امجد فريد .. الطريق الى الفريضة الغائبة: تكوين المجلس التشريعي الانتقالي ومسار الانتقال

في اغسطس ٢٠١٩، تم توقيع الوثيقة الدستورية التي أسست لهياكل الحكم الانتقالي في السودان. شملت هذه الهياكل مجلسا للسيادة ومجلس للوزراء يمثل الجهاز التنفيذي ومجلس تشريعي انتقالي، بالاضافة الي الجهاز القضائي والنائب العام كسلطتين منفصلتين.

حددت الوثيقة الدستورية سلطات ومعايير ومواقيت تكوين كافة هذه الاجهزة، والتي تكونت جميعها ما عدا المجلس التشريعي الانتقالي. وكانت الوثيقة الدستورية قد وضعت ميقات زمني مقداره الثلاثة اشهر الاولى من عمر الفترة الانتقالية البالغ ٣٩ شهرا لتكوين المجلس التشريعي. وتم توزيع مقاعده التي لا يجب ان تتجاوز الثلاثمائة، بمنح ثلثي المقاعد لاختيار تحالف الحرية والتغيير وترك الثلث المتبقي للتشاور بين الحرية والتغيير والمكون العسكري لمجلس السيادة، مع وضع قاعدة واضحة في الوثيقة الدستورية تشمل منع رموز حزب المؤتمر الوطني المخلوع والاحزاب التي شاركت في سلطة الانقاذ حتى سقوطها من تولي المناصب خلال الفترة الانتقالية.

انقضت الثلاثة اشهر المحددة من عمر الفترة الانتقالية ولم يتم تكوين المجلس التشريعي، وامتدت فترة غياب التشريعي اربعة عشر شهرا حسوما حتى اكتوبر ٢٠٢٠ ميقات التوقيع على اتفاقية جوبا للسلام والتي (صفرت عداد) الفترة الانتقالية، وارجعت دولابها لنقطة البداية لتمتد لتسع وثلاثين شهر جديدة منذ تاريخ التوقيع مع تعديل النصوص المتعارضة في الوثيقة الدستورية. وضعت الاتفاقية معادلة جديدة لتقسيم مقاعد المجلس التشريعي بحيث تشمل القوى الموقعة على اتفاقية سلام جوبا. واليوم انقضت ٦ اشهر اخرى منذ تمديد الفترة الانتقالية بدون تكوين المجلس التشريعي لتبلغ فترة التأخير عن تكوينه ٢٠ شهرا بالتمام والكمال، تقارب وتزيد عن نصف عمر الفترة الانتقالية الاصلية، وذلك في ظل وجود وعمل اجهزة الحكم الانتقالي الاخرى والتي اصبحت تستعيض عن عمل البرلمان في اجازة القوانين بالاجتماع المشترك لمجلسي الوزراء والسيادة (والذي وصفه اعلام مجلس السيادة موخرا بانه المجلس التشريعي الموقت وهو وصف خاطئ لأن هذا الاجتماع لا يمارس -ولا يملك ان يمارس- من مهام المجلس التشريعي بشكل عملي سوى اجازة القوانين).

هذا التأخير لا يمكن وصفه بغير انه عجز، ولهذا العجز بطبيعة الحال اسبابه الموضوعية والذاتية، ولكن هذه الكتابة لا تهدف الى القاء اللوم على هذه الجهة او تلك بقدر ما تبحث عن مخرج من مأزق غياب وتأخير تشكيل المجلس التشريعي.

جاءت فكرة المجلس التشريعي الانتقالي في تصور الفترة الانتقالية من اجل منح القوى السياسية المدنية مساحة اكبر للتأثير والمشاركة والضغط المؤسسي باتجاه التحول المدني، وذلك من خلال ممارسة الدور الرقابي والتشريعي على الجهاز التنفيذي الذي كان يتشكل من تكنوقراط غير حزبيين ومجلس السيادة الذي تشكل بمعادلة ضمت المكونين المدني والعسكري. وايضا يتيح المجلس التشريعي الانتقالي الفرصة للاحزاب والتنظيمات السياسية فرصة التدريب المتدرج على العودة للنشاط السياسي الطبيعي في تداول السياسات وطرح ومناقشة البرامج والخيارات والبدائل والرقابة على جهاز الدولة في سياق عودة الحياة السياسية الي طبيعتها التنافسية الديمقراطية، بعد انقطاع ثلاثين عاما انقضت في ممارسة الفعل المقاوم والنضال من اجل استعادة الديمقراطية، وهو فرض الضرورة الذي التجأت اليه الاحزاب لتمارس دور غير دورها الطبيعي خلال فترة حكم الانقاذ. وكذلك يتيح البرلمان الانتقالي قدر اكبر من الشفافية في استعراض المعلومات والبرامج الحكومية ومناقشتها واجازتها على نطاق اوسع، ويضمن حد كافي من الرقابة والمحاسبة على الجهاز التنفيذي تحد من انتشار التحشيد والشطط الشعبوي المضاد للجهاز التنفيذي، وفي نفس الوقت يساهم في ضمان عدم وجود اي شبهات فساد او سوء ادارة في اداء الجهاز التنفيذي.

