الإعلامية يُسرية محمد الحسن تروي قصص وحكايات “اهلنا الجنوبيون”وهذا ما طلبته من (البرهان، حمدوك وحميدتي)

كنت وقتها صبية صغيرة السن جعلت مني ورقة مأذون شرعي زوجة وانا بسن ال 13 عاما !! هكذا هو حال اهلي (الصعايدة) لامي بقرية بني مزار بصعيد مصر، ولا عزاء حينها لاساتذتي في المدرسة النموذجية المصرية المختلطة بالخرطوم، استاذ النجار و”ابله” ايفون واستاذ سمير واستاذ حمودة ثلاثتهم مدرسون، الاول  للغة العربية ورابعهم مشرف المدرسة وهم في حالة غدو ورواح بين المدرسة وبيتنا لاقناع والدتي بصرف النظر عن ذلك والدي الذي كان دائم الاسفار الى بريطانيا لم يسعفه الوقت لتبديل (المشيئة)! فقد كلف بامرنا جدي لامي الذي قال لكل هؤلاء (البنت لبيت جوزها)! وتعبت وحفيت اقدامها مثلهم ماما صفية او الاستاذة صفية الامين مقدمة برامج الاطفال بالتلفزيون حيث كنت من ضمن اطفال الجنة اعزف الالات الموسيقية ري. صول. صول سي. صول. ري. ري. صول. صو. لا. فا. مي. ري. ري. لا. لاسي. لا. ري. لا سي دو. سي لا. صول الخ. واقدم فقرة الفراشات الراقصة لمدة ثلاث سنوات قضيتها في جنة ماما صفية المربية والام الرؤوم الحفية باطفال جنتها ، بكت ماما صفية امام والدتي ورايت دموعها تجري على خديها وهي تترجى والدتي لاني بنظرها طفله موهوبة ينتظرها مستقبل باهر .. هكذا كان قولها كم كنت احب ماما صفية ! وكم ابكتني دموعها الغالية !! وحكم القدر نافذ. ! ومضى الزمن واحتضنتني مدينة جوبا في جنوبنا الحبيب وزوجي، حتى انجابي ابنتي هند كم هي رائعة عاصمة الاقليم الجنوبية وكم اهلها طيبون. مسالمون رائعون خلقا و ( خلقة) احسست وانا بين هؤلاء الناس ان شيئا(غير مقبول انسانيا) يجثم على صدر هذه البلاد الطيب اهلها تساءلت كثيرا. لم هذه الحرب؟ ..وكيف لانسان ظلم في ارض اجداده هذا الظلم الفادح الذي راته عيناي متمثلا في اشباح بشرية تتحرك ! وبنى تحتية تكاد تكون منعدمة كليا وطفولة معذبة تقضي نهارها ترقب شمس المغيب حتى ياتي الآباء ببعض من احشاء لحيوانات نفقت وان كان من السعداء فياتي بمزعة لحم ( فطيس) ظفر بها من بين العشرات مثله تكالبوا على  (البهيمهة) النافقه !!

شعب الجنوب في ذلكم الوقت لا يعرف اهله الطعام النظيف ولم يحظو حتى بزيت او بقوليات او سكر وشاي وبن. وهذه ابسط الاشياء التي تجدها بالضرورة في كل منازل الشمال هل تصدقون ان الملح كان اغلى من الذهب ؟! حسبهم الله ونعم الوكيل كنت اقرأ في قصص الاطفال عن الانسان الاول لكن لم يخطر ببالي ابدا ان يجئ يوم واعيش بينه وقبيله واراه راي العين ! رايتهم كما ولدتهم امهاتهم عدا النساء فمجرد (رحط) قصير جدا يكفي لستر العورة فقط بينما باقي الجسم عار تماما !

كنا نعيش في منازل جميلة بها مياه نقية نظيفة واهل الارض يعيشون في قطاطي من القش جلهم والبعض منهم يفترشون الارض ويلتحفون السماء! لا يعرفون لحياتنا في الشمال شيئا ولا الحياة العصرية فانهم لم يسمعوا بها اصلا تلفت حولي لاجد اهلنا الشماليون كافة هنا في هذه البلاد يرفلون في نعيم الدنيا وبهرجها شيئا فشيئا. ادركت لم تمرد بعض من ابناء الجنوب الذين تلقوا قسطا من التعليم وكانوا اكثر حظا فوقفوا في وجه الظلم الذي تطاول علي اهلهم من قبل اهل الشمال وحق لهم ذلك !

