أمين عام «الأدوية والسموم» : 13 مصنعاً عاد للإنتاج و409 ملايين دولار قيمة الواردات

68

مقدمة
رغم تداعيات الحرب التي ألحقت أضراراً واسعة بالبنية التحتية للقطاع الدوائي، يؤكد المجلس القومي للأدوية والسموم أن الموقف الدوائي في السودان «مطمئن ومستقر»، مشيراً إلى استئناف 13 مصنعاً دوائياً الإنتاج من أصل نحو 28 مصنعاً كانت تعمل قبل اندلاع الحرب.

وفي حوار مع وكالة السودان للأنباء «سونا»، يكشف الأمين العام للمجلس، الدكتور محمد بشير، حجم الأضرار التي لحقت بالمجلس ومختبراته، وتداعيات الحرب على صناعة الدواء وسلاسل الإمداد، موضحاً أن واردات الأدوية بلغت نحو 409 ملايين دولار خلال 2025، فيما سجلت 247 مليون دولار خلال النصف الأول من 2026.

ويتناول الحوار جهود المجلس لتأمين الإمداد الدوائي، ومكافحة التهريب، وتشديد الرقابة على المنافذ والأسواق، وضمان جودة الأدوية المحلية والمستوردة، إلى جانب مستقبل الصناعة الدوائية الوطنية وخطط إعادة بناء المجلس وتطوير قدراته الرقابية.

س/ ما اختصاصات المجلس القومي للأدوية والسموم؟

ج/ المجلس هو الجهة الرقابية والتنظيمية المختصة بالأدوية والمستحضرات الصيدلانية والمستلزمات الطبية ومستحضرات التجميل، ويضطلع بمهام التسجيل والرقابة والتفتيش وضمان مأمونية وجودة وفاعلية المنتجات المتداولة. ويعمل بالتنسيق مع وزارة الصحة الاتحادية، ومعمل «استاك»، وهيئة المواصفات والمقاييس، ووزارة الثروة الحيوانية، والجمارك والأمن الاقتصادي والأجهزة الرقابية الأخرى.

ويتكون المجلس من ست إدارات عامة متخصصة، إلى جانب مجلس إدارة ولجان فنية واستشارية، كما يمتلك فروعاً بالولايات تعمل وفق قانون المجلس لسنة 2009 واللوائح المنظمة لعمله.

س/ هل بدأ المجلس مساراً للتطوير المؤسسي قبل اندلاع الحرب؟

ج/ نعم. قبل اندلاع الحرب في أبريل 2023، كان المجلس يمضي في مسار واضح للتطوير المؤسسي، وكانت هناك خطة استراتيجية تستهدف تعزيز النظام الرقابي، وتحسين الإجراءات، وتطوير النظام الإلكتروني، وتأهيل الكوادر، وتعزيز العلاقات الدولية، ودعم الصناعة الدوائية الوطنية.

كان الهدف أن نرتقي بمستوى أداء المؤسسة الرقابية وفق المعايير الدولية، وأن نعمل على بناء منظومة أكثر كفاءة واستدامة.

وفي تلك المرحلة شهدت إجراءات التسجيل تقدماً ملحوظاً من حيث التسريع والتسهيل في الإجراءات، كما توسعت الشراكات مع المؤسسات الدولية والجهات النظيرة، وعمل المجلس على تطوير قدرات المختبر الوطني للرقابة والبحوث الدوائية وإدخال التقنيات والأجهزة الحديثة.

س/ ماذا حدث للمجلس بعد اندلاع الحرب في أبريل 2023؟

ج/ الحرب كانت اختباراً حقيقياً للمؤسسات الوطنية بصورة عامة، وللقطاع الدوائي بصورة خاصة. تعرضت البنية التحتية للمجلس لأضرار كبيرة، وتأثر المقر والمختبر، وفقد المجلس ممتلكاته وأصوله ونهبت متحركاته، كما تعرض المبنى لحريق جزئي وكذلك المختبر، ونزح عدد كبير من العاملين بالمجلس إلى ولايات السودان المختلفة والخارج.

لكن الرسالة لم تتوقف.

كان السؤال أمامنا: كيف يمكن أن تستمر مؤسسة مسؤولة عن الدواء عندما تتعرض المؤسسة نفسها لظروف الحرب؟

كانت الإجابة هي إعادة ترتيب الأولويات، والاستمرار من المواقع المتاحة، وتفعيل الفروع، وتعزيز العمل في الولايات، والاستفادة من الشراكات الوطنية والدولية.

انتقل العمل إلى مواقع بديلة، واتخذ المجلس من بورتسودان مقراً مؤقتاً لأعماله، كما تم دعم العمل في عدد من الولايات، واستمرت المتابعة الرقابية والتسجيل والترخيص والتفتيش وفق الظروف والإمكانات المتاحة.

