الخرطوم تستعيد نبضها في أول رمضان بعد الحرب.. بين الشوارع والبيوت عودة الحياة والفرح
الخرطوم – متابعات تاق برس –
أول رمضان بطعم العودة:
يحلّ شهر رمضان هذا العام على سكان ولاية الخرطوم بطعم مختلف، إذ يستقبل كثير من المواطنين أول رمضان لهم داخل منازلهم بعد شهور من النزوح او اللجوء الذي فرضته الحرب.
ومع عودة أعداد كبيرة من الأسر إلى أحيائها، بدأت ملامح الحياة الطبيعية تعود تدريجيًا إلى العاصمة، وبرز ذلك بوضوح في حركة الأسواق التي استعادت شيئًا من حيويتها المعهودة.
وتشهد الخرطوم هذه الأيام عودة متسارعة للحياة إلى طبيعتها لمحليات الولاية ، في مشهد يعكس تعافي العاصمة واستعادة إيقاعها المعتاد، تزامناً مع بداية عام دراسي جديد يوم الأحد المقبل، وما يحمله من آمال عريضة بمستقبل أكثر استقراراً وأمناً.
عودة المؤسسات:
وعلى الصعيد الرسمي، عادت المؤسسات الحكومية إلى مزاولة أعمالها من مقارها بالعاصمة بعد فترة من عملها ببورتسودان ، وانعقدت الجلسات الوزارية كافة بالخرطوم، في خطوة تعزز من عودة مؤسسات الدولة إلى مواقعها الطبيعية ومباشرة مهامها من داخل العاصمة.
ويرى مراقبون أن هذه العودة تحمل دلالات مهمة تعكس الاستقرار وعودة الحياة الى طبيعتها.
جهود رسمية :
وفى اطار جهود تهيئة بيئة العودة للخرطوم التقى عضو مجلس السيادة الانتقالي، مساعد القائد العام، الفريق مهندس إبراهيم جابر إبراهيم ، اليوم بالخرطوم، رئيس الوزراء كامل إدريس ، وبحث اللقاء ضرورة تكامل الأدوار الرسمية في إيجاد الحلول المناسبة لتجاوز التحديات الماثلة، وتهيئة البيئة المحفزة لعودة المواطنين.
من جانبه، أثنى رئيس الوزراء على الدور الكبير والإيجابي للجنة العليا لتهيئة بيئة العودة إلى ولاية الخرطوم، وجهودها في إعادة الحياة الطبيعية، وتقديم الخدمات، وبسط الأمن بالعاصمة الخرطوم.
واكد د. كامل ادريس عزم الحكومة التنفيذية على المضي قدماً في دعم جهود تقديم الخدمات، وإصلاح قطاع الكهرباء، والحفاظ على أمن المواطنين.
ودعا د. كامل السودانيين بالداخل والخارج إلى الاستمرار في العودة الطوعية إلى العاصمة القومية وبقية الولايات الآمنة، في ظل التحسن المستمر للأوضاع الأمنية والإنسانية.

حركة الاسواق:
وانتظمت حركة الأسواق بالعاصمة بصورة لافتة، حيث عادت عمليات البيع والشراء في مختلف المحليات والأسواق الرئيسية، وسط إقبال متزايد من المواطنين الذين توافدوا إلى منازلهم بعد رحلة نزوح امتدت بالبعض إلى ثلاث سنوات.
في سوق بحري، وفى جلسة حوارية مع احد التجار يقول “كنا نفتح محالنا لساعات محدودة، أما الآن فالحركة بدأت تعود تدريجياً، والزبائن يتوافدون من جديد.
وتشير الحاجة فاطمة، وهي تتجول بين المحلات التجارية لشراء مستلزمات رمضان، إلى أن “الأسعار ما زالت متفاوتة، لكن الأهم أننا عدنا إلى أسواقنا وأحيائنا. هذا وحده كفيل بأن يبعث الطمأنينة”.
وأكد عدد من التجار أن التحسن في الحركة التجارية مدفوع بعودة المواطنين ، إضافة إلى عودة الخدمات الأساسية تدريجياً.
عودة بعد غياب:
وفي أحد أحياء أم درمان، وقف المواطن أحمد حسن أمام منزله الذي عاد إليه بعد سنوات النزوح قائلاً: “عدنا إلى منزلنا بعد ثلاث سنوات، ولم يكن هناك ما يسعدنا أكثر من أن نستقبل رمضان في بيتنا وسط أهلنا وجيراننا”.
