سمية سيد تنقل تفاصيل مأساة الحريق من قلب الحدث.. أم درمان الحزن الكبير!

818

إستيقظت مدينة أم درمان فجر أمس على أكبر كارثة تحل بها بعد محاولة اجتياحها من حركة العدل والمساواة في مايو 2008. معركة خلّفت كثيراً من الخسائر البشرية والمادية لأهل أم درمان وانتحاراً للغُزاة. تتجدَّد مأساة أم درمان باندلاع حرائق سوق أم درمان الذي خلّف وراءه أكبر خسائر مادية. من عناية الله ورحمته أنها لم تسجل خسائر في الأرواح.

السوق الكبير عند أهل أم درمان ليس سوقاً للبيع والشراء وتبادل المنافع التجارية، فهو قيمة تاريخية وثقافية واجتماعية وفنية وسياسية امتدَّت لأكثر من قرنين من الزمان. شكّل ماضي وحاضر ومستقبل كل أم درمان باختلاف تركيبتها السكانية، من قبائل السودان المختلفة والأقباط والهنود والأغاريق وغيرها من الأجناس وعلى اختلاف دياناتهم. فكان سوق أم درمان أهم مناطق التعايش الديني بين كل مناطق السودان.

لم تكن الحاسة الصحفية كافية لأبدأ يومي بالإسراع نحو السوق الكبير لمعرفة تفاصيل ما حدث. كان العامل الوجداني والارتباط النفسي من أهم الأسباب التي جعلتني أُسرع الخطى إلى معرفة ماذا فعل الحريق في هذه الرقعة الجغرافية التي تُمثّل جزءا مهما من تاريخنا ومن حياتنا وطفولتنا كما هي بالنسبة لكل أبناء أم درمان القديمة.

دخلت من شارع كرري من مدخل دكان العدني العريق بصعوبة، ولم أتمكّن من التوغل لأن شرطة الدفاع المدني وقوات الشرطة الأخرى كانت تُطوّق المكان. كان الحزن والألم يُخيّم على الجميع. صادفتُ شقيقي الأكبر يوسف آخر أحفاد العم جادو الذي لا زال لا يفارق سوق أم درمان وتبقى معه ابن عمتنا أحمد محمود بسوق الأناتيك بعد أن خرج منه بقية آل جادو وجاءت أجيال أخرى من مناطق مختلفة من مناطق السودان المختلفة خاصة الجزيرة وغرب السودان.

وجدت الدموع تملأ أعين (ود جادو) وهو يتجول وسط مخلفات الحريق وحُرّقة أصحاب الدكاكين المنكوبة التي أصبحت أثراً بعد عين.. قوات الدفاع المدني وحتى خروجي من المنطقة كانت تبذل جهوداً جبارة لاحتواء الحريق أو لحصره في منطقة محددة، دون أن تتمدّد ألسنة اللهب إلى مواقع جديدة، لكن كان الواقع أصعب من كل الإمكانيات. ضيق الأزقة والشوارع الفاصلة بين المحال التجارية جعل الخسائر أفدح والكارثة أكبر.

كنت أستمع إلى حكاوي القادمين من أمام النيران الملتهبة. كل قصة تُروى تمثل مأساة ليست على صاحبها فقط وإنما مأساة اقتصادية على اقتصادنا المعلول. عدد من أصحاب المحلات كانوا يقاومون أفراد الشرطة والدفاع المدني للدخول لإنقاذ أموالهم الكاش الموجودة بالداخل.. كانوا يشهدون على انزواء بضائعهم وأموالهم تحت الأنقاض وخراطيم مياه الدفاع المدني.

حكايات كثيرة تُروى عن فقد التجار للأموال.. يُقال إن أحدهم فقد مليون دولار كانت بخزنة المحل.. آخر فقد 10 مليارات جنيه، و500 ألف دولار لفلان وكذا مليون لعلان. أحدهم قفز نحو محله رغم النيران وخلع الجلابية وفتح الخزنة سحب منها مليارات وفر هاربا قبل أن تصله ألسنة اللهب. تاجر توقف عن الكلام ولم يتحمل الصدمة. تقارير إعلامية غير رسمية قدرت الخسائر بنحو 300 محل تجاري و850 مليار جنيه و4 ملايين دولار.

المبالغ المذكورة تمثل الكاش الذي كان بداخل خزن المحلات. أسفت جدّاً لبوست منسوب إلى أحد المسؤولين يصف ما حدث لسوق أم درمان بأنه غضب من الله بسبب ممارسة التجار للربا.. هذا ما فتح الله عليه من قول بدلاً عن تقديم التضامن مع المنكوبين والحسرة على الأموال التي ضاعت. والتي لا تُمثّل خسائر فقط لأصحابها وإنما هي خسائر على الاقتصاد الوطني.. فلو سأل هذا المسؤول نفسه: لماذا يحتفظ التجار بأموالهم داخل المحلات التجارية رغم المخاطر التي لا تخفى على أحد، لوجد الإجابة بسهولة دون عناء بحث.

ما حدث من مصيبة داخل سوق أم درمان يقتضي ليس التفكير في عمليات التأمين فقط، وإنما ضرورة البحث عن وسائل لإعادة ثقة الناس في البنوك وذلك باتخاذ قرارات حاسمة تُلزم البنك بتسليم المودعين أموالهم دون تحديد سقف متى ما طلبوها وتعاقب المخالفون. وتقتضي خروج مجالس الإفتاء الشرعي بتحريم استيلاء البنوك على أموال الناس بالباطل، وتقتضي ميثاق شرف من البنوك نفسها عبر اتحاد المصارف بالالتزام باللوائح والتعاقدات التي بينها وبين العملاء.

أما قنواتنا الفضائية فسجلت صفراً كبيراً في النقل من مواقع الحدث، اللهم إلا ما قام به إعلام محلية كرري بنقل جزء من صورة الكارثة عبر مقاطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي رغم ضعف إمكانياتها.

أخبار ذات صلة المزيد من الكاتب

error: Content is protected !!