س/ ما حجم الأضرار التي تعرض لها المجلس نفسه خلال الحرب؟

ج/ تعرض المجلس لخسائر وأضرار مادية كبيرة نتيجة الحرب، وشملت الأضرار المختبر التابع للمجلس، وقدرت قيمة الأضرار ما يقارب 6 ملايين دولار. ورغم ذلك، استمر المجلس في أداء مهامه الرقابية والتنظيمية والعمل على استعادة قدراته تدريجياً.

س/ هل أثرت الحرب على الإمداد الدوائي؟

ج/ بالتأكيد. الحرب أثرت في المصانع والمخازن والصيدليات وسلاسل الإمداد والنقل والتمويل، وبالتالي انعكست بصورة مباشرة على توفير عدد من الأدوية، خاصة الأدوية المنقذة للحياة وأدوية الأمراض المزمنة.

كان لا بد من العمل على فتح قنوات الاستيراد، وتسهيل الإجراءات، وتشجيع الصناعة الوطنية، وضبط قنوات التوزيع، ومكافحة التهريب. وبصورة عامة، الوضع الدوائي مطمئن ومستقر.

س/ ما الإجراءات التي اتخذها المجلس لضمان استمرار توفر الدواء أثناء الحرب؟

ج/ اتخذ المجلس عدداً من الإجراءات الاستثنائية التي تتناسب مع ظروف الحرب والطوارئ، من بينها تسهيل إجراءات الاستيراد، وتوسيع قنوات العمل من خلال فروع المجلس بالولايات، وتعزيز التعاون مع الجهات النظيرة والمؤسسات الدولية، ودعم التصنيع التعاقدي، وتحديث بعض الإجراءات واللوائح بما يتناسب مع الظروف الاستثنائية للطوارئ.

كما تم تعزيز التعاون مع الجهات الرقابية الوطنية، ومع المؤسسات النظيرة خارج السودان، ومن بينها هيئة الدواء المصرية، بما يساعد في استمرار انسياب المنتجات الدوائية وفق الضوابط المطلوبة.

وكانت الأولوية دائماً هي ألا تتوقف منظومة الدواء، وأن يستمر وصول المنتجات الدوائية والمستلزمات الطبية إلى المواطن رغم الظروف.

س/ وماذا عن الإنتاج المحلي، خاصة بعد الأضرار التي لحقت بالمصانع خلال الحرب؟

ج/ قبل اندلاع الحرب كان هناك نحو 28 مصنعاً دوائياً تعمل في البلاد، وقد تمكن 13 مصنعاً حتى الآن من استئناف الإنتاج. وتشمل المصانع التي عادت إلى دائرة الإنتاج مجالات الأدوية والمستلزمات الطبية وإنتاج الأكسجين، وهو أمر مهم في دعم الإمداد الدوائي والصحي وتقليل الاعتماد على الاستيراد.

س/ كيف تصفون الموقف الدوائي في السودان في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد؟

ج/ يمكن القول إن الموقف الدوائي في السودان مطمئن، رغم التحديات الكبيرة التي فرضتها الحرب والأضرار التي لحقت بالبنية التحتية للقطاع الدوائي، ويواصل المجلس جهوده لضمان توفر الأدوية وانسيابها والعمل على معالجة التحديات التي تواجه القطاع.

س/ ما حجم الأدوية التي تم استيرادها خلال الفترة الماضية؟

ج/ خلال العام 2025 بلغت قيمة واردات الأدوية نحو 409 ملايين دولار، بينما بلغت قيمة واردات الأدوية خلال النصف الأول من العام 2026 نحو 235 مليون دولار للأدوية البشرية، إضافة إلى نحو 12 مليون دولار للأدوية البيطرية، بإجمالي يقارب 247 مليون دولار خلال ستة أشهر. وتعكس هذه الأرقام استمرار حركة الاستيراد والعمل على توفير الاحتياجات الدوائية للبلاد.

س/ ماذا عن الرقابة على الأدوية التي تدخل عبر المنافذ والحدود؟

ج/ السودان لديه حدود واسعة وعدد كبير من المعابر، وهذا يجعل الرقابة تحدياً كبيراً، خاصة في ظل الظروف الاستثنائية.

عمل المجلس على تعزيز الرقابة على المنافذ بالتنسيق مع هيئة الجمارك والأجهزة الأمنية المختصة والجهات ذات الصلة الأخرى، وهناك توجه لتعزيز وجود المجلس في المعابر، لأن الرقابة تبدأ من نقطة دخول الدواء.

كما أن مكافحة التهريب لا تعتمد على ضبط المنافذ فقط، وإنما تشمل تسجيل المنتجات، وضبط الاستيراد، ومتابعة المخازن، والرقابة على التوزيع، والتأكد من عدم دخول المنتجات غير المسجلة أو غير المطابقة إلى قنوات التداول.

س/ ما وضع الصناعة الدوائية الوطنية في ظل الظروف الحالية؟

ج/ الصناعة الوطنية تمثل أحد أهم عناصر الأمن الدوائي في السودان.

