أمير تاج السر يكتب: تذوق لا حكم

166

في فيديو انتشر مؤخرا في الصفحات السودانية من وسائل التواصل الاجتماعي، ثمة قارئ عربي مخلص ومتذوق للأدب عامة، يتحدث عن اختياراته الخاصة من الأعمال التي قرأها في الأدب السوداني، ويرشحها للقراءة لآخرين من متابعيه.
وكان من بين هذه الأعمال المرشحة، نصوص للطيب صالح وحامد الناظر وآخرين.
القارئ لم يقل أبدا إن هذه خلاصة الأدب السوداني ولا شيء قبلها أو بعدها. ولم يتعمد بالتأكيد تجاهل كتاب كبار يعتبرهم البعض أيقونات من المفترض معرفتها وقراءتها وترشيح أعمالها للقراءة، وما فعله إجراء عادي وروتيني يحدث دائما. ونحن نتابع في موقع «غود ريدز» المعروف، وغيره من صفحات القراءة التي تنشئها مجموعات مهتمة، آلاف الناس الذين يعرفون بعض من كتبوا ولا يعرفون الكل، أو قرأوا للبعض ولم يقرأًوا للبعض الآخر وأيضا ربما أعجبتهم كتابة أحد ولم تعجبهم كتابة آخرين قد يكونون أعلى مستوى، وهكذا.
وكنت ذكرت مرة أنني لم أسمع بكتاب حائزين على جوائز عالمية إلا متأخرا جدا، وحتى الآن لم أقرأ لكتاب حائزين على جائزة نوبل إلا بالقدر الذي يجعلني ألمّ بأساليبهم. وهذا هو المطلوب في زمن لا تستطيع فيه القراءة لكل الناس، كما أنك ككاتب لا تستطيع إرضاء كل الناس، ولا جعل كل الناس يعرفونك حتى.
مثلا لا تعجبني كتابة نجوجي واثيونغو، بالرغم من كونه أسطورة كتابية أفريقية، وأعماله غنية بالميثولوجيا والتاريخ والخرافات، بينما يظل تشيتيا تشيلي معلما لي وواحدا تمنيت لو عرفته إنسانيا كما عرفته إبداعيًاً. وحين انتشرت رواية «الخيميائي» للبرازيلي باولو كويلهو وقدمت للدنيا كاتبا سيصنع أسطورته الكبيرة بعد ذلك، سعيت وراءها منساقا خلف التقييمات المرتفعة، والمراجعات التي تمجدها كل تمجيد. قرأتها باندفاع شديد، ولم أعثر على الطعم الذي كنت أبحث عنه، الطعم الذي تذوقه العالم وجعل بعده الكاتب أسطورة، قرأت بعدها «الجبل الأصفر» و«فيرونيكا تقرر أن تموت» ثم توقفت.
كان كويلهو كاتبا رائجا بلا شك، لكن لم يتوافق معي.
ولعلي أقول لأول مرة إنني أكملت «ظل الريح» لكارل رويس زافون بشيء من المتعة، لكن حين قرأت «لعبة الملك» التي كان بطلها كاتبا سيكتب ديانة جديدة، وباقي الأعمال، لم تكن هناك أي متعة، مجرد قراءة فقط اكتملت بصعوبة في الغالب.
حتى هاروكي موراكامي نفسه هناك من يعتبره هرما صانعا للعجائب، ومن يعتبره مجرد كاتب عادي مملوء بثقافة اليابان، ويدلقها في صفحات كثيرة جدا، أكثر من اللازم. ولا مشكلة أبدا، فالكاتب الذي يقدر نفسه ويقدر إبداعه، يستمر غير مبال بأي ريح قد تهب هنا وهناك ضده، أو رأي محبط يفسد عليه التأمل.
أعود لمسألة القارئ المتحمس لبعض الأعمال السودانية وأقول للذين اعتبروا رأيه حكما جائرا، إن المسألة مجرد تذوق لا أقل ولا أكثر كما أوضحت قبلا، لا يمكن أن تلزم متذوقا أن يتذوق بلسان قراءتك أنت كما لا تستطيع إطعامه طعاما تحبه من دون أن يحبه هو.
لذلك عليك أن تأخذ بترشيحاته أو لا تأخذ بها، فهذا هو الأهم.
في السياق نفسه، تطل علينا بين حين وآخر مواقع تقدم أفضل مئة رواية عالمية، أو أفضل مئة رواية عربية، ويظل الناس مرتبكين من هذا الحكم الذي يأتي لهم بأعمال كلاسيكية في الغالب، متجاهلا كما هائلا من التجريب واللغة الجديدة في الرواية. وأحيانا يأتي بأعمال تجريبية، متجاهلا إرثا كلاسيكيا عظيما، وفي كلا الحالتين، لا ينبغي أن يعتبر ذلك حكما، ولا ينبغي الاهتداء به إن لم يلائم تذوقنا.
ودائما أردد أن نقل ما تكتبه المواقع غير المنهجية عن رواية ما لكاتب، وصراخه بأن روايته من ضمن أفضل مئة رواية، ليس انتصارا أبدا، لأن من وضعها هناك ووضع غيرها كان يستخدم أدوات رأيه الشخصي، لا أدوات منهجية مدروسة. أكثر من ذلك، قد تكون ثمة خدع يقوم بها البعض من أجل الترويج لمؤلفاتهم، وقد صادفتني مثل تلك الألاعيب، ولم أرض الانغماس فيها. لأنك في عمر معين، وبعد تجربة كبيرة، لن تقدم على ما يضر بهذه التجربة.
أتحدث قليلا عن فيديوهات القراء التي نراها أحيانا، وتلك القنوات التي تبث عبر يوتيوب، وأقول بكل جدية إنها أكثر تأثيرا من المدونات الجامعية، والدراسات النقدية. وهؤلاء الذين يجهدون أنفسهم في القراءة، ويشاركوننا بما قرأوه وأعجبهم، يستحقون الثناء. نحن نقرأ كثيرا ويعجبنا الكثير، لكن قد نكون من البخل أو الكسل أو الانشغال، بحيث لا نشرك غيرنا في قراءاتنا.
لذلك أكرر تقديري لصاحب فيديو الأدب السوداني، وما أثير من لغط حوله، قطعا أمر جيد.
ربما لم تكن تعرف كاتبا مجيدا، وصاحب أسلوب مميز، مثل عمر فضل الله.
والآن عرفته.
والقارئ الحق سيبحث عن كتابات عمر ويغوص في عوالمه الأخاذة.
*كاتب من السودان
اقتباس: الكاتب الذي يقدر إبداعه، يستمر غير مبال بأي ريح قد تهب هنا وهناك ضده، أو رأي محبط يفسد عليه التأمل

whatsapp
أخبار ذات صلة