صلاح الدين عووضه.. مريض سُلطة !..

386

مريض سُلطة !

ونبدأ بقصة..

قصة حكاها لي زميلنا الراحل إدريس حسن..

قال حين كان بصحيفة الأيام – في زمان مايو – أتى إليه رجلٌ متأنق..

وكان يتأبط مقالاً طويلاً عن فن الإدارة..

فنشره له ؛ وتتابع – بعد ذلك – قدوم ذاك المتانق إليه ؛ ومعه مقالٌ مطول..

فمقالاته كلها كانت طويلة…كطوله هو نفسه..

وكانت تدور حول محور الإدارة…والحكم المحلي…وقضايا الفدرالية..

وبعد فترة بدأ يسأله إن كان سمع شيئاً بخصوصه..

وكان يعني صدور قرارٍ بتعيينه منفرداً ؛ أو ضمن تشكيلٍ وزاري جديد..

وذات يوم صدر القرار..

ففرح المتأنق جداً ؛ وكان تعيينه في منصب ذي صلة بما كان يكتبه..

وكف عن زيارة الجريدة ؛ وعن كتابة المقالات..

بل وكف حتى عن مناداة إدريس بلقب أستاذ حين يلاقيه في ردهات القصر..

فقد كان أحد مرضى السلطة..

وقبيل عودة قيادات حزب الأمة إلى الوطن كنا نعقد اجتماعات متواصلة..

وكانت عن التمهيد – والتجهيز – لها إعلامياً..

وقد كنت – وقتذاك – مديراً للإعلام السري ؛ ورئيسا للجنة الإعلامية هذه..

وكما متأنق إدريس حسن ذاك ظهر في حياتنا متأنق..

وكان أحد منسوبي الحزب من غير ذوي الذكر…ولا الشأن…ولا الكسب..

وطفق يتقرب إلي…ويتودد…ويُظهر غير ما يخفي..

فكان أن ضممناه للجنتنا الإعلامية رغم أنه كان ذا مهنةٍ لا علاقة لها بالإعلام..

وبعد فترة بدأ الحزب في ترتيب أوضاعه..

فكان أن أُخترت أنا مستشاراً إعلامياً للراحل – المقيم – رئيس حزب..

وأُختير صاحبنا هذا نائباً لرئيس أمانة الإعلام..

ومن بين مهامه التي كُلف بها الإشراف – إدارياً – على نشرة الحزب..

بينما كنت أنا – بحكم تخصصي – مشرفاً تحريرياً عليها..

بمعنى أنه كان مسؤولاً عنها – وعني – رغم مقامي التنظيمي الأرفع..

وحينها – حينها فقط – ظهر لي وجهه الآخر..

ظهر لي ما كان يخفيه – طويلاً – وراء قناع التقرب…والتودد…بل والتملق..

فقد كان أحد مرضى السلطة..

وهي قصة ثانية كنت شاهداً عليها ؛ أما الثالثة فحكاها لي مذيعٌ بقناة السودان..

وهو زميل الدراسة جمال مصطفى..

قال أن قيادياً بنظام الإنقاذ كان يأتيهم قبيل نشرة أخبار المساء ؛ كل مساء..

ثم يطلب مشاهدة أخباره هو قبل البث..

كيف ظهر؟…وكيف بدا؟…وكيف ابتسم؟…وكيف وجَّه؟…وكيف تفقَّد؟..

فإن رضي عن نفسه ذهب..

وإلا بقي معهم إلى أن يتم حذف ما لا يعجبه من تفاصيل ظهوره عبر المونتاج..

وكثيراً ما تسبب في تأخير موعد بث النشرة للسبب هذا..

وحكى ذات مرة – وهو يضحك بفخر – كيف أنه يُدخل الرعب في القلوب..

فقد كان مريض سلطة..

ولكل منكم – قطعاً – قصصٌ مشابهة عن أشخاصٍ يعانون المرض هذا..

والآن أجمعوا قصصكم هذه..

ثم قارنوها بما قصصناه في كلمتنا اليوم ؛ وبما سمعتموه عن قصصٍ مشابهة..

ثم أروني على من ينطبق ذلكم كله في راهننا هذا..

من حيث التقرب…والتودد…والتأنق…والتنكر لكل سابقٍ من المبادئ..

فهي قصة طازجة نعيش أحداثها الآن..

عن هذا المرض الذي يحس بأعراضه – وخطورته – الناس ؛ لا ضحاياه..

وهذا من عجائبه العجيبة..

مرض السلطة !.

أخبار ذات صلة