الكسابة في حرب السودان من هم ومن أين أتوا؟

175

بدأ نشاط النهب منظماً منذ الوهلة الأولى لاندلاع القتال، وظهرت مجموعات مسلحة جرى تسمية أفرادها محلياً بـ”الكسابة”، وهم عناصر يتحركون وسط نيران المعارك بغرض النهب.

تاق برس – وكالات – بعد الفوضى التي خلفتها الحرب في العاصمة السودانية، اعتاد “صلاح حسين” مشاهدة عشرات السيارات والشاحنات الكبيرة وهي محملة بأنواع مختلفة من البضائع من بينها الأثاثات المنزلية والأدوات الكهربائية في سوقي القش وقندهار بضاحية أمبدة غربي أم درمان، وعلى متنها أفراد مسلحون يرتدون الزي العسكري لقوات الدعم السريع، وهي متأهبة للمغادرة غرباً عبر طريق الصادرات المؤدي إلى إقليمي كردفان ودارفور.

 

شكلت عمليات النهب الواسعة للممتلكات الخاصة والعامة الوجه الأكثر قبحاً لحرب السودان التي يدور رحاها داخل العاصمة الخرطوم ومدن أخرى بين الجيش وقوات الدعم السريع منذ منتصف أبريل الماضي. وبدأ نشاط النهب منظماً منذ الوهلة الأولى لاندلاع القتال، وظهرت مجموعات مسلحة جرى تسمية أفرادها محلياً بـ”الكسابة”، وهم عناصر يتحركون وسط نيران المعارك بغرض نهب المحال التجارية والشركات والمنازل داخل الأحياء.

يُكثِف الكسابة نشاطهم الإجرامي في المناطق التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع في العاصمة السودانية الخرطوم، وبعد نهب المقتنيات المختلفة يعرضونها للبيع في الأسواق المحلية هناك خاصة سوقي ليبيا وقندهار غربي أمدرمان اللذين تحولا إلى أكبر مركز للسلع والبضائع المسروقة، كما يتم نقل بعضها إلى خارج العاصمة وفق شهادات وثقتها (عاين).

وخلقت ممارسات الكسابة نشاطا تجاريا غير مشروع في العاصمة وبعض الولايات السودانية أو ما يعرف بـ”البزنس الأسود” خلال قيام أماكن لبيع وتداول المقتنيات المسروقة، والتي اشتهرت أيضاً بأسواق “دقلو” كناية عن قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان حميدتي دقلو، حيث تلاحق الاتهامات تلك القوات بالتورط في أعمال النهب، الأمر الذي تنفيه بشدة.

ويقول محمد الماحي، الذي بدأ مؤخراً نشاطاً لبيع العطور في سوق ليبيا غربي أمدرمان إن “مسلحين يرتدون الزي العسكري لقوات الدعم السريع يعرضون سلعاً مختلفة على ظهر شاحنات كبيرة في مزاد علني بسوق ليبيا، ويقوم صغار الباعة بشرائها منهم بأسعار منخفضة؛ ومن ثم يبيعونها للزبائن بعد وضع أرباح معقولة”.

“المسلحون يأتون على متن سيارات محملة بالبضائع والسلع المتنوعة خاصة الأدوات والأجهزة الكهربائية والأثاثات المنزلية إلى السوق على نحو مستمر، وأصبح نشاط رئيسياً يقتات كثير من المواطنين أرزاقهم عبره”. يضيف الماحي خلال مقابلة مع (عاين).

ويتابع: “وجد كثير من السكان الذين ما زالوا عالقين في العاصمة الخرطوم أنفسهم مضطرين للإتجار في السلع المسروقة ومساعد اللصوص -الكسابة- على تسويق المقتنيات المنهوبة، فجميع الأنشطة التجارية ومصادر الدخل توقفت، فإذا لم ينخرطوا في هذه الأنشطة غير المشروعة ربما لن يتمكنوا من توفير احتياجاتهم من الأكل والشرب”.

 مشاركة في المعارك

ويقول أحد العناصر التي تنشط في نقل المقتنيات من أمدرمان إلى إقليم كردفان لـ(عاين)، – طلب عدم ذكر اسمه- إن “الأشخاص الذين يعملون في هذا النشاط هم جزء من قوات الدعم السريع، ويقاتلون إلى جانبها في المعارك الحربية، لكن غالبيتهم من ما يعرف بـ المناصرين الذين انضموا إليها بعد اندلاع الحرب، وليست لديهم أرقام عسكرية”.