وأضافت أم محمد: “مشهد الإفطارات الجماعية في الأحياء أعاد إلينا روح الخرطوم التي نعرفها… روح التكافل والتراحم”.
ويحكي الشاب مصعب، وهو يشارك في تنظيف أحد الشوارع: “كلنا نعمل بجهد حتى تعود حارتنا أجمل مما كانت هذا العام مختلف، فيه أمل حقيقي”.
عودة الخدمات:
يذكر ان إجتماع اللجنة العليا للطوارئ وإدارة الأزمة بولاية الخرطوم الذى عقد مؤخرا وقف علي الترتيبات التي قامت بها وزارة التربية والتعليم لبدء العام الدراسي الجديد يوم الاحد المقبل الثاني والعشرين من فبراير الجاري.
وأوضح د. قريب الله محمد احمد المدير العام الوزير المكلف لوزارة التربية والتعليم أن هذه البداية تأتي متسقة مع موجهات التقويم الدراسي على مستوى البلاد حيث تقرر توحيد بداية الدراسة في كل السودان اعتبارا من العام الدراسي المقبل والذي سيبدأ في سبتمبر القادم وتطرق الي التحضيرات التي تمت بتعيين عدد ( 3 ) آلاف معلم ومعلمة بالإضافة الي توفير الكتاب المدرسي وصيانة المدارس والتي تقوم بها لجنة التعليم باللجنة العليا لتهيئة البيئة العامة لعودة المواطنين لولاية الخرطوم .
كما وقف الإجتماع على تقارير المياه والكهرباء حيث بشرت إدارة الكهرباء بأن شهر رمضان سيشهد استقرارا في التيار مع استمرار جهود توفير المحولات بأسبقية للمناطق المأهولة بالسكان والمرافق الخدمية ، كما قرر الإجتماع تنظيم فعاليات ثقافية ورياضية وعروض مختلفة بخور أبو عنجة بأمدرمان ايذانا بخلو الخور من المخالفات وتراكم المهددات البيئية والصحية .
استعدادات الدراسة :
ومع اقتراب انطلاقة العام الدراسي، تنشط الأسر في تجهيز أبنائها، حيث امتلأت المكتبات بالمستلزمات المدرسية ومحال بيع الزي المدرسي بالمشترين.
تقول السيدة امنه محمد وهي تختار الحقائب المدرسية “رغم الظروف، حرصنا أن يكون أول يوم دراسي مميزاً لأطفالنا. نريدهم أن يشعروا أن الحياة عادت لطبيعتها”.
ويؤكد عبد الرحمن احمد أن “التعليم هو الأمل الأكبر، وعودة المدارس تعني أن الاستقرار بدأ يترسخ فعلاً”.
افطار رمضان:
ويتزامن هذا التحول مع حلول شهر رمضان المبارك، حيث عُمِّرت المساجد بالمصلين لأداء الصلوات وصلاة التراويح في أجواء إيمانية مهيبة وتشهد الأحياء خروج المواطنين بطعام الإفطار إلى الميادين والشوارع، في لوحات اجتماعية تعكس عمق التآخي والتكافل بين الجيران.
في أحد الميادين، قال العم الطاهر وهو يرتب أطباق الإفطار: “هذه العادة لم تنقطع رغم كل شيء. رمضان يجمعنا دائماً”.

سودانير تعود :
وفي قطاع النقل الجوي، استأنفت شركة سودانير رحلاتها من وإلى الخرطوم داخلياً وخارجياً، إلى جانب عدد من شركات الطيران الوطنية الأخرى، ما أسهم في تسهيل حركة السفر وربط العاصمة بمحيطها الإقليمي والدولي.
يقول أحد المسافرين في صالة المغادرة: “عودة طائرات سودانير للإقلاع من الخرطوم تعيد إلينا الإحساس بأن المدينة تستعيد مكانتها كما كانت من قبل”.
استقرار أمني:
وأمنياً، تشهد العاصمة استتاباً واسعاً مع انتشار مكثف لقوات الشرطة في مختلف المحليات، عقب طواف أمني شامل أسهم في خفض معدلات الجريمة بصورة ملحوظة وفقاً لمتابعات رسمية.
وأعرب عدد من المواطنين عن ارتياحهم لانتشار الدوريات، مؤكدين عودة الشعور بالأمان إلى الأحياء والأسواق.
كما شهدت الفترة الماضية عودة التيار الكهربائي إلى عدد من المناطق، مع توفر الإمداد المائي في العديد من الأحياء، ما انعكس إيجاباً على استقرار الأسر وتهيئة الأجواء المناسبة لاستقبال رمضان والعام الدراسي الجديد.