كما يشكل المجلس التشريعي حارس حقيقي لقيم واهداف ثورة ديسمبر المجيدة من خلال التمثيل الواسع والشامل لكل قوى الثورة فيه ومن خلال التبادل المنتج والنقاش المطلع والمبني على المعلومات الحقيقية للاراء والاتجاهات المختلفة وسط قوى الثورة.

يمكن الاستطراد في تعداد الفوائد والمهام العظيمة للمجلس التشريعي الي ما لا نهاية، وكيف ان غيابه يحرم الثورة ومسار الفترة الانتقالية منها. غير ان تشكيله المتأخر وبنفس المعادلات والمنهج والطريقة التي تم تصميمها في ظروف مختلفة لن يكون له نفس الاثر الايجابي الفاعل.

حالة الاستقطاب السياسي الحاد التي شهدتها فترة العشرين شهرا الماضية، ادت الي انقسامات عديدة وباسباب متعددة وسط تحالف قوى الحرية والتغيير ووسط مكوناتها في ذاتها كقوى الاجماع الوطني التي خرج عنها الحزب الشيوعي، وتجمع المهنيين الذي انقسم الي فصيلين، ونداء السودان الذي خرجت عنه تنظيمات الجبهة الثورية وحزب الامة ليصبح كل منهما جهة قائمة بذاتها في توازنات قوى الفترة الانتقالية، والانقسامات وسط الفصائل الاتحادية المكونة للتجمع الاتحادي المعارض وغيرها، كلها جعلت من قوى الحرية والتغيير في ابريل ٢٠٢١ ليست نفسها قوى الحرية والتغيير التي اجاز لها الاتفاق السياسي والوثيقة الدستورية اختيار الاغلبية من مقاعد البرلمان. هذه التغييرات حصرت الية اتخاذ القرار السياسي للحرية والتغيير على احزاب وتنظيمات بعينها داخل هياكل التحالف، وهي لا تمثل بطبيعة الحال الشكل الواسع الذي قام عليه التحالف بالاساس. وايضا فقد جعل هذا الامر الجهد -وهو جهد المقل على احسن الفروض- الذي كان يجب ان تقوم به الحرية والتغيير لضمان تمثيل اوسع قاعدة سياسية من قوى الثورة في المجلس التشريعي الانتقالي مضاعفا، بحيث اصبح المطلوب منها السعي اولا لتمثيل كافة القوى المشاركة في تأسيس قوى الحرية والتغيير في المقام الاول على الاقل.

وايضا فإن مقاعد حركات الكفاح المسلح الموقعة على اتفاق جوبا للسلام لن تكون شاملة لتمثيل الحركة الشعبية لتحرير السودان قيادة الحلو وحركة تحرير السودان قيادة عبدالواحد الذان تتسارع الخطى حاليا لاكمال اتفاق سلام معهما. بالاضافة الى ذلك، فقد انتفى اي مبرر عملي او عقلاني لمنح المكون العسكري في مجلس السيادة اي مساحة لاختيار اعضاء في المجلس التشريعي بعد ٢٠ شهرا من الممارسة الفعلية للسلطة باشكال متعددة والتغول المستمر على السلطات التنفيذية والذي انتج تنازعا مستمرا مع الجهاز التنفيذي، الامر الذي يجعل المكون العسكري في مجلس السيادة ومجلس السيادة ككل، هدفا للرقابة البرلمانية من قبل المجلس التشريعي الانتقالي، مثله مثل الجهاز التنفيذي والذي ليس لديه اي دور او حق للمشاركة في اختيارات مقاعد البرلمان.

