حاطب ليل/ د. عبد اللطيف البوني .. قبل وداع الكاش!

420

بالأمس قُلنا إنّ الحكومة وللخُروج من أزمة السُّيولة، قرّرت التضييق على التعامل النقدي (الكاش) بفرض التّعامل بالشيك المصرفي في بعض المُعاملات الماليّة كبيع الأراضي والعربات ثُمّ باللجوء إلى التعامل الإلكتروني وذلك باستخدام الدّفع الإلكتروني في المُعاملات التي تَخص الدولة (الحكومة الإلكترونية).. بالطبع الحكومة لم تقل إنّها بذلك تُريد الخُرُوج من أزمة السُّيولة، إنّما لسان حالها يقول إنّها تُريد اللحاق بالعصر، فالعَالم كُلُّه رَكَلَ أو بدأ يَركل التّعامل بالكاش، وإن شئت قُل إنّ (البنكنوت) أيّامُه انتهت.
على العُمُوم وبغض النظر عن الدّوافع، فإذا مَا مَضَت الحكومة في هذا الاتجاه، فإنّ الطريق أمام هذا التّحوُّل ليس مَفروشاً بالورد، بل ليس مُعبّداً، فهناك الكثير من العقبات والمَتاريس سوف تجعل هذا التّحوُّل ليس بنزهة!

(2)

هذا التّحوُّل المنشود يَحتاج لبنياتٍ أساسيةٍ ،ماديةٍ ومعنوية بلغة الحاسوب (هارد وير وسوفت وير)، فمن تلك المادية مُحتاجة لنظام بنكي مُنتشرٍ ومُتطوِّرٍ، ثُمّ مُحتاجة لشبكات إلكترونية (إنترنت) قوية، أما النواحي المعنوية مُحتاجة لقاعدة معرفة بالتقانة الحديثة ثُمّ إرادة سياسيّة قوية.
في تقديري أنّ مَصارفنا بحالتها الراهنة سوف تكون أكبر عقبة وهي غير مُهيأةٍ بالمَرّة لأيِّ إقبالٍ كبيرٍ عليها، ويكفي القول إنّك إذا أردت أقل مُعاملةٍ بنكيةٍ اليوم يجب أن تُضحِّي بيومك كله، حتى في أيام انعدام السُّيولة هذه صالاتها مُكتظة بطالبي بعض الخدمات المصرفية كالتحاويل واعتماد الشيك!! فكيف سيكون الحال إذا فُرض التعامل بالشيك المصرفي؟ اللهم إلا زادت فروعها وعملت (ليل نهار)، وانتهت الوساطات داخلها، وغيّر مُوظّفوها طَريقة تَعاملهم، ثُمّ والأهم تقانياً تحتاج البنوك للتعامل مع التطبيقات بصورة مختلفة عن التي تُجرى الآن، فالأمر مُحتاجٌ لرفع كفاءة.. أما الشبكات الإلكترونية فهي الأخرى تُعاني من بطء وسوء تشغيل، فكثير من المُعاملات فيها تنتهي بـ (الشبكة طاشّة)!! ولكن بأيِّ حالٍ من الأحوال مُشكلتها قابلة للحل وليست كتلك المُتعلِّقة بالبنوك.. فشركات الاتصالات تتبع للقِطاع الخَاص، والقِطاع الخَاص حَساسيته دوماً أعلى!
(3)

أمّا النواحي المعنويّة، فأهمها القاعدة المعرفيّة بالتقانة وهذه من نقاط القوة بدليل أنّ البلاد بها اليوم عشرات الملايين من الهواتف الذكية وشباب اليوم يَتعامل معها بكفاءةٍ عاليةٍ وبالتّالي لن تكون هُناك مُشكلة في استيعاب التّطبيقات الماليّة، فالمُشكلة هنا ستكون في الإرادة السِّياسيَّة للدولة.
فكثير من الجهات الحكوميّة تَرفض التّعامل المالي الإلكتروني وبإصرار وتحدٍ بائنين، هذه الجهات لديها مُشكلة مع الشّفافية لأنّها تكشف المال المجنب وتُمكِّن وزارة المالية من السّيطرة على مُجمل الأموال التّابعة للدولة.. فالدفع الإلكتروني يُمكِّن وزارة المالية من الولاية والسيطرة على أيِّ مالٍ عامٍ، الدفع الإلكتروني يقضي على (الغُمتي) والتجنيب واللعب بالدولار.. لذلك لم تنجح كل المُحاولات التي تمّت في هذا المَجال ليتواصل الخُرُوج عن الخزينة العامّة و(أنا ما بفسِّر وإنت ما تقصِّر)!
(4)
ثقافتنا العامّة لا تُساعد كثيراً على التّحوُّل من الكَاش إلى الشّيكات والدفع الإلكتروني، ففي كثير من أصقاع البلاد تجد الناس يصرون على التّعامل بالنقد وليست لديهم ثقة في تعامل غيره (مالا تودعو ودعو).. تكلس البنوك وعدم انتشار ثقافتها ساعد على ذلك الجُمود ولكن القابلية للتّغيير مَوجودة، فمثلما انكبّ الناس على الهَواتف الجَوّالة كطريقة تواصل أولى سوف يتعاملون مع الشيك ومع الدفع الإلكتروني كرهاً أي مُجبرين في البداية، ثم طَوعاً فيما بعد، لأنّ العالم كله مُتّجهٌ إلى ذلك وسُنة الحياة التغيير.. فكل المطلوب التّدرُّج ثُمّ مُراعاة التّفاوت في هذه الثقافة بين بقاع السودان المُختلفة.

أخبار ذات صلة المزيد من الكاتب

error: Content is protected !!