حدود المنطق .. إسماعيل جبريل تيسو / جمال خاشقجي قضية إنتصر فيها الإعلام

352
الحديث عن أن الإعلام يمثل السلطة الرابعة ، ينبغي أن يعاد فيه النظر ليحتل مرتبةً متقدمة ارتكازاً على المعطيات الواقعية التي تبلورها الآلة الإعلامية ،  وحساسية ما تضطلع به من أدوار تعزز من قـدرتها الفائقة على إحداث التفاعل المنطقي لكيمياء ما تتناوله من أحداث ، أو ما ترصده من ظواهر أو ما تتابعه من قضايا ، راسمةً صورةً حقيقية ، تلامس في إطارها أبعاد الحادثة المعنية ، ولعل أصدق مثال ، يمكن الاستشهاد به ، بين ثنايا هذا المقال ، الدور المتعاظم الذي اضطلعت به الآلة الإعلامية في إماطة اللثام عن وجه الحادثة المروِّعة لاغتيال الصحفي السعودي جمال خاشقجي ، والتي وقعت داخل القنصلية السعودية ، في مدينة اسطنبول التركية ، حيث جددت هذه الحادثة التأكيد على خطورة الإعلام كأداة ناجعة ، تؤثر بشكل فاعل على المجتمعات ، وتمارس الضغوط على الحكومات ، بإعمال الحقائق ونقل المعلومات.
لا يختلف اثنان على حجم المأساة الإنسانية المؤلمة التي تضمنتها قضية الصحفي السعودي جمال خاشقجي منذ اختفائه عقب دخوله القنصلية السعودية باسطنبول ، وما ترتب على هذا الاختفاء من سيناريوهات ، أرهقت تفكير المراقبين وأوجعت ( أدمغة )  المحللين وأرّقت مضاجع السعوديين ، حتى أقرَّت السلطات السعودية أخيراً وبعد مكابرةٍ شديدة بمقتل الرجل داخل قنصليتها في اسطنبول ، وشرعت ترسم فصول الرواية وعناوينها التي ما زالت تقع في نفوس الكثيرين ، موقع الشكٍّ وعدم اليقين ، ارتكازاً على ( لا معقولية ) الرواية وما يشوبها من تناقض في المواقف ، وإصرارٍ  على انتهاج المراوغة سبيلاً لإخفاء ، ما وراء حادثة الاختفاء ،  بمحاولات الرياض المستمرة لنسج خيوطٍ أوهنَ من بيت العنكبوت ، تفوح منها رائحة الذرائع المنمَّقة والأكاذيب الملفَّقة.
التخبط في مواقف السلطات السعودية منذ دخول خاشقجي القنصلية في الثاني من أكتوبر وحتى إعلان مقتله رسمياً في العشرين من الشهر نفسه  ، إنما يشير إلى مدى الضغط الذي واجهته المملكة السعودية من قبل الآلة الإعلامية في المنطقة العربية ، وفي مقدمتها شبكة قنـوات الجزيرة التي تعاطت مع قضية جمال خاشقجي منذ الوهلة الأولى باحترافية مذهلة مستندة على تخطيط سليم ، يقوم على تغطية لصيقة لمجريات الحدث بالمتابعة والرصد والاستقصاء والتحليل وقراءة المآلات ، وكأني بشبكة قنـوات الجزيرة قد وظَّفت كل خبراتها التي اكتسبتها خلال العشرين سنةً الماضية لصالح هذه القضية ذات الدلالات الإنسانية ، والمضامين المُنْتَهِكة لحرية التعبير ومصادرة الأراء وتكميم الأفواه ، فنجحت الجزيرة إلى حدٍّ بعيد في كشف النقاب عن مصير خاشقجي ، ومازالت تبحث ( ما وراء الخبر ) لتحديد هوية من أصدر أوامر الاغتيال ، ومن قام بتنفيذ هذه الجريمة المخالفة للأعراف والمواثيق الدولية ، لتضيف شبكة قنـوات الجزيرة بهذه الخطوة  إنجازاً جديداً يطرِّز عنقها المرصَّع بجواهر التميز ، منذ أن بهرت أعين العالم بتغطيتها المدهشة لأحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001.
