تفكيك سودانير تحت لافتة المقاطعة

159

الترايستار الأردنية،عقود البترول ،: صفقة الـ CRJ..تفكيك سودانير تحت لافتة المقاطعة

كتب:إبراهيم عدلان

(ضمن سلسلة تفكيك رباعية الانهيار والفشل)

مقدمة
ضمن سلسلة تفكيك رباعية الانهيار والفشل، نفتح اليوم ملف المقاطعة الغربية التي فُرضت على الاقتصاد السوداني، ليس بوصفها حدثاً سياسياً معزولاً، بل كمنعطف حاسم أعاد تشكيل طريقة إدارة الدولة لمؤسساتها الاستراتيجية.
وفي هذا السياق، نختبر معاً مآلاتها الكارثية على الناقل الوطني سودانير، ليس من زاوية الحصار الخارجي وحده، بل من خلال ما ترتب عليه داخلياً من قرارات مرتجلة، وانزلاقات إدارية، وتفكيك ممنهج جرى تحت لافتة “الضرورة”.

فهنا لا نتحدث عن أزمة طارئة، بل عن مسار كامل قاد سودانير من شركة وطنية تملك قرارها، إلى كيان أُفرغ من مضمونه، وتحوّل – خطوة بعد خطوة – إلى ضحية لتقاطع المقاطعة مع سوء الإدارة وتضارب المصالح.

أولاً: 1998 – المقاطعة كذريعة لا كقدر

فرضت المقاطعة الغربية قيوداً صارمة على السودان، وأدت إلى:
• تعطيل التحويلات البنكية وخطوط التمويل
• قطع سلاسل الصيانة وقطع الغيار
• انسحاب شركات التأمين وإعادة التأمين

لكنها لم تُجبر الإدارة على التخلي عن التخطيط الاستراتيجي، ولم تفرض عليها اختيار أسوأ الحلول. ومن هنا تبدأ المسؤولية الوطنية، ليس لدى القوى الخارجية، بل داخل سودانير نفسها ومن بيده القرار.

ثانياً: الترايستار الأردنية – لحظة الانزلاق الأولى

كان قرار استئجار الترايستار الأردنية (L-1011) أول انعطاف حاد بعد المقاطعة، حيث دخلت الشركة في حلقة الإيجار المكلف:
• طائرة عالية التكلفة
• كثيفة الاستهلاك
• غير مناسبة لشبكة تشغيل متقلصة
• لا تتوافق مع الوضع المالي المحاصر

والأخطر أن هذا القرار جرى دون دراسة جدوى حقيقية، وبدون مساءلة من مجلس إدارة مستقل، ما فتح الباب لتطبيع الإيجار كسياسة دائمية بدل الحل المؤقت.

ثالثاً: الإيجار كسياسة… وتكسير المجاديف

توالت بعد ذلك تجارب الإيجار، ففقدت سودانير:
• التحكم في تكاليفها
• القدرة على التخطيط طويل الأجل
• تجانس الأسطول

وأصبحت تعمل وفق معادلة مختلة:

تشغيل لتغطية الإيجار أولاً، ثم التفكير في التشغيل إن تبقى شيء.

وهنا بدأت دوامة تكسير المجاديف التي أضعفت الشركة استراتيجياً وتشغيلياً.

رابعاً: كونتراكتات ترحيل مهندسي البترول

في مرحلة لاحقة، اتسعت دائرة الانحراف لتشمل عقود ترحيل مهندسي البترول، حيث لم تعد سودانير مجرد ناقل وطني، بل واجهة لتصفية مصالح خاصة:
• العقود تُبرم باسم سودانير
• التمويل مضمون من القطاع النفطي
• التنفيذ يتم عبر الإيجار والتعاقد من الباطن

ما أدى إلى إستفادة البعض على حساب الشركة، بينما تتحمل المؤسسة جميع المخاطر التشغيلية، ويخرج العائد الحقيقي خارج دفاترها.

خامساً: صفقة الـ CRJ – حين توفّر الحل وتم إجهاضه

بلغ التفكيك ذروته مع صفقة طائرة CRJ، التي كانت تمثل الفرصة النادرة لإنقاذ الشركة:
• الطائرة مناسبة تماماً لعقد البترول
• تم توفير 4 مليون دولار من الطيران المدني
• و ضمان مماثل من بنك الخرطوم – فرع البحرين
• بضمان رسوم العبور للطيران المدني

رغم توافر كل عناصر النجاح، تم تعطيل الشراء بلا مبرر فني أو مالي.
السبب واضح: امتلاك الطائرة كان سيُنهي الإيجار، ويقطع شرايين التعاقد من الباطن، ويقضي على مصالح محددة، وهو ما تم رفضه .

سادساً: من الفشل إلى التعطيل المتعمد

هنا يكشف التفكيك حقيقة صادمة:

الدولة وفرت الحل، والمال موجود، والطائرة جاهزة، لكن القرار خُطف داخلياً.

وهذا يمثل جوهر الانهيار:

أن تُمنع المؤسسة من النهوض، ليس لأنها عاجزة، بل لأن نجاحها يضر بشبكات مصالح قائمة.

خاتمة: المقاطعة كانت الذريعة… لا الجريمة

ما جرى لسودانير منذ 1998 يثبت أن:
• المقاطعة كانت ظرفاً
• قرارات الإيجار كانت اختياراً إداريًا خاطئاً
• الكونتراكتات ومنع صفقة الـ CRJ كان تعطيلًا متعمداً

ولا يمكن الحديث عن إعادة بناء الناقل الوطني دون:
1. فتح ملف الإيجارات منذ الترايستار
2. مراجعة كونتراكتات ترحيل البترول
3. التحقيق في تعطيل صفقة الـ CRJ
4. تتبع تضارب المصالح واستعادة القرار المؤسسي

فالدول لا تُهزم حين تُحاصر، بل حين يُفرَّغ قرارها السيادي من الداخل.

whatsapp
أخبار ذات صلة