قرأت كثيرا عن حركات التحرر في العالم سيما عالمنا المصنف بالثالث لكني لم ار او اقرأ او اسمع ابشع من الظلم الذي وقع على اخوتنا الجنوبيين فكنت من المناصرين ( قلبا ) لهم كيف لا وقد.كنت كاهل الشمال كافه نمارس السُخرة تجاه ابنائهم وبناتهم ! كنت كاهل الشمال كافة ( نعاملهم ) بمالا نقبله لانفسنا!!
كم تألمت واحسست بحجم المأساة الانسانية التي صنعناها بايدينا للسودان العظيم وباهله اجمعين ! وهذا موضوع اخر ساتطرق اليه لاحقا. لكن. هذه الحلقات. تتحدث بشفافية ووضوح عن مأساة اهلنا في الجنوب والتي تشابكت فيها وبها وعليه خيوط كثيفة ورم  بثقله في صنع مشكلة الجنوب ومنذ ان وطأت اقدامه الديار وكماهو معلوم للكافة الاستعمار وتعمقت الهوة بين الشمال والجنوب بالممارسات الصفوية والجهوية من قبائل الشمال كافة تجاه الجنوبيين واشكال الاضطهاد العرقي التي كانت تمارس عليهم فبذرت بذور الكراهية والشقاق وهذا نتاج طبيعي للسلوك الانساني المتدني تجاههم . ما من بيت بالشمال الا وبه ( ابن. او ابنة ) من الجنوب يُسّخرون لاعمال شاقة ووضيعة فوق طاقة (الدواب) ناهيك عنهم. بشر من لحم ودم !!

واقع مرير عاش فيه هؤلاء في الشمال والجنوب يصور انتهاك ادمي  البشر في ابشع صوره . طوف بخيالي بعض من صور غير كريمة كنت بطلتها وانا في تلك السن الصغيرة بالجنوب. اتصرف كما كل اهل الشمال ولا ارى غضاضة فقد احتضنتني جوبا وغمرتني بخير فياض فكان ذاك اليوم الذي اذكر تفاصيله حتى اللحظة. حين قررت الاستغناء عن ( الشغال ) الجديد الذي لم يمض علي تعينيه اسبوع واحد فقط وبما ان عقله البسيط لم يستوعب طبيعة الاعمال المنزلية فقررت طرده غير عابئة بظروفه ولن انسى ماحييت ذلك الموقف وهو يرفض مغادرة المنزل قائلا لي ودموعه تبلل صدره العاري ( ما داير نمشي )! نلقى اكل وين ؟!.. لم يلين قلبي لدموعه او كلماته التي تهذ جبلا ! واصريت على طرده كيف اكون استثناءا. وكل اهلنا بالشمال يفعلون ذلك. بل واكثر منه ! . كانت البواخر النيلية تجلب من الجنوب للشمال خيراته كافة سيما الاخشاب التي تصنف عالميا بالنادره. كالابنوس والمهوجني واخشاب التك وغيرها وغيرها بينما يتفنن التجار الشماليون في ارتفاع اسعار المواد التموينية كافة والتي غالبا مايكون زباؤنها من الشماليين والاجانب على قلتهم بينما اهل البلد هناك. الا من استطاع اليها سبيلا ..

حدثنا التاريخ عن نمازج كثيرة مشابهة لممارسة الاضطهاد العرقي ولم يقتصر الامر على افريقيا وحدها بل تعداها الى العالم الغربي فكانت النازية ومؤسسها اودلف هتلر الذي كان يؤمن ايمانا قاطعا بتفوق الجنس الاري علي بقيه الاجناس بالعالم وامريكا واضطهاد الرجل الابيض للزنوج الرقيق وقد حكى التاريخ عن اندلاع حركات التحرر كنتاج طبيعي للظلم والعبودية التي كانت تمارس في تلك البلاد في ابشع صورها حيث كان النصف الثاني من القرن التاسع عشر عندما اعتلى الرئيس الامريكي الاشهر ابراهام لنكولن سدة الحكم ووضع على راس اولوياته تحرير العبيد السود ومنحهم حقوقهم الادمية وقد كان ذلك التوجه من لنكولن سببا في اندلاع الحرب الاهلية الشهيرة بين الولايات الجنوبية والشمالية والتي انتهت بانتصار الاخيرة حيث تم تحرير السود من العبودية واعطائهم جانبا كبيرا من حقوقهم في المساواة جنبا الى جنب مع البِيض.

