النيل شمالي السودان، يجلس في وسط الميدان ومعه المئات من أهله معتصماً من أجل استرداد حقوقهم كمتضررين من قيام سد مروي،  يردد الشيخ ساعتها الهتافات (تنهٌد تنهُد عصابة السد) ومعها (حقنا كامل وما بنجامل) كان ساعتها مثل الذي يقرأ “بخت المستقبل الضائع وخوف ما يمكن ان يحدث باكر”.

يومها عاد سيد أحمد الي قرية الكنيسة بالقرب من كبنة في محلية البحيرة بعد ان فض المناصير اعتصامهم جراء الوعود التي بذلتها الحكومة في تعديل الوضع المائل، اخبرتهم بان المدارس ستفتح ابوابها وان المشاريع التي غمرتها المياه ستعود للإنتاج وان من تفرقت بهم السبل في تلك الفيافي سيعودون عبر الطريق المسفلت لتعمير الارض التي قالوا انهم لن يغادروها (يموتوا فيها او يموتوا لاجلها وفي كل حياة).

صباح اليوم كان الشيخ على موعد جديد مع الدموع حين اخبروه بان اربعة من أحفاده قد غرقت بهم مركب (الترحيل) وغمرتهم ذات المياه التي كانت قد غمرت الارض كلها في وقت سابق كاحد مخرجات قيام سد مروي، الذي أدى لاندلاع الخلافات بين مواطني جزر المناصير وبين إدارة السدود بزعامة وزيرها السابق أسامة عبدالله، خصوصاً وان هذه المجموعة رفضت بشدة كل محاولات السدود في ترحيلها من مناطقها الأصلية.

يأتي من يخبر سيد احمد بالفجيعة ان صغاره قد ابتلعهم النهر وان عليك ان تبتلع وجعتك الى حين نجاح الدفاع المدني في إنتشال الجثث التي بلغ عددها في هذا الصباح 23 جثة بتمام وكمال العدد 22 تلميذاً وطالبة دكتوراة في مقتبل العمر.

في صبيحة الفجيعة جوة المركب فضلوا يغنوا يغنوا سكت المركب وبين كل سكوت وكلام في هذه الارض فان مساحة الفراغ يملأها الموت الذي ابتلع الارواح البضة صباحئذٍ ان يموت 22 صغيراً في إنقلاب مركب يبدو الامر في مرحلة ما بعد الفجيعة، لكنه قد لا يثير الدهشة حين تعلم ان المركب هي “الناقل الحصري” للتلاميذ في تلك المناطق النائية, فلا الحكومة وفرت المدارس في مكان السكن ولا هي مهدت طرق الوصول اليه، بعيداً عن غضبة البحر. المركب المملوكة لعبد المنعم الكلس الذي يرقد الآن في المستشفي مصدوماً من هول ما حدث وممزق القلب، لان اثنين من ابنائه قضوا مع الاخرين، تعودت هذه المركب ان تنقل الصغار من مناطق السعداب والكنيسة وسرجي وترسوا بهم في كبنة حيث المدرسة بشكل يومي وفي منطقة سيرجي اصطدمت بصخرة او ربما باحد اشجار النخيل التي كانت تزخر بها المنطقة قبل الفيضان وانقلبت وفي جوفها حوالي ثماني وثلاثون شخصاً توفي 23 منهم بينما أنقذت العناية الألهية 15 شخص آخرين وانخرط اهالي المنطقة في البحث داخل مياه النهر من أجل انتشال جثث الغرقى الذين فشلت الحكومة ودفاعها المدني في إنتشالهم.

وكان البصير تكفيه سودانيته لان يعقد موعداً ثابتاً مع الوجع لا يتأخر فيه مثلما فعل الموت تماماً مع فائزة عبدالرحيم ابنة أخيه التي تحضر الدكتوراة في مختبرات الفيزياء بجامعة السودان والتي تقيم بمنطقة الجريف شرق بالخرطوم في الحادي عشر من اغسطس كانت تكتب في صفحتها الشخصية بالفيسبوك مسافرة الى المناصير وتضيف الدعاء اللهم لا سهل الا ما جعلته سهلا) لم تكن تدري ساعتها انها ستترك الحزن لكل المآقي وهي التي مضت الي هناك من اجل تقديم واجب عزاء ومن اجل حضور العيد بين دفء الأهل والعشيرة قبل ان يعاجلها الموت، تترك الحسرة علي شبابها وبالطبع معها السؤال حول من المسؤول؟ يتسائل نادر الهادي وهو احد الشباب الناشطين في المنطقة بلسان حال الكل تُرى كيف تنظر الحكومة لواقع شعبها؟؟، وكمن يعرف الإجابة مسبقاً يردف نحن لا ننتظر منها شئ او هكذا علمتنا تجربة السنوات الماضية لكن في المقابل يكمل الشاب (الحزن الاكبر ليس يقال) وكانه يفتح الباب امام سؤال آخر تُرى كيف سيكون حال أم اخبروها ان اربعة من أطفالها لن يعودوا.. عليها ان تربط علي قلبها صخرة وتنام، والا تنتظر عودة ابنها وابنتها فهم صاروا في عالم آخر ولن يعودوا.