الخرطوم تنهض:
تعكس هذه المؤشرات مجتمعة بداية مرحلة جديدة من التعافي والاستقرار بولاية الخرطوم، في ظل توافد أعداد متزايدة من المواطنين إلى منازلهم، واستعادة العاصمة لعافيتها تدريجياً.
وفي تفاصيل الحياة اليومية — من ضحكات الأطفال في الساحات، إلى موائد الإفطار الممتدة، إلى دفاتر مدرسية تُفتح على صفحة بيضاء — تتشكل ملامح عام يأمل السودانيون أن يكون عاماً لترسيخ الأمن واستدامة الاستقرار والتنمية… عاماً تعود فيه الخرطوم مدينةً تنبض بالحياة كما عهدها أهلها.
جولة ميدانية في الأسواق:
وفي جولة داخل عدد من أسواق الخرطوم، كان أبرزها السوق المركزي جنوب المدينة، وهو سوق مخصص لبيع الخضار واللحوم. وخلال الجولة، تبين ازدحامًا بائنًا ، حيث توافد المواطنون بأعداد كبيرة لشراء احتياجاتهم استعدادًا للشهر الفضيل.
إقبال واسع على الخضار والفواكه:
وأجمع عدد من التجار على أن حركة البيع شهدت خلال اليوم الأول لشهر الصيام نشاطًا ملحوظًا، خاصة في أقسام الخضار والفواكه. وأشاروا إلى أن الإقبال تزايد خلال الأيام الأولى من رمضان، في مشهد يعكس حرص الأسر على استعادة أجواء الشهر الكريم رغم الظروف الصعبة التي مرت بها البلاد.

الموز في الصدارة:
وأكد التجار أن الموز تصدر قائمة الفواكه الأكثر طلبًا، إلى جانب أصناف أخرى، فيما تظل الفواكه عنصرًا أساسيًا على مائدة الإفطار الرمضاني.
تجار صمدوا خلال الحرب:
وفي حديثه، قال تاجر الخضار مكي الجاك، الذي يفترش الأرض لعرض بضاعته داخل السوق المركزي، إنه ظل مقيمًا في العاصمة طوال فترة الحرب ولم يغادرها، مشيرًا إلى أنه عاد مباشرة لمزاولة نشاطه عقب تحسن الأوضاع.
وأضاف أن الإقبال على بضاعته كبير رغم بساطة موقعه، مبينًا أن الطماطم تشهد طلبًا واسعًا ويتم تقسيمها إلى فئتين؛ إحداهما بسعر ألفي جنيه، والأخرى بألفين وخمسمائة جنيه.
كما أوضح أن سعر “السلطة” لا يتجاوز ثلاثة آلاف جنيه، مع وجود طلبات أحيانًا بسعر ألفي جنيه.
البطيخ… ضيف دائم على الإفطار:
من جانبه، أفاد أحد تجار الفواكه بأن حركة شراء الفواكه تبدأ عادة في الرابعة أو الرابعة والنصف عصرًا، مؤكدًا أن شهر رمضان يُعد موسمًا للبطيخ، إذ يحرص معظم أرباب الأسر على شراء بطيخة يوميًا مع بقية الفواكه، أو الاكتفاء بها وحدها كخيار رئيسي لمائدة الإفطار.
انتعاش أسواق الثلج:
وفي ظل استمرار انقطاع التيار الكهربائي عن عدد من الأحياء، شهدت أسواق الثلج انتعاشًا ملحوظًا داخل العاصمة.
وقال صاحب أحد محال بيع الثلج إن حركة الشراء تنشط في فترة العصر، موضحًا أن أقل من ربع قالب الثلج يُعبأ في أكياس ويُباع بسعر ألفي جنيه، في ظل حاجة الأسر لحفظ المياه والعصائر خلال ساعات الصيام.
وبطبيعة الحال فان أسعار الفاكهة والخضروات واللحوم تختلف من ولاية إلى ولاية في السودان وفي بعض مدن الولاية وتتحكم في عملية الأسعار نظرية العرض والطلب .
رمضان يعيد الأمل:
وتعكس هذه الحركة النشطة داخل أسواق الخرطوم مؤشرات واضحة على عودة الحياة تدريجيًا إلى طبيعتها، مع تمسك المواطنين بطقوسهم الرمضانية رغم آثار الحرب.
ففي أول رمضان بعد شهور من المعاناة، يبدو أن روح الصمود والتكافل ما تزال حاضرة، وأن العاصمة تخطو بثبات نحو استعادة عافيتها من جديد.
سونا
