عبدالله علي إبراهيم يكتب.. معارضة دولة الإنقاذ المدنية… زمالة سلاح ضارة مع الحركات المسلحة

179

لا يضرس أنصار الثورة من جماعات المعارضة المدنية لحكومة الرئيس المخلوع عمر حسن أحمد البشير (1989-2018) مثل حلفائهم في مقاومة النظام ممن عرفوا بـ”المقاومة المسلحة” في إقليم دارفور ومن وقعوا على اتفاق سلام جوبا بخاصة. فالحركات عندهم انقلبت على عهودها معهم خلال سنوات المعارضة وزمالتها بوضع يدها بيد العسكريين حتى وقفوا مع، بل دعوا إلى انقلاب 25 أكتوبر (تشرين الأول) 2021 ضد الحكومة الانتقالية.

بالطبع، للحركات المسلحة رأيها غير الحسن في المعارضة المدنية قبل الثورة وبعدها، ولكنها ليست موضوعنا هنا. وجاءت الكاتبة المحسنة رشا عوض في سقمها من الحركات بعبارة قصوى فيه، فقالت إنه “لا وجود لثورة مسلحة في دارفور، ما هي نظريتها الثورية؟ ما هو برنامجها للتغيير الاجتماعي في دارفور والسودان؟”. وقالت إن هذه الحركات من صنع الإسلاميين في “المؤتمر الشعبي” لتصفية حساباتهم مع “المؤتمر الوطني” بعد تفرقهما أيدي سبأ في عام 1999. وبعضها الآخر من صنع الحركة الشعبية لتحرير السودان – جون قرنق لإحكام حصاره على مركز الخرطوم. ووصفت ممارسات قادة حركات دارفور في الحكم الآن بأنها أكثر رداءة من ممارسات “الإخوان المسلمين”، علاوة على تحالفهم مع أقبح رموز الدولة المركزية التي خرجوا في زعمهم لحربها.

وقد يتفق كثيرون مع رشا عوض في نقدها للحركات المسلحة لولا أنه تأخر جداً، فاعترفت في كلمتها بأنها أخطأت في دفاعها الطويل عن هذه الحركات. ولا يدري المرء لماذا عطلت الفحص الدقيق عن “مدى تأهيلها (الحركات) الأخلاقي والفني لنصرة قضايا المهمشين”، كما فعلت أخيراً، كما قد يتساءل المرء: كيف لسياسيين في علو كعبها الحكم على ظاهرة بمآلاتها فشلاً أو نجاجاً بعد عقدين من نشأتها، وليس بتجلياتها خلال عقدين من الممارسة السياسية بالسلاح.

حملت رشا وزر الحركات للإسلاميين وقرنق، ونسيت نفسها إلا من اعتذار عن خطأ تقديراتها. وكان يكفي مثلها مجرد صناعة “المؤتمر الشعبي” لها سبباً لكي لا تتفاءل بمالآتها كما فعلت حتى وقع الفأس على الرأس.

لو كانت الحركات المسلحة صناعة أحد فهي صناعة معارضة الإنقاذ المدنية التي هي من أطراف ثورة ديسمبر (كانون الأول) 2018. فرشا عوض وحدها وصفت وقفتها التاريخية بجانب هذه الحركات بـ”الشراسة” حتى اتضح لها كسادها بعد الثورة.

كانت تجليات هذه الحركات في الممارسة السياسة عبر عقدين وأكثر، مما يغني المعارضة المدنية عن انتظار مآلاتها للحكم عليها. كانت أخطاؤها الكبيرة والصغيرة بادية للعيان إلا لمن عطل الحكم عليها لمأرب معارضتهما المشتركة لدولة الإنقاذ. وكان الديدن ألا معارضة لمعارض.

 

ونقلب دفتر تلك الأخطاء المغفورة للمسلحين من رفاقهم في المعارضة المدنية:

 

فغزت حركة “العدل والمساواة” مدينة أم درمان (المدينة الثالثة في العاصمة المثلثة) في 10 مايو (أيار) 2008 في موقعة “الذراع الطويلة”. وكانت مغامرة غير محسوبة النتائج مشبوهة الدوافع. فدافعها الأكبر هو الرد على الحكومة التشادية بالمثل. فكانت المعارضة التشادية قد هاجمت حكومتها في فبراير (شباط) من السنة نفسها، وكادت تسقطها. وكان ذلك الهجوم بتحريض من دولة الإنقاذ في السودان وبتمويل منها. ولم يصدر من المعارضة المدنية، والحال كما رأينا، سوى التربيت على كتف العدل والمساواة.

ومتى قضت الحكومة على معركة الذراع الطويلة حتى تألفت من صفوف المعارضة المدنية “الهيئة الوطنية” لحماية المتأثرين من ذيول تلك الهزيمة، فنشرت بياناً صبت فيه جام نقدها على الحكومة (وهو صب في مكانه) بينما أعياها عتاب “العدل والمساواة” التي غزت العاصمة منتحرة، وتركت وراءها خرائب من قتلى ومعتقلين، ونكسة في مناخ الحريات السياسية. وهي الخرائب التي نهضت تلك الهيئة الوطنية للدفاع عن ضحاياها. وكان ذلك نبلاً كبيراً من تلك الجماعة بكل المقاييس.

