الجميل الفاضل يكتب: “صداع الثورة” لن يداويه تبديل “الطواقي”

1٬369

إن تبديل “الطواقي” وفق مارشح من تفاصيل اتفاق وشيك بين الجيش والمدنيين، لن يكون بأي حال من الأحوال، علاجا لصداع هو في الحقيقة مجرد عرض، لحالة شارع ثوري ملتهب، مثل لنحو ست واربعين شهرا، معجزة حية تتمدد وتنكمش، لكنها لا تموت.
شارع سلمي بامتياز، نال اعجاب قادة العالم ببسالته وصموده وسلميته، بل واعتراف المنظمة الأممية التي اقر رئيس بعثتها الي السودان فولكر بيرتس: (ان المتظاهرين، والمواكب، ولجان المقاومة، كانوا عناصر مهمة لدفع بقية الاطراف الي قبول التفاوض والمحادثات).
جازما بالقول: (اذا لم تكن هناك مقاومة للانقلاب لما قامت السلطات بقبول المحادثات والتفاوض).
وقطع فولكر: (ان لجان المقاومة لعبت ولا تزال تلعب دورا مهما، وان الاحزاب والعسكر والقوي الفاعلة، قد ادركوا مؤخرا انه من دون هؤلاء الشباب لا يوجد حل في هذه البلاد).
ورغم اقرار فولكر بان الاحزاب والعسكر قد ادركوا مؤخرا انه من دون هؤلاء الشباب لا يوجد حل، الا ان بيرتس واليته الثلاثية وسفراء الرباعية، بدا وكأنهم قد ذهبوا للبحث عن حل علي مقاس مأزق الانقلابيين من عسكر ومدنيين.
حل يلبي تطلعات بعض الساسة، ويراعي مصالح بعض الدول.
انه حل تفاءل قائد الانقلاب البرهان بحدوثه نتيجة استشعار الجميع للمخاطر.
دون ان يشرح البرهان من هم هؤلاء الجميع؟ وما هو نوع المخاطر التي من شدة الخشية منها قبل هؤلاء مبدأ التسوية، في هذا التوقيت بالذات.
ان مثل هذه التسويات التي تنشأ علي قاعدة توازن الرهق، هي في الواقع من نوع التسويات التي تقع بين اضعف اطراف المعادلة، “العسكر والاحزاب” هذين الطرفين اللذين قال فولكر انهما قد ادركا انه لا حل سوي الحل الذي يقبله الشباب.
الشباب الذي ينشد تغييرا جذريا للاوضاع في البلاد، والعسكر والاحزاب الذين يهتمون فقط باستقرار هذه الاوضاع.
وبطبيعة الحال فان الباحثين عن الاستقرار، سيجدون الا سبيل للاستقرار سوي بالابقاء علي الاوضاع غلي ما هي عليه، وعلي ذات علاتها التي ثار الناس ضدها وبسببها وعليها.
في حين يتطلع الشباب الراغب في ازاحة هذه العلل باحداث انقلاب كامل علي معادلات الواقع الراهن، مهما كانت الكلفة والثمن.
إذ ان التقاطع بين مواقف من يسعون للاستقرار كهدف، ومن يعملون للتغيير كغاية، ربما يبطيء هو عملية التغيير الي حد ما، لكنه لن يصنع استقرارا بالتأكيد.
المهم فإن مجرد شعور البرهان بعد عام من العزلة بالمخاطر التي اعتبر ان الجميع يستشعرها معه، يجعل توقيت هذه التسوية غير ملائم في ظني بالضرورة.
ولعل سوء تقدير وقراءة المتغيرات علي الارض، دون مراعاة لفروق واحكام الوقت يذكرني بقصة رواها رئيس الوزاء الاثيوبي الراحل ملس زيناوي قائلا: “كنا لفترة طويلة في المعارضة نتلهف لتلقي دعوة من نظام منغستو للتفاوض، وكنا نعتبر مجرد وصول مثل هذه الدعوة نصراً كبيرا، لكن هذه الدعوة التي انتظرناها طويلا، لم تأت في النهاية الا بعد ان حاصرت قواتنا العاصمة أديس أبابا، بل وأصبح قصر الرئاسة نفسه في مرمى نيران مدافعنا، عندها فقط أرسل منغستو الدعوة التي انتظرناها طويلا طلباً للحوار، لكن حينها لم نعد نحن، الذين كنا ننتظر لسنوات، بحاجة لمثل هذا التفاوض أو الحوار”.

أخبار ذات صلة