هذا ماكان من شان رجل ابيض. فخلد اسمه مع الخالدين . منذ اندلاع التمرد ببلادنا في مدينة توريت في العام 55 وتسعمائة والف وهو ما سمي باسمها وبعد نيل بلادنا استقلالها وجاءت الحكومات الوطنية الواحدة تلو الاخر  لم تعط اهل الجنوب حقهم في العدالة والانصاف فكانت مفاوضات عبثية لا تفضي الى شئ الا زيادة في معاناة الناس شمال وجنوب فقدت البلاد الكثير من ابنائها في هذه الحرب الاهلية التي صنفت الاطول في افريقيا
وطن الجدود

رغم تجبر حكوماتنا الوطنية التي تعاقبت على الحكم وتعاملها مع مشكلة الجنوب بعدم الجدية في الحل الا ان نهج الانقاذ فيما سمته حسم التمرد ورفع لواء الجهاد وتجييش الشباب من كل فج عظيم كان من نتائجه الكارثية تدخل اصابع الغرب باجندات شتى تمخض عنها مردود سيئ على السودان وشعبه تكالبت الدول غير الصديقة عبر مؤسستها الدولية الامم المتحدة ومجلس امنها وازرعها كافة وتفننت في اصدار قرارات الادانة الدولية ونشطت جراء ذلك منظمات المجتمع المدني كافة ببث روح الكراهية ضد السودان وحكومة الانقاذ ورغم تمسك قادة طرفي النزاع د. جون قرنق وعمر البشير بخيار الوحده وابرام اتفاق نيفاشا الذي افضى الى وقف الحرب وبدات فترة الانتقال التي كان من ابرز مهامها العمل على جعل الوحدة جاذبة ولكنه ومن ابرز عيوبه اقرار بند تقرير المصير واجراء الاستفتاء على الوحدة، او الانفصال بعد انتهاء فتره الانتقال. وهو برأي خبراء كان بمثابه ( طُعم ) او شرك لانفصال الجنوب .بند تقرير المصير لم تلجأ اليه الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة الزعيم الوطني جون قرنق طوال تاريخها النضالي وجلسات تفاوضها ( الماكوكية ) والمطولة مع حكومات الشمال كافه والشيئ بالشيئ يذكر والتاريخ يذكر ان اتفاق قرنق الميرغني قد اقر مبدأ فصل الدين عن الدوله وهو البند الذي كانت تصر عليه حركة قرنق وهو برأي الخبراء افضل اتفاق سلام. اقرت بنوده وحدة البلاد وهو مادفع وقتها بالحركة الاسلامية بقيادة الترابي الى التعجيل بتنفيذ انقلاب 89 واستلام السلطة وقطع الطريق على تنفيذ الاتفاقية لتشتعل الحرب من جديد اشد شراسة بعد ان صنفت بالحرب الدينية .فقد السودان لجزء عزيز من ترابه في ظل نظام الانفاذ العقائدي الشمولي كان من اسوأ مافعلته الانقاذ بالوطن فقد كانت فتره الانتقال المحدده ب5 سنوات كافيه لجعل خيار الوحده جاذبا بيد ان سياسات الانقاذ المنكفئة علي ايدلوجية الحركة الاسلامية وحزب المؤتمر الوطني دفعت الحركة الشعبية لتحرير السودان يفضلون مع شعوبهم الانفصال فقد جاءت نتائج الاستفتاء للجنوبيين بعد انتهاء فترة الانتقال مؤيدة للانفصال بنسبة مائة بالمائة ! فقد السودان جزءا عزيزا من ترابه وما ذلك الا نتاج تعنت الانقاذ وقصر النظر لديهم المتمثل في انشاء دولة دينية في السودان كامله الدسم . ذهبت الانقاذ باستشراء الظلم والفساد والتعنت و( ركوب الراس ) وعدم احكام العقل والتبصر للمصلح  العليا للسودان فكان استمرار نهجها الاستبدادي الاقصائي والمذل والمتجبر اكبر دافع لتمرد دارفور والشرق والنيل الازرق وجبال النوبه . جاءت ثورة ديسمبر المجيدة وجعلت من تحقيق السلام في ربوع الوطن اولي اولوياتها فكانت الجبهه الثوريه الكتله الموحده لكثير من حركات الكفاح المسلح والاحزاب في الموعد وجوبا الجميله بقيادة ربانها سلفاكير ميارديت ترتب كل شيئ وتجلت الوطنية في ابهى صورها ولاول مرة منذ فجر الاستقلال بتلاحم جناحي الحكم الانتقالي في حكومة الثورة ومد الايادي بيضاء من غير سوء ودفع استحقاقات السلام مستلهمين العبر من السلف مجنبيين البلاد بذلك الانقسامات فكان اتفاق جوبا التاريخي يرسم صورة مشرقة لسودان جديد ينعم فيه الجميع بالحريه والعدل والسلام وما كان لذلك ان يتنزل واقعا ملوسا الا لحنكه القياده الجديده وعلي راسها البرهان وحميدتي وحمدوك الان تجري علي قدم وساق مفاوضات لالحاق عبد الواحد نور. والحلو الى ركب السلام لينهض هذا الوطن العملاق من جديد .. شكرا. البرهان. شكرا حميدتي. شكرا حمدوك ( تموا جميلكم ) باعجل ماتيسر ويا البرهان ابقى عشرة على السودان. انتهت

لمتابعة اخبارنا انضم الى مجموعاتنا في واتساب
تاق برس
error: Content is protected !!