يسرية محمد الحسن : بطاطا ولعت !!

368

اللفة الاخيرة
يسرية محمد الحسن

بطاطا ولعت !!…

كنا اطفالا زغب الحواصل وكان الزمان زمانا ! في مدينه بورتسودان الجميله كنا نقطن حي الحوض وسكانه جلهم مصريون وشوام و( اقاريق ) وجنسيات مختلفه من بلاد الله الواسعه .دائما مانجتمع للعب في الميدان الوسيع الذي تطل عليه المنازل وذلك غالبا مايكون عند الصباح الباكر او عند الاصيل واللهو البريئ واللعب دائما مايكون له طعما ونكهه ورائحه في ايام شهر رمضان.كان الصباح بديعا في يوم من ايام هذا الشهر الكريم وشمس الصباح ترسل اشعتها الساحره فتغطي المدينه الجميله باكملها واطفال الحي الساحلي يتجمعون كعادتهم في الميدان مجموعه الصبايا الاكبر سنا منا هاهم يلعبون كره القدم واخرون السله ونحن ومن في سننا نتفرج علي الاطفال الاكبر سنا وهم يبنون بيوتا بالرمل .فجأه نفذ الي الميدان رجلان يحملان ( قفه ) ضخمه وكبيره للغايه لم نر مثلها في حياتنا دخلا الي وسط الميدان الواسع جدا من احد الزقاقات الضيقه وبسرعه برق خاطفه تناولا اصغر طفلين من بيننا ( ولد وبنت ) وقذفا بهما في وسط ( القفه ) وفرا هاربين ! حاولا الهرب من ذات المنفذ الذي اتوا منه ! ولسوء حظهما فقد صرخنا جميعا لينتبهه الصبايا ويوقفون اللعب ويهرولون جميعا خلف الرجلين .وقت ليس بالقصير استطاع الاولاد تخليص الطفلين من الرجلين الذين علمنا من بعد.حين حين كبرنا ان هؤلاء يخطفون الاطفال ويحملونهم في سنابك التهريب حتي الساحل الشرقي لاحدي دول الخليج حيث كانت تنشط مثل هذه الانواع من التجاره في ذلك الحين ويقومون ببيعهم هناك ويجنون من هذه التجاره المحرمه دوليا ارباحا طائله ( شقيقتي الصغري وابن جارتنا اللبنانيه هما الذين حاول هذان المجرمان سرقتهما من امام اعيننا ونحن اطفالا صغار .)!.عند اقتراب الشمس من مغيبها كنا نصطف نحن الاطفال علي طول الساحل ننظر الي ( فنار ) ارشاد السفن في جزيره سنقنيب حيث تضي انواره حين يحين موعد الافطار ومجرد ان نري الانوار اعلي الفنار وهي تدور علي نفسها حتي نتسابق عدوا علي منازلنا ونحن نصيح باعلي الاصوات ( بطاطا ولعت )!!.وكان ذلك بمثابه الايذان بالافطار حيث لا يوجد بالحي جامع او حتي كبقيه مدن السودان مدفع رمضان !.. في الميدان تفرش السجاجيد عند اصيل كل يوم وتقوم نساء الحي علي اختلاف جنسياتهن بالتباري في صنع الاطباق الرمضانيه ويجلس الرجال بعيدا عن النساء والاطفال وكنا جميعا اطفال الحي نعشق طعام خالاتنا الشوام فها هي خالتنا ( منجليه ) اللبنانيه وجارتنا الدمشقيه سونيا وتريزا ( الاغريقيه ) يصنعون الكبه اللبنانيه ذات الطعم الشهي والمحببه الينا وال( بقلاوه ) الشاميه وطواجن الخضار بشرائح اللحم المدخن ! يا الله !! كم كان طعامهن لذيذا . وبعد ان يؤدي الجميع صلاه المغرب تدور اقداح الشاي والقهوه بالهيل ويذهب الرجال للاستعداد لصلاه التراويح بينما نبقي نحن مع النساء نستمع الي اسمارهن التي لا تخلو ابدا من الحكي عن العالم الاخر ! الاجنبيات منهن يقصصن قصصا عن بلادهن وهذه التي يسمونها تاره بالاشباح وتاره اخري بالعفاريت ! وبعضهن ممن قضي سنين عددا بالمدينه الساحليه الجميله بورتسودان يقصصن قصصا غايه في الغرابه ! خالتنا تريزا هذه تحكي وتقول ان( اب فانوس ) يظهر لها في غرفه نومها وهو يرتدي ( زعبوطا مبرقها ) علي راسه ويحمل فانوسا مضيئا بيده بينما جلبابه داكن اللون ويظل يدور ويدور حول نفسه بالغرفه !! وانه يظهر لها في غرفتها حين يكتمل تمام القمر بدرا !. قصص وحكاوي النسوه لا تنتهي لتبدأ من جديد وكل لها حكايه ! يظلن النسوه بالميدان يتسامرن ويحكين ونحن نستمع الي كل ما يقلنه ! لنردده صباحا في ذات المكان بعد ان يتسحرن النساء في مكانهن ذاته وبعد ذلك وعلي اضواء الرتاين والفوانيس يقمن باخلاء الميدان من الاواني والفرش وكل الي منزلها وقد حملن من كان نائما منا !ليتكرر المشهد ذاته طوال ايام الشهر الفضيل الذي غالبا ما تقام في ذات المكان برامج ترفيهيه يقوم باعدادها شباب الحي وبناته ونسائه فقد عرف مجتمع حي الحوض في امسيات الشهر الكريم مسابقات في ترتيل القران الكريم بجانب فنون الطبخ والموسيقي والغناء . ولم ينس منا ولن ننسي ايام الشهر المبارك ونحن صغارا في مدينه البورت الرائعه وبالطبع لن ننسي جزيره سنقنيب وفنار ارشاد السفن.. وبطاطا ولعت !!..

whatsapp
أخبار ذات صلة