عليها الإيمان بمقولة ان المناصير أخت الألم فحين هتفو ضد السد ما كانوا يعلمون الغيب ولكنها فراسة المؤمن التي كانت تبين لهم ما يمكن ان يحدث مستقبلاً بالطبع لم تكن حكومة نهر النيل لتكلف نفسها عناء الإجابة علي سؤال لماذا يقضي 22 تلميذا نحبهم في رحلة مركب تحملهم نحو المدارس وربما لايدرك المسؤولين في الولاية ان في مناطق نائية هنالك ثمة من يستخدم المراكب الخشبية المهترئة والقديمة للتنقل بين ضفتي النهر، لتكملة خدماتهم ومستلزمات حياتهم.

في هذه الفاجعة راح كل من، جواهر عمر سليمان، ريم عمر سليمان، توسل عمر سليمان، تسنيم محمد دفع الله، وفاء محمد دفع الله، براءة محمد دفع الله، مشاعر احمد سليمان، الروضة عبد المنعم الحسن، سحر سعد محمد عوض الله، سحر عز الدين عوض الله، فاطمة عمر سليمان محمد، وذات المأساة طالت طلابا في مرحلة الاساس هم محمد سعد محمد دفع الله، امجد عثمان علي حامد، ناجي عثمان علي حامد، علي احمد الحسن احمد، سيداحمد ياسر سيداحمد، سليمان ياسر سيداحمد، ابراهيم التجاني حسن علي، منذرمصطفى دفع الله، عبد الرحمن عبدالمنعم، مازن محمد الحسن احمد، ايلاف التجاني حسن علي، رهام عمر سليمان، اضافة الي الخريجة فائزة عبد الرحيم البصير.

وبدأ الخبر الفاجع يغطي جميع ارجاء البلاد ووكالات الانباء، لابعاده الانسانية المُفجعة، مفاجئا للحكومة التي ما تزال تدير الولاية التي يتنقل طلابها عبر النيل في موسم فيضانه دون ان تكترث لعواقب ركوبه في هذا التوقيت بالذات، مثلما لم تكلف حكومة الخرطوم العاصمة نفسها عناء التساؤل حول مصير ثلاث تلميذات توفينُ تحت وابل الطوب المنهار في امبدة. لكن تعريض تلاميذ للخطر والموت بهذه الفداحة يصبح فعلا حكوميا مجردا من المسؤولية ويتماهي ذلك مع العقل الجمعي للسلطة الحالية وفي مستوياتها كافة، وللمفارقة كانت الالة الاعلامية تنقل زيارة والي ولاية نهر النيل حاتم الوسيلة لمحلية البحيرة قبل ايام، وتتغافل عن رحلة مجهولة للطلاب لمدارسهم عبر مراكب الخشب، اذ لم ترد الاشارة مطلقا لهذه الخدمة الهامة، وسط الذبائح التي ظلت تنتظر الوالي في المناطق التي يزورها، وهي مدفوعة الثمن من النافذين لان المواطنين لن يكلفوا انفسهم عناء زيارات بلا طائل.

كان وزير الإعلام بنهر النيل يوقع على نعي الطلاب في ورقة “مروسة” بختم حكومته كأقصى ما يمكن فعله، في حكومة ترى ان روح الإنسان فيها ارخص من قيمة الحبر الذي توقع به شهادة وفاته، ومؤكد لهذا السبب كان الجد المفجوع يقطع الفيافي من أجل الاعتصام لنيل حقوق أحفاده؛ كان يجلس هناك خوف لسعات العقارب وغياب الأمصال ليقينه بان السم في هذه البلاد هي سلطاتها غير المسؤلة.

أخبار ذات صلة المزيد من الكاتب

error: Content is protected !!