وقد أثبتت المصانع الوطنية أهميتها بصورة واضحة خلال الأزمات، خاصة عندما تأثر الاستيراد، واستطاعت بعض المصانع توفير عدد من الأدوية الأساسية والمضادات الحيوية والمسكنات خلال فترة كورونا.

لكن الصناعة الوطنية تواجه تحديات، وفي مقدمتها التمويل، وتوفير النقد الأجنبي، وارتفاع تكلفة مدخلات الإنتاج والطاقة والنقل، إضافة إلى الحاجة لتحديث خطوط الإنتاج.

لدينا مصانع قائمة تعمل، وهناك مشروعات صناعية تحتاج إلى التمويل حتى تدخل الإنتاج أو توسع طاقتها، ولذلك فإن دعم الصناعة الوطنية ليس دعماً لقطاع اقتصادي فقط، وإنما هو استثمار مباشر في الأمن الدوائي للسودان.

س/ كيف يضمن المجلس جودة وسلامة الأدوية؟

ج/ تخضع الأدوية المحلية والمستوردة للفحص والتحليل قبل تداولها، ولا تُجاز إلا بعد التأكد من مطابقتها للمواصفات المعتمدة، كما ينفذ المجلس زيارات رقابية للمصانع خارج السودان للتحقق من التزامها بالاشتراطات الفنية والطبية.

س/ ماذا عن مشروعات التوسع في التصنيع الدوائي؟

ج/ توجد مشروعات لمصانع جديدة وتطوير خطوط إنتاج قائمة، ويعتمد تشغيلها على توفير التمويل والطاقة واستكمال المتطلبات الفنية، بما يدعم زيادة الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على الاستيراد.

س/ كيف يتعامل المجلس مع الأدوية النفسية والمخدرة؟

ج/ يوازن المجلس بين منع إساءة استخدام الأدوية الخاضعة للرقابة وضمان وصولها للمرضى المحتاجين لها. وتخضع هذه الأدوية لضوابط خاصة في الصرف والتداول، مع تعزيز التنسيق بين الجهات الصحية والأمنية للحد من التزوير وسوء الاستخدام، ودراسة تخصيص صيدليات محددة لصرفها وفق ضوابط واضحة تحمي المرضى والصيادلة.

س/ كيف يمكن تحقيق التوازن بين تشديد الرقابة وتوفير الدواء للمريض؟

ج/ التشدد الرقابي لا ينبغي أن يعني حرمان المريض من العلاج.

المطلوب هو أن تكون الرقابة ذكية وموجهة، وأن نعرف من هو المريض الذي يستحق الدواء، وأن نضبط الوصفة الطبية، وأن نمنع التزوير والتلاعب، وأن نوفر في الوقت نفسه منافذ آمنة ومعلومة للحصول على العلاج.

وهذا يتطلب تطوير الأنظمة الإلكترونية وربط الجهات ذات الصلة، إلى جانب التعاون المستمر مع الأجهزة الأمنية والجهات الصحية.

س/ ماذا عن أسعار الأدوية في ظل ارتفاع سعر الصرف؟

ج/ جزء كبير من الأدوية في السودان يعتمد على الاستيراد، وبالتالي فإن سعر الصرف وتكاليف الشحن والنقل والتأمين ومدخلات الإنتاج تؤثر بصورة مباشرة على السعر النهائي.

المجلس لديه لجنة للأسعار ولائحة تنظم عملية التسعير، ويتم احتساب السعر وفق الأسس والضوابط المعتمدة.

لكن مشكلة السعر ليست مشكلة المجلس وحده؛ فهي مرتبطة بالاقتصاد الكلي، والتمويل، وسعر الصرف، وتكلفة الاستيراد والإنتاج والنقل.

لذلك فإن معالجة الأسعار تحتاج إلى حزمة متكاملة من السياسات، تشمل دعم الصناعة الوطنية، وتوفير النقد الأجنبي، وتحسين سلاسل الإمداد، وضبط التوزيع.

س/ ما دور المجلس في تنظيم استيراد الأدوية بواسطة المنظمات؟

ج/ المنظمات يمكن أن تلعب دوراً مهماً في المناطق التي تعاني من ضعف الخدمات الصحية، خاصة المناطق النائية والمتأثرة بالأزمات.

لكن العمل الإنساني لا يعني غياب الرقابة.

هناك ضوابط فنية صادرة من المجلس تحكم عمل المنظمات بالمركز والولايات.

كما يقوم المجلس بمراجعة المنتجات والتأكد من سلامتها قبل تداولها، ويمكن أن يرفض أي منتج أو مخزن لا يستوفي المتطلبات الفنية.

الهدف هو تحقيق معادلة بين تسهيل وصول المساعدات الدوائية إلى المحتاجين وضمان سلامة وجودة تلك المنتجات.

whatsapp
أخبار ذات صلة