أحسنت الهيئة المتطوعة الاعتراض على شغب الحكومة بحق المتأثرين من حملة الحكومة الانتقامية، في حين امتنعت عن لوم حركة “العدل والمساواة” على تصعيدها الحرب بغير مردود عسكري أو سياسي مكافئ لترويع السكان الآمنين، فأصابت المذكرة في مطلبها من الأجهزة الأمنية أن تتوقف عن ملاحقة من تتهمهم بالضلوع في “غزوة أم درمان” على أساس السحنات وملامح الإثنية، بخاصة من مواطني دارفور المقيمين بولاية الخرطوم. واستنكرت المذكرة الحملات الإعلامية التي غذت حملات التفتيش والقبض والتعذيب والاغتيال على الهوية الذي هو انتهاك صارخ للدستور الانتقالي (2005) وحكم القانون ومعايير العدالة، كما نذرت نفسها لتوفير أسباب الدفاع أمام المحاكم للملاحقين بسبب وقائع 10 مايو، ومن هم في الأسر.

 

ولكن ما قصر عنه هؤلاء القانونيون وصناع الرأي ونشطاء حقوق الإنسان من المعارضة المدنية لدولة الإنقاذ صمتهم القريب من المؤبد عن تحميل حركة “العدل والمساواة – جناح بعوضة” من وزر ما هم بصدد فعله لحماية جماعة محددة من المواطنين. فحين خطرت لهم مؤاخذة “العدل والمساواة”، بنوا إدانتهم لها على العموم أو المجهول. فقالوا إنهم يدينون صريحاً تعريض المدنيين (سواء في العاصمة القومية أو في مناطق القتال) للعنف، لما فيه من انتهاك صريح للقانون المحلي أو الدولي. وغريب ألا يخص قادة الرأي هؤلاء “العدل والمساواة” بذكر، أي ذكر، وهي تغزو مدينة بليل.

والأمثلة كثيرة على تجاوز المعارضة المدنية للأخطاء الجسيمة التي ارتكبها المعارض المسلح، فأصل السياسة المسلحة القائمة في جبال النوبة منذ عام 2011 إلى تاريخه، يتمثل في رفض عبدالعزيز الحلو، نائب والي جنوب كردفان السابق وزعيم الحركة الشعبية، لنتيجة انتخابات جرت لوالي جنوب كردفان في عام 2011. وسقط فيها الحلو أمام مرشح المؤتمر الوطني. فخرج غاضباً. وبينما صبت المعارضة جام غضبها على الحكومة بتهمة تزوير الانتخابات في سائر البلد تجدها صمتت صمتاً مطبقاً عن بواعث انقلاب الحلو على الديمقراطية بعد انتخابات زكاها المراقبون.

وكان انتخاب والٍ لجنوب كردفان قد تأخر عاماً كاملاً بعد انتخاب الولاة الآخرين (أبريل 2010) لأن الحلو وحركته احتجا على إحصاء السكان في عام 2008. ودفعا الحكومة إلى إعادته في 2010. وأتضح أنهما كانا على الصواب. وتمت انتخابات الوالي على ما يرام حتى وصفها “مركز كارتر”، الجهة الأجنبية المكلفة وحدها مراقبة الانتخابات، بأنها جرت في سلام وصدقيتها كبيرة على رغم ما اكتنفها من عدم طمأنينة وحالات خرق للإجراءات. وقال “مركز كارتر” إن مكان رد تلك الخروق هو ساحة المحاكم. ولم يشذ عن هذا التقويم مراقبون آخرون في البعثات الدبلوماسية في الخرطوم.

ولكن الجنرال الحلو، الذي يقود الفرقة التاسعة من جيش الحركة الشعبية في ولايته، لم يقبل بالنتيجة التي جاءت في غير صالحه، وزعم أن الانتخابات مزورة، فـ”تمرد”. وهذه سنة لدى جنرالات “الحركة الشعبية” في الجنوب بعد استقلاله. فلما لم يفوزوا، أو لم يفز مرشحهم، دخلوا الغابة مثل جورج أطور وجيمس قاي وقوردن تونق.

لا ينبغي للأحزاب المعارضة نصرة الحلو ناظرة لتظلماته السياسة والتاريخية. فذلك لن يعفيها من تمييز تكتيكاتها عن تكتيكاته على بينة. فبتمرده فقد السودان ولاية كان بوسعها أن ترجح ميزان القوى الديمقراطية، بسبب نفوذ الحركة الشعبية القوي فيها، بإنفاذ متبقيات اتفاق السلام الشامل في عام 2005، هذا من وجه إيجابي. أما من جهة سلبية فقد أدى حمل الولاية للسلاح إلى تضييق هامش الحريات المتاح في بقية القطر.

 

ويبدو أن العلة ليست في الحركات المسلحة ليخيم السقم منها على جماعات المعارضة المدنية. كانت علة الحركات تكاد تستصرخ المعارضة المدنية أن تنقذ الحركات نفسها من غوائلها قبل غيرها، ولكن تعطيل البصيرة السياسية أفسد على البصر المجرد أن يرى علل الحركات المسلحة حتى الساعة الخامسة والعشرين. فمن صنع الحركات المسلحة حقاً هو معارضة الإنقاذ المدنية ربما بعون يسير من غيرها. لقد غطت تلك المعارضة على سوء الحركات المسلحة متى بانت، وعطلت الحكم عليها وهي تمني النفس أن كل شيء سيكون على ما يرام متى زالت “حكومة الإتقاذ”. وزالت “الإنقاذ” ليرى المعطلون فساد عوسهم.

اندبندنت عربية

whatsapp
أخبار ذات صلة