الخرطوم تودع 2018 بهتافات”تسقط _بس” (ود الفور مننا وفينا لا بقتلنا لا بيأذينا) فيديو

الخرطوم “تاق برس” – الزين عثمان – هنا الخرطوم العاصمة الصاخبة منذ ثلاث عشر يوماً يردد شعبها هتافات (ان نريد إسقاط النظام) العام 2018 يلملم أخر لحظاته مغادراً البلاد التي عاشت قبل هذا اليوم ثماني وعشرون يوماً كان فيها المشير البشير ريئساً للسودان كان المواطنون يجمعون فيها ما تبقي من مدخرات سنتهم المنقضية ويمضون نهاية الليل الى الساحات والحفلات العامة ترافقهم أمنية ان “يوم باكر ببقى أخير”، يذرفون دموع الإنتماء حين ينشد مغنيهم ان “نحن جند الله ..جند الوطن”، يستعيدون ذاكرة كل من خط على التاريخ صفحة من الدماء مع خيوط الفجر الاول للعام الجديد، يلملمون أحزانهم في الرايات التي يغطون بها اجسادهم من البرد ويكملون ليلتهم (اليوم نرفع راية إستقلالنا ويسطر التاريخ مولد شعبنا).

1

لم يكن يوماً عادياً..الحادي والثلاثون من ديسمبر للعام 2018 لم يكن عادياً لان تجمع المهنيين السودانيين قرر ان يغير مقولة (عند ديسمبر تنتهي الاحلام) الى انه في ديسمبر نفسه يمكننا تجديد أحلامنا وإعادة بناء بلادنا وفقاً لما نريد ونشتهي لذلك اختار التجمع ان يعيد كرته الناجحة في الثلاثاء الماضية حين دعي المواطنون للانخراط في مظاهرة هدفها ايصال رسالة للقصر مطلبها واحد هو تنحي الحكومة التي يديرها المشير عمر البشير منذ حوالي ثلاثون عاماً حدد التجمع الذي يضم عدداً من النقابات المعارضة صينية القندول في السوق العربي نقطة لانطلاق المسيرة التي تقصد القصر الرئاسي بالسودان عند تمام الواحدة في اخر نهارات العام.

منذ وقت باكر كانت القوات الأمنية تفرض طوقاً امنياً محكماً حول المنطقة مما دعى الكثيرين للقول بإستحالة انطلاق اصوات التظاهر في ذلك المكان المحاط بالموت من جوانبه كافة، لكن عند تمام الواحدة كانت الأصوات تشق عنان الصمت في السوق العربي ويخرج الشباب والشابات من الأزقة مثلما غناهم شاعرهم محجوب شريف (ريح وهبت نار وشبت)

2

لم يكن خروج المحتجين وترديد الشعارات المطالبة بإسقاط النظام سوي مقدمة لمعركة من الكر والفر أستمرت طويلاً بينهم والقوات الامنية التي بدا وكان تكتيكها في تلك اللحظة إخراج المحتجين من قلب السوق العربي ولتحقيق تلك الغاية فانها قامت باستخدام العنف واطلقت عبوات الغاز المسيل للدموع والرصاص الحي مما ادي لعدداً من الاصابات عنف لم يمنعه جلوس المحتجين علي الارض وترديدهم لهتافات (سلمية سلمية). فيما بدا المحتجون وكانهم يعرفون ما يريدون التجمع وان طال السفر وهو ما حدث بالفعل حين بدا السوق العربي مسرحاً لخمس مسيرات بالتناوب وكانت كلما نجحت السلطة في تفريق المتظاهرين جمعهم مرة اخري لبعضهم الهتاف وحين ضاق بهم شارع الحرية حملوا هتافهم الي (السجانة) دون ان يتراجعوا عن ما آمنوا به، وهو ضرورة تحقيق التغيير المنشود .

