صلاح الدين عووضه.. أين هو ؟..!!!

1٬148

أين هو؟!

 

أين عقلي؟..

وأين روحي؟…بل أين أنا نفسي؟..

وأمشي – أنا – في دروب الحاضر…والراهن…والماثل..

أمشي وأمتِّع نفسي بالدهشة..

والدوش كان يمتع نفسه بالدهشة ؛ مما يدل على أنه كان مشروعاً لفيلسوف..

فالفلسفة وليدة الدهشة..

وإن لم تندهش فلن تنال الحد الأدنى – أو حتى الأوسط – من شرف التفلسف..

أما الحد الأعلى فيصعب الوصول إليه..

ومن بلغه أُدرج في عداد فلاسفة العالم ؛ من أمثال هيغل…وسارتر…و سبينوزا..

ولو لم يكن الدوش فيلسوفاً – دون الحد الأقصى بالطبع – لما قال:

وتمشي معايا وتروحي

وتمشي معايا وسط روحي

لا البلقاه بعرفني

ولا بعرف معاك روحي

ولما قال أيضاً:

أقابلك في زمن جاي…وزمن ماشي…..وزمن لسه

أشوف الماضي فيك باكر…أريت باكر يكون هسه

وهذه كلماته ؛ لا كلمات الحلنقي…وإنما الحلنقي هذا (مشى) عليها بطلبٍ من وردي..

ثم أتمها قصيدة عاطفية غناها وردي هذا..

وذلك بعد أن قال الدوش : لا أستطيع أن (أمشي) أكثر..

أكثر من الكلمات ذات الفلسفة – والدهشة – هذه..

والفيلسوف كانط قال لديه عبارة شهيرة عن متعة الدهشة..

وهي : شيئان يملآن نفسي بالدهشة ؛ السماء ذات النجوم ؛ والقانون الخلقي بداخلي..

وكل من يدهش لمتلقيِّ الدهشة فيه شيء من فلسفة هو نفسه..

مثل دهشتي جراء رائعة محمد سعيد دفع الله المدهشة:

أي قليل يا طيف قليل وارجاني

وين فايتني عابر

وانا شن حارس وراك أنا تاني

ياني معاك مسافر

وشاعر المهجر إيليا أبو ماضي هو – في رأيي – فيلسوف الشعراء ؛ وشاعر الفلاسفة..

وأنيس منصور أنزل الفلسفة من عليائها إلى أرض العامة..

بسَّطها حتى غدا يفهمها ساعيه الخاص نفسه الذي يحمل مقالاته إلى مطبخ التحرير..

فكان – إن كتب عن قضية فلسفية – يعطيها له أولاً ليقرأها..

ثم يسأله إن فهمها أم لا ؛ فإن أجاب بنعم طلب منه الذهاب بها إلى السكرتاريا..

وإلا عمل على تبسيطها أكثر..

أما أعظم دهشةٍ لي – على الصعيد الشخصي – فقد فاقت اندهاشات دهشاتي كافة..

سواءً إزاء الجمال…أو الشعر…أو الفلسفة ذاتها..

بل لم أمر في حياتي بحالة كوني مدهوشاً…ومشدوهاً…ومدشوشاً…كما الآن..

وهي اندهاشة خاصة بثورتنا هذه ؛ ثورة ديسمبر..

وليس مصدر الدهشة أنها الوحيدة – من بين ثوراتنا – التي خلت من تخليدٍ إبداعي..

خلت من مثل (أكتوبر الأخضر) ؛ و(يا شعباً لهبك ثوريتك)..

خلت من مدهشاتٍ شعرية – وغنائية – من تلقاء أمثال وردي…وشريف…و الحردلو..

والأخير هذا كان قد قال عنها:

طبل العز ضرب

يا السرة قومي خلاص

والخيل عركسن

والدنيا بوق ونحاس

فلماذا لم تقم السرة هذه المرة رغم دمدمة الطبول؟…وعركسة الخيول؟..

ليس هذا مبعث دهشتي – إذن – رغم إنها من المدهشات..

وإنما الذي يُدهشني دهشة طغت على غيرها من مثيرات الدهشة شيءٌ أشد إدهاشاً..

وهو : لماذا خلت من فيلسوف؟..

لماذا لم يقم من بين ركام ما أفضت إليه فيلسوفٌ يفلسف لنا هذه الحالة المدهشة؟..

حالة أعظم ثورة…تنتج عنها أعظم (كفوة)؟..

وأعظم حالة شتم…وسباب…وجنوح للعنف اللفظي؟..

وأعظم حالة إلغاء جمعي للعقول…لتضحى محض عقول قطيع؟…تُؤمر فتطيع؟..

وأعظم حالة تعاطٍ للمخدرات؟..

وأعظم حالة ولوج لمشفى التجاني الماحي..

فقد أُعلن قبل يومين أن أعداد من بات يستقبلهم المشفى يومياً..

فإذا هو نحو مئتي ممن (يمشي) عنهم العقل..

أو هم الذين (يمشون) عنه ؛ بلا عقل..

هي ظاهرة يكاد كل مندهش من شعبنا يتمثل بلفسفة الدوش تلك تعبيراً أليناً عنها..

يكاد يترنم وهو منفطر القلب…والكبد…والخاطر:

وتمشي معايا

وتمشي معايا وتروحي

وتمشي معايا وسط رودحي

لا البلقاه بعرفني

ولا بعرف معاك روحي

فهل منكم من يعرف الكائن؟…وما قد كان؟…وما سيكون؟..

أو يعرف روحه؟…أو عقله؟..

أو إلى أين يمشي هو نفسه بنفسه؟…أو إلى أين تمشي به نفسه هذه؟..

وأين هو ؟!.

 

بالمنطق
صلاح الدين عووضه
الصيحة
15/10/2022

أخبار ذات صلة