الإبهار والتميز الذي نضح به ماعـون شبكة قنـوات الجزيرة في تغطية قضية الصحفي السعودي جمال خاشقجي ، كان بمثابة الشارة الخضراء التي فتحت الطريق أمام فك طلاسم القضية وحولتها إلى قضية رأي عام ، شغلت بال المجتمع الدولي والإقليمي ، قبل أن تحرّك لسان الآلة الإعلامية الغربية التي كانت في باديء الأمر غير آبهةٍ بقضية اختفاء خاشقجي ، ولكن مع الطرق المستمر على الحادثة من قبل شبكة الجزيرة الإخبارية ، وغيرها من المؤسسات الإعلامية التي انتهجت المهنية ، بدأت الآلة الإعلامية الغربية في التعاطي مع القضية بشيء من المسؤولية ، وهو الأمر الذي شكل ضغطا كبيراً على المؤسسات الإقليمية والدولية والمنظمات المعنية بحماية حقوق الإنسان ، ودول الاتحاد الأوربي والولايات المتحدة الأمريكية ، وغيرها من الكيانات المهتمة بحرية الصحافة والمناهضة لكل أساليب القمع والحد من حرية التعبير ، فطفق مسؤولو العديد من هذه الدول يشددون على ضرورة معاقبة مرتكبي جريمة اغتيال الصحفي جمال خاشقجي ،، وكالعهد به فقد سيطر  الرئيس الأميركي دونالد ترمب على المشهد السياسي ليس لكونه رئيس أعظم دول العالم فحسب ، ولكن بوصفه الحليف الاستراتيجي للمملكة العربية السعودية ، حيث بدا ترمب مرتبك التصريحات في بداية الأزمة ، ولعله كان مُتنَازعاً ما بين مطرقة التعاطي المنطقي مع قضية خاشقجي بإدانة السعودية ، وما بين سندان المصالح الاقتصادية التي تربط واشنطن بالرياض ، ولكن مع استمرار التناول الإعلامي الكثيف والتلويحات الغاضبة للكونغرس الأمريكي ، وتفاعل النافذين من ( سيناتورات ) الإدارة الأمريكية وانفعالاتهم مع تطورات القضية ، خلع البيت الأبيض جلباب الموقف الرمادي ، بعد أن أصبح في مرمى نيران الضغوط المحلية والدولية ، وخاصةً ، بعد إعـلان السلطات السعودية رسمياً مقتل الصحفي جمال خاشقجي ، فتحـوَّل ترمب بموجب هذا التطور من موقف المتعاطِف مع السعودية إلى القَلِق والمُهدِد بفرض عقوبات على الرياض.
شكراً شبكة قنوات الجزيرة على هذه اللفتة الإنسانية الرائعة التي أملاها عليكم ضمير الواجب المهني ، المنطلق من منصة المسؤولية الملقاة على عاتق الإعلام ، المهموم بقضايا الإنسان وسبر أغوار الحقيقة إحقاقاً للحق وإرساءاً لقيم العدالة ،، وقطعاً مثل هذه المباديء تتقاصر أمامها محاولات ( البعض ) ممن اختلط عليهم حابل المسؤولية الأخلاقية والمهنية ، بنابل الانتماء الأعمى والولاء المطلق ، فأصبحوا كالمنبَّت ، لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى !! 
 وبمثل ما أبهرتني تغطية شبكة قنوات الجزيرة لقضية الصحفي السعودي جمال خاشقجي ، فقد استوقفتني بعض الإشارات السلبية ، من بعض زملاء المهنة الذين حاولوا التقليل من تميز شبكة الجزيرة الإخبارية في تغطية القضية ، راكلين الكرة إلى ملعب الأزمة الخليجية التي عزفت خلالها شبكة الجزيرة سيمفونية الإسناد والنُصرة لصالح دولة قطر على حساب تحالف دول الحصار الذي يضم كلاًّ من السعودية والإمارات والبحرين بالإضافة إلى مصر ، وبغض النظر عن موقف الجزيرة خلال الأزمة الخليجية ، تبقى الحقيقة الماثلة أن الصحفي جمال خاشقجي ( زميل ) وأنه تعرض لجريمة حرَّمتها جميع الأديان والشرائع السماوية ( قتل النفس بغير حق ) ، ومورست في حقِّ الرجل أبشع أنواع الانتهاكات التي ترفضها الأعراف والقوانين الدولية ، من حرية التعبير ، والإبعاد عن الوطن ، ثم القتل والتمثيل بجثته ، ألا يستحق مثل هذا الرجل وقفة إسناد ودعم ، والتفاتة من قبل مؤسساتنا الإعلامية ، ولو بالمناصحة في وجه الظلم ؟ ما لكم كيف تحكمون؟

أخبار ذات صلة المزيد من الكاتب

error: Content is protected !!