3

كان اعلان الاحتجاج والمسيرة من منطقة القندول تقابلها مشاهد اخري حين اعلن المحامون بالخرطوم عن تنفيذهم لاضراب وهو ذات ما فعله القضاء الواقف في مدني في حين لم تقف السلطات الامنية موقف المتفرج علي هذا الحراك وقامت بتوقيف عدداً منهم فيما كشف ناشطون على ان عدد الموقوفين في المظاهرات التي انطلقت اليوم تجاوزت الثلاثمائة فرد وهو رقم ياتي عقب إعلان جهاز الأمن والمخابرات الوطني بانه قد قام باطلاق عدداً من الموقوفين في احداث الخرطوم في الايام الفائتة وهو ما دفع بالبعض للسخرية بانهم أخلوا الأماكن في انتظار القادمون الجدد، فيما لا يمكن اطلاق توصيف على ما جري نهار الاثنين في الخرطوم غير انه كان عبارة عن “مواجهة بين شجعان لا يحملون سوى هتافهم واملهم في باكر وبين مدججين بسلاح لم يمنع عنهم الخوف” الذي بدا وكانه المعبر عن الحراك الرسمي في الايام الفائتة من جانب السلطة .

4

ربما ولاول مرة منذ سنوات تاتي ذكرى رأس السنة الميلادية في السودان دون ان يحضر معها ذلك السؤال الإعتيادي (مروس وين) الخرطوم التي كانت تنتظر مثل هذا اليوم من اجل ان تلقي عن كاهلها اوجاع عام كامل وتنخرط في رقص وغناء اشبه بحالة ذلك الذي يرقص وهو موقن بانه يفعل ذلك كاحد اليات المقاومة اعلن معظم الفنانين اعتذارهم عن إقامة حفلاتهم في راس السنة مفسرين ذلك بالتضامن مع الحالة العامة في البلاد التي تشهد احداثاً عاصفة.

بينما يقول آخرين بان الامر الذي ادى لإلغاء هذه الحفلات هو الخوف الأمني من التجمعات التي يمكن ان تتحول الى إحتجاجات اسوة بما حدث في مباريات كرة الهلال والمريخ الاسبوع الماضي حيث خرجت بعدها الجماهير الى الشوارع مرددة هتافات الثورة والمطالبة باسقاط النظام، وهو المشهد الذي من الممكن ان يتكرر في حال تم إقامة الحفلات مثلما جرت العادة، خصوصاً في ظل تكرار الدعوات بضرورة ان توظف عشية ليلة ذاكرة الاستقلال من اجل الاستمرار في حلم الإنعتاق .

5

لم يكن مشهد اليوم لينتهي بانتهاء المعركة بين المحتجين والسلطة بانتصار قد يحسبه النظام لصالحه فقد نجحت ترسانته العسكرية في فض التجمهر وقطع طريق الثوار الذين كانوا ينوون الوصول الى القصر الرئاسي لتقديم مذكرتهم المطالبة برحيل الرئيس وحكومته، لكن المنتصر بحساباته يبدو مهزوماً بحسابات من خرجوا عليه.

فقد بدأت مظاهرة الامس هي الإنتصار في قمة تجلياته لمن اعلن لها او من قادوها ببسالة متناهية النظير، فقد كانت بالنسبة لعدد كثير ممن شاركوا فيها بانها بدات وكانها اخر العهد بين الشعب والخوف في الجهر بكلمته وانها قمة التاكيد علي ان الامور ما بعدها لن تكون هي نفسها الواقع ما قبلها كما انها أستطاعت ان تنجح في هزيمة كل مخططات السلطة الأمنية في إجهاض الحراك الشعبي وتوظيفه بانه محض نشاط لمجموعات مخربة، مثلما حدث في سيناريو الايام الفائتة حيث كان الهتاف الابرز فيها مع هتاف المطالبة باسقاط النظام هتاف ( يا عنصري يا مغرور كل البلد دارفور) والذي كان رداً علي اعلان الحكومة توقيف عدداً من ابناء دارفور ممن ينتمون لخلية عبد الواحد يهدفون للتخريب والتدمير.

الهتاف سرعان ما كان يجد هتافاً اخر داعماً له (ود الفور مننا وفينا لا بقتلنا ولا بيأذينا) عليه لم تجد الخرطوم ما تودع به سنتها المنقضية باحزانها الممتدة غير تكرار الهتاف (تسقط_ بس).

أخبار ذات صلة More from author

Comments

Loading...