ويضيف: “أتيت إلى الخرطوم ضمن الفزع، وشاركت في مأموريات عسكرية حيث لم نتقاض أي أجور من الدعم السريع، لذلك فكرت برفقة آخرين في الانخراط في العمل التجاري حيث نشتري البضائع وبيعها في غرب أمدرمان، وأيضاً نرحل جزءاً منها إلى الولايات الغربية لتحقيق أكبر قدر من الأرباح”.

وتابع: “انضم آلاف الشبان من إقليمي كردفان ودارفور إلى قوات الدعم السريع بغرض إسنادها في حربها مع الجيش، وتربط جميع المنضمين الجدد صلة قرابة بأفراد الدعم السريع النظاميين، فكل جندي أو ضابط استنفر إخوانه وأبناء عشيرته، وكان السواد الأعظم منهم انخرط في صفوف الدعم السريع بغرض النهب وتحقيق كسب مالي سريع، ولا أحد يعترضهم أو يحاول عرقلة نشاطهم”.

شهادة أخرى يدلي بها أحد سكان حي ود البنا بأمدرمان لـ(عاين)، ويسمى بشير الصادق، تدعم تورط قوات الدعم السريع في أعمال النهب في العاصمة السودانية ومحاباة العصابات التي تنشط فيها خاصة الكسابة، ويقول إنه كان يشاهد سيارات محملة بالبضائع والأثاثات المنزلية تعبر جسر شمبات نحو أم درمان على مدى أشهر عديدة منذ اندلاع الحرب”.

وكانت قوات الدعم السريع تسيطر بشكل محكم على كبري شمبات على نهر النيل الذي يربط بين مدينتي أم درمان وبحري والمنطقة المحيطة به، ويعتبر المنفذ الوحيد وخط امداد رئيسي لقوات الدعم السريع بين مناطق سيطرتها في شرق العاصمة وغربها قبل تدميره، ولا يستطيع أحد العبور دون علم وموافقة الارتكازات العسكرية المرابطة بها.

ويقول “أحمد التنين” من سكان ضاحية أمبدة في مقابلة مع (عاين) إنه كان يشاهد مسلحين يرتدون الزي العسكري لقوات الدعم السريع يكسرون المحال التجارية في سوق ليبيا، بجانب مخازن عملاقة بالقرب من سجن الهدى غربي أمدرمان حيث يأخذون ما يريدونه ويتركوا المتبقي لأشخاص عاديين غير مسلحين لنهبها.

ويضيف: “رأيت هؤلاء المسلحين وهم يحمّلون سيارات كبيرة بالسلع المختلفة من مخازن غرب أمدرمان، والتي كانت تحوي مواد غذائية مثل السكر والدقيق والأرز والعدس، بجانب أجهزة كهربائية مختلفة من ثلاجات وشاشات تليفزيونات وغسالات وغيرها، وكانت هذه الواقعة في مطلع شهر يوليو الماضي، أي بعد شهرين ونصف من اندلاع الحرب”.

نشاط يتوسع

أخذ نشاط الكسابة يتوسع مع انضمام المزيد من المسلحين “المناصرين” إلى صفوف قوات الدعم السريع وبدلا عن عرض المقتنيات المسروقة في أسواق العاصمة بدأوا ترحيلها إلى الولايات وخاصة كردفان ودارفور عن عبر طريق الصادرات، أمدرمان – بارا والذي تسيطر عليه قوات الدعم السريع، وذلك لتحقيق مكاسب مالية أكبر.

وجد الكسابة طريق الصادرات معبداً أمام نشاطهم بعد أن تحول إلى شارع أشباح تقل فيه حركة المسافرين، وذلك في أعقاب قرار أصدره قائد الجيش السوداني قضى بإغلاقه أمام حركة السير والتعامل مع كل من يستغله كهدف عسكري، لكن ما زال يمثل خط إمداد رئيسي لقوات الدعم السريع يسلكه منسوبوها وعصابات النهب على حد سواء بلا اكتراث.