الشاهد بالمثل انه وبعد التكوين السياسي للحكومة التنفيذية الجديدة التي تم اعلانها في فبراير ٢٠٢١، والتي تعكس وبشكل كبير موازين قوى اتخاذ القرار داخل الهياكل السياسية المختلفة للجهات المنوط بها تكوين المجلس التشريعي، وهي نفسها التي عجزت ولمدة ٢٠ شهرا عن التوافق على الية لتكوين، يجعل من تكوين المجلس التشريعي حصرا على هذه الجهات موضع خلل كبير. فذلك يجعل هذه القوى تكون مجلسا رقابيا من نفسها على نفسها. وكما ان التوافق السياسي على اي الية اخرى لتكوين المجلس التشريعي بشكل يضمن شمولية التمثيل فيه وفعاليته الكاملة في اداء مهامه وواجباته والوصول للاهداف المرجوة منه، قد اثبت انه من الصعوبة بمكان في ظل المجريات السياسية الحالية -تشهد على ذلك العشرون شهرا المنقضية- وهو ما يجعل سؤال التشريعي مأزقا كبيرا للفترة الانتقالية، والتي لا تزال تنتظرها اسئلة كثيرة ومعقدة وتحتاج لادوات واضحة في اتخاذ القرارات الكبرى، ممتدة على مدى الثلاثة وثلاثين شهرا القادمة على الاقل.

لعل المخرج الوحيد المعقول والعادل من هذا المأزق يتمثل في تكوين المجلس التشريعي عبر الانتخابات.

وفي هذا عدة فوائد. منها انه يحسم الجدل السياسي حول نسب التمثيل والمحاصصة ويخرج باختيار مقاعد البرلمان من اجتماعات الغرف المغلقة الي رحاب الاختيار الجماهيري المباشر.

وكما انه سيضمن تمثيل اكبر قاعدة جماهيرية بشكل حقيقي ومباشر، وسيفرض على الاحزاب والاجسام السياسية الالتفات الي مخاطبة وبناء قواعدها ومراجعة وتطوير هياكلها الداخلية وشكل تنظيمها وبرامجها واطروحاتها لتصبح اكثر ملائمة لمخاطبة الجماهير بشكل معاصر، والتدرب على قواعد اللعبة الانتخابية وطرح ونقد البرامج والافكار بنقاش سياسي رشيد يسمو على الخطاب الشعبوي السائد حاليا.

وكما سيأتي المجلس التشريعي الانتقالي في حال انتخابه، بتفويض شعبي حقيقي يساعده على ممارسة دوره الرقابي والتشريعي بشكل اكثر قوة واكثر فعالية وبشرعية اكثر اكتمالا.

لقد كان المبرر الاكبر لتكوين هياكل الحكم الانتقالي بالترشيح من القوى السياسية في مطلع فجر الفترة الانتقالية، بدلا عن انتخابها هو التخوف من عودة تنظيم الاسلاميين الذين قامت ضدهم الثورة، وخصوصا انهم كانوا الافضل تنظيما والاكثر تمويلا بعد ثلاثين عاما من سيطرتهم على مقاليد الحكم منفردين. غير ان قرابة السنتين على ابعادهم من الحكم وجهود تفكيك تمكين نظامهم، تجعل من هذا المبرر غير واردا الان. وما تم الاتفاق عليه في الوثيقة الدستورية بعدم السماح بمشاركة رموز واعضاء النظام المخلوع والاحزاب التي استمرت في تأييده حتى لحظة سقوطه، يمكن ان يصبح قاعدة ملزمة ايضا للترشح والمشاركة في الانتخابات. وربما يمكن تفهم تأخير قيام الانتخابات فيما يخص الجهاز التنفيذي حتى نهاية الفترة الانتقالية -ايا كان طولها- بغرض اكمال المهام المتعلقة بالاصلاح الاداري والاقتصادي والبرامج والاهداف التنفيذية الواجب تحقيقها خلال الفترة الانتقالية، واعداد الدستور الدائم والاتفاق على شكل ونظام الحكم (رئاسي ام برلماني ام مختلط) خلال الفترة ما بعد الانتقالية وغير ذلك من المهام، ولكن كل ذلك لا يسري على المجلس التشريعي. فالبرلمان يبقى برلمانا في كل تلك الاحوال، ومهامه هي نفسها ايا كان ما يتم الاتفاق عليه بخصوص الهياكل الاخرى. ولعل قيام المجلس التشريعي بالانتخابات خلال الفترة الانتقالية يحل معضلة اخرى مسكوت عنها ولم يتم تناولها بعد، وهي كيفية اجازة الدستور الدائم للبلاد والذي يأتي اعداده من خلال مؤتمر دستوري كاحد الواجبات الاساسية للفترة الانتقالية.

