بالمنطق- صلاح الدين عووضه – هروب السمك!

640

ونبدأ بالعزائم..

وكلمة عزائم جمع عزومة..

وفي الوقت ذاته هي جمع عزيمة أيضاً..

وكثيرٌ من العزائم لا أجد في نفسي عزيمة على تلبيتها إن وُجهت لي..

كسلاً…أو خجلاً…أو وجلاً..

وسبب الوجل – أو الخوف – أن تكون الوليمة ذات ثومٍ جراء كرهي له

ولكن – ويا للغرابة – لم أحبه سوى مرة واحدة..

فقد كانت عزومة إفطار – مدرسي – من تلقاء زميل دراستنا صلاح حجار..

وحين أقول عزومة مدرسية فأعني أنها غير مدبرٍّ لها..

وإنما جاءت عفو كرمٍ من جانب صديق طفولتنا صلاح…فلبيناها بفرح..

وذهبنا معه إلى منزله الحجري الأنيق..

فكان إلى جانب أطباقٍ عديدة – منها طبق كبده – طبق الفول الذي أعشقه..

فبدا مذاقه لاذعاً…بيد أنني استطعمته..

وعرفت من مضيفنا – صلاح – أن الزيت الذي عليه به قدحةٌ من ثومٍ قليل..

ثم من العزائم التي لا أنساها عزومة عبودي..

وهو زميل دراسة كذلك ولكن بمرحلة الثانوي…وكانت بعد الدوام المدرسي..

بمعنى أنها كانت وليمة غداء…وليست إفطاراً..

فهالني أن تُوضع أمامنا أطباقٌ من لحوم – وفراخ – تكفي لعشرة أشخاص..

بينما كنا نحن اثنين فقط..

فلا غرو أن كان يبدو لنا – شكلاً – كنجم أفلام رعاة البقرالشهير بد سبنسر..

كان مثله طولاً…وعرضاً…وعافية..

غير أن بداخل صدره الكبير يستقر قلب طفل صغير…فهو يحب ولا يكره..

ثم لا أنسى عزومة تقاعستُ عنها كسلاً..

أو تكاسلت في بادئ الأمر ؛ ثم فوجئت بصاحب الدعوة يطرق علينا الباب..

باب خالنا محمد محمود…وكنت مع أسرته آنذاك..

وكان هو – لسوء حظي – بمنزل عزابة يلاصق بيت خالنا هذا يلعب الورق..

وسمع زوجة خالنا وهي تذكرني بالوليمة..

ثم سمعني وأنا أردد مفردات تعبر عن عدم رغبتي في تلبية تلكم الدعوة..

فما كان منه إلا أن حضر إلينا وهو يهمهم : عيب كده..

فشعرت بخجلٍ لا أظنني شعرت بمثله طيلة حياتي الدراسية وقد كنت طالباً..

أما هو فكان بمثابة عمي..

ونأتي الآن لأغرب عزومة لا أظنني سأعايش مثلها أبداً من شدة غرابتها..

وصاحبها هو الدكتور فيصل عبد الله..

وهو محامٍ معروف…وسياسيٌّ قحتاوي…ومذيعٌ معتق بإذاعة هنا أم درمان..

فقد دعاني إلى وليمة سمك بحوش الإذاعة..

ومن غفلتي لم أنتبه إلى أن السمك في حوش السمك…لا حوش الإذاعة..

وبدلاً من السمك وجدت الفول..

وكان تبريره – إزاء دهشتي التي هي أشبه بحالة ذهول – أن السمك شرد..

أو هرب هروباً جماعياً..

فلم أعجب أن هربت كل الأحلام التي كان يبشر بها جماعته الشعب السوداني..

ولكني – ومن حسن حظي – عُوضت بما هو أجمل..

وكان التعويض بمكتب مدير الإذاعة المسكون إبداعاً أسامة حسن شريف..

والمسكونة إذاعته كلها أيضاً بشياطين الإبداع كما يقولون..

فشعرت بسكونٍ جماليٍّ فريد حين أسمعنى رائعة العميد في سكون الليل..

ثم توالى إسماعه إياي أغاني أحمد المصطفى..

فذكرتني هذه الحلاوة السماعية المدهشة حلاوة عزومتين…ومرارة عزومتين..

عزومة كلٍّ من عبودي…وصلاح حجار..

ومرارة عزومة قريبي ذاك الذي سمع محاولة هروبي المخجل منها..

ثم مرارة سمك عزومة فيصل الذي لم آكله..

أو الذي هرب!.

الصيحة

أخبار ذات صلة