ووثق مراسل (عاين) عبور ما لا يقل عن 10 شاحنات في يوم واحد خلال شهر أكتوبر الماضي، بطريق الأبيض – الدبيبات وقد تجاوزت جميع نقاط التفتيش التي تقيمها قوات الدعم السريع على هذا الطريق، دون أن تتوقف بها أو يعترضها أحد، وكان على متنها مسلحون بزي عسكري وآخرين بلباس مدني والعديد من البضائع والمقتنيات.

وفي نقاط التفتيش بطريق الدبيبات – الأبيض والتي يزيد عددها عن 50 نقطة يقوم مسلحو قوات الدعم السريع بإيقاف الحافلات السفرية وإخضاعها إلى عمليات تفتيش دقيقة وتفحص الركاب بداخلها، كما يطالبون بالفواتير التي تثبت شراء أي مقتنيات كانت على متن الحافلة، في الوقت ذاته كانت سيارات الكسابة تعبر مسرعة دون أن يعترضها أحد في مفارقة تثير غضب الركاب المدنيين.

وتوسعت أسواق محلية في ولاية غرب كردفان إلى حد بعيد خاصة سوقي ابوزبد والفولة بعد وصول المقتنيات المسروقة بكميات مهولة إلى هناك ويعرضها الكسابة جهارا نهارا لبيعها للمواطنين بأسعار زهيدة، حيث تسيطر قوات الدعم السريع بشكل شبه كامل على تلك المناطق، كما تشير تقارير إلى وصول مقتنيات مسروقة من العاصمة إلى مدينة الضعين والعديد من المناطق في إقليم دارفور.

يقول مواطن من مدينة ابوزبد لـ(عاين): “عندما يصل الكسابة إلى مدخل المدينة يقومون بضرب مكثف للسلاح في الهواء وهو عادة درجوا عليها وهي تشير إلى الاحتفال بالوصول، ويبادلهم عناصر قوات الدعم السريع المتمركزين في مدخل المدينة الاحتفاء، ساعتها يتأهب بعض المواطنين للذهاب إلى السوق لرؤية المقتنيات الجديدة”.

الدعم السريع ينفي

“(الكسابة) هو اسم تدليل الخارجين عن القانون وقطاع الطرق وهم موجودون قبل نشوب حرب الخامس عشر من أبريل، لكن عقب بداية الحرب ازدادت هذه المجموعات بصورة كبيرة نسبة للسيولة الأمنية، حيث نشطت في قطع الطرق والسلب والنهب داخل المدن وخارجها”. يقول عضو المكتب الاستشاري لقائد قوات الدعم السريع الباشا طبيق لـ(عاين).

ويشير طبيق، إلى أن هذه المجموعات تضاف إليها عصابات “النيقرز” ومجموعات أخرى أخرجها الجيش من السجون، فجميعها هي من تعدت على منازل المواطنين وقطع الطرق ولا علاقة لقوات الدعم السريع بها وهي العدو الأول لها وتتم محاربتها الآن بقوة بتوجيه من قائد قوات الدعم السريع الفريق أول محمد حمدان دقلو الذي أصدر قرارا بتكوين لجنة لمحاربة الظواهر السالبة.

“باشرت اللجنة عملها داخل ولاية الخرطوم وكل المناطق التي تقع تحت سيطرة قوات الدعم السريع، فقواتنا لا تستعين بأي مجموعات متفلتة أو خارجة عن القانون ولديها من القوات ما يكفي للقتال لمدة عشرين عاما قادمة”. يضيف الباشا.

وتابع: “ليس صحيحا عبور سيارات تتبع للكسابة عبر ارتكازات قوات الدعم السريع فهناك توجيه واضح لكل القادة الميدانيين بعدم التسامح أو مجاملة أي مجرم حاول التعدي على حقوق المواطنين، أو حاول نهبها وترحيلها إلى موقع آخر”.

وأردف: “الدعم السريع لا يحابي أي مجموعات متفلتة وخارجة عن القانون، بل يعمل على حسم أي مجموعات مجرمة، فالسجون التابعة لقوات الدعم السريع الآن ممتلئة بكثير من الذين سولت لهم أنفسهم التعدي على ممتلكات المواطنين”.

whatsapp
أخبار ذات صلة