ربما سيأتي نقد هذا المقترح من باب عدم استعداد الاحزاب والتنظيمات السياسية التي تمثل قوى الثورة لخوض المعركة الانتخابية، وفي ذلك يتساوى الجميع، بما يجعل الانتخابات هي الحل الوحيد، بل ان اجراء انتخابات برلمانية مبكرة قبل نهاية الفترة الانتقالية، ربما سيكون الدافع لهذه الاحزاب والتنظيمات للاستعداد واعادة ترتيب وتنظيم صفوفها وهياكلها بشكل عملي يسمح لها بمعاودة لعب دورها الطبيعي في الممارسة السياسية الديمقراطية عبر صناديق الانتخابات، بدلا من توسل التوافق والتبادل السياسي والمحاصصة كسبيل للسلطة او اثارة السخط واستعمال الخطاب الشعبوي الفج كسبيل للمعارضة. وذلك غير ان مثل هذه الانتخابات البرلمانية لن يتم اقامتها غدا، بل يمكن الاتفاق على فترة ثلاثة اشهر مثلا -قد تزيد او تنقص بحسب ما يمكن التوافق عليه- يتم خلالها اعداد القواعد والقانون واللوائح المنظمة لقيام الانتخابات واتاحة الفرصة للتنظيمات السياسية لترتيب اوضاعها واجراء الحملات الانتخابية البرلمانية والاستعداد اللوجستي للانتخابات، وستكون هذه فترة نضمن بعدها تكوين المجلس التشريعي فعلا بدلا عن العشرين شهرا التي مرت في انتظار جودو التوافق السياسي الذي لم يأت ويأخذ بيدنا للبرلمان. وايضا يتطلب هذا المقترح مراعاة توزيع الدوائر بشكل يضمن عدالة التمثيل السياسي للقواعد التي تمثلها قوى الهامش وحركات الكفاح المسلح، وذلك لضمان مكتسبات مشاركتهم السياسية التي حققها اتفاق جوبا للسلام، ويضمن ايضا تمثيل القوى التي لم توقع على إتفاق سلام حتى الان، عبر اتاحة الفرصة لها للمشاركة في الانتخابات، بحيث لا يتطلب اي اتفاق سلام قادم اي تعديل هيكلي على المستوى البرلماني على الاقل. وربما يتحجج البعض في رفض هذا المقترح بالالزام الوارد في الوثيقة الدستورية، ولكن هذا مردود عليه بان النص الوارد في الوثيقة عن تكوين المجلس التشريعي قد تم نقضه عدة مرات بالتأخر المتكرر عن تكوينه في خضم ثلاثة اشهر من تاريخ التوقيع على الوثيقة (ثم من تاريخ اعادة البدء بها في اكتوبر ٢٠٢٠) كما ان الوثيقة نفسها تمت مخالفتها عدة مرات ولاسباب مختلفة بحسب ما اقتضته الضرورة، فلا مجال لتقديس نصها ضد الاجراءات الاكثر ديمقراطية اذا ما انتفت الاسباب للاخذ بما دونها. الغرض من البرلمان هو التمثيل ، والعملية الانتخابية قادرة على ضمان التمثيل بشكل اكثر شمولا من الترشيح والمحاصصة، واذا حضر ماء الانتخابات، بطل تيمم الترشيح والتعيين.

هذا المقترح قد يبدو صعبا او مستحيلا في بداية الامر، ولكن الحقيقة الواقعية ان الديمقراطية ليست شعار بل عملية وتحتاج للتدرب عليها والتدرج للوصول الي كمالها وتطوير ممارستها بشكل مستمر. ولعل انتخابات المجلس التشريعي قد تشكل قاعدة صلبة للبدء في عملية دمقرطة الحياة السياسية في السودان وترسيخ مبدأ المشاركة الفردية عبر صندوق الانتخابات في صناعة التغيير، وهو ما قد يكون عاملا حاسما في توجيه مسار الانتقال باتجاه الاهداف الجمعية للثورة. وما لا يمكننا صناعته جيدا، يجب علينا ان نجتهد في جعله اقل سوءًا قدر الامكان.

لمتابعة اخبارنا انضم الى مجموعاتنا في واتساب
أخبار ذات صلة
تاق برس
error: Content is protected !!