اللواء محمدين إسماعيل ينشق عن تحالف «تأسيس» وينضم للجيش السوداني ويتهم أسرة دقلو
يوسف عز الدين كامل
اللواء محمدين إسماعيل أحمد ينشق عن تحالف «تأسيس» وينضم للجيش السوداني.. يتهم أسرة دقلو بارتكاب جرائم الحرب ومحاولة السيطرة على السودان بدعم خارجي
انشقاقات متتالية تهز مليشيا الدعم السريع المدعومة إماراتياً وحلفاءها، وسط اتهامات متصاعدة لأسرة دقلو بارتكاب الفظائع، واعتذارات للشعب السوداني، وانضمام قيادات عسكرية إلى الجيش بالتزامن مع هزائم المليشيا الميدانية.
أعلن اللواء محمدين إسماعيل أحمد، نائب رئيس هيئة الأركان للإدارة في تجمع قوى تحرير السودان المتحالف مع مليشيا الدعم السريع المدعومة من الإمارات ضمن تحالف «تأسيس»، انشقاقه عن التحالف وانضمامه إلى القوات المسلحة السودانية، برفقة مجموعة من الضباط وضباط الصف والجنود. وفي بيان مصور وجهه إلى الشعب السوداني، اتهم محمدين قيادة المليشيا، وعلى رأسها أسرة دقلو، بارتكاب جرائم الحرب والتطهير العرقي والاغتصاب والنهب، مؤكدا أن هذه الجرائم، إلى جانب اكتشافه زيف الشعارات التي رفعتها المليشيا، دفعته إلى اتخاذ قرار الانشقاق والعودة إلى صفوف القوات المسلحة.
ويأتي هذا الانشقاق بعد يومين فقط من انشقاق المقدم محمد أزرق الفنجري، قائد مجموعة المهام الخاصة بمليشيا الدعم السريع، برفقة نحو 300 ضابط وجندي و30 عربة قتالية، في تطور يعكس تسارع وتيرة الانشقاقات داخل المليشيا وتحالفاتها العسكرية، بالتزامن مع الهزائم التي تعرضت لها في شمال كردفان.
وكانت وكالة السودان للأنباء قد أوردت في 3 أكتوبر انضمام قوة يقودها محمدين إسماعيل، المعروف باسم «أبو ذرة»، إلى القوات المسلحة بمحور الطينة في شمال دارفور، وذكرت أن القوة ضمت 106 مقاتلين، بينهم 18 ضابطا، إلى جانب عدد من العربات القتالية. ويقدم البيان المصور تفاصيل إضافية عن الأسباب التي دفعته إلى مغادرة التحالف، وموقفه من قيادة المليشيا والحرب الدائرة في السودان.
وقال محمدين إن قراره جاء استجابة للعفو العام الذي أقره رئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، موضحا أن انشقاقه يستند إلى ثلاثة أسباب رئيسية، في مقدمتها رفض الجرائم التي ارتكبتها المليشيا بحق المدنيين السودانيين.
واتهم محمدين أسرة دقلو بالاستيلاء على مليشيا الدعم السريع ومحاولة السيطرة على السودان بأكمله بمساعدة أطراف خارجية، قائلا إن قادة المليشيا ارتكبوا جرائم الحرب والتطهير العرقي والاغتصاب والنهب، وإن بسالة القوات المسلحة والشعب السوداني أفشلت مخططاتهم. وأضاف أنه ورفاقه كانوا يعتقدون أنهم يقاتلون من أجل قضية عادلة، قبل أن يكتشفوا أنهم يقفون إلى جانب جماعة لا تحمل قضية حقيقية، وأن الشعارات التي رفعتها بشأن التغيير والعدالة كانت وسيلة لخداع المقاتلين واستقطابهم.
وفي حديث لافت عن التحول الذي طرأ على المجموعات المنضوية تحت المليشيا، قال محمدين إنهم كانوا في السابق زعماء وأعيانا يحترمون الضيف ويحمون المستجير، لكن ارتباطهم بالمليشيا جعلهم في صف من وصفهم بالخونة واللصوص. وأكد أن الجرائم والانتهاكات التي ارتكبت خلال الحرب تتعارض مع أخلاقهم وعاداتهم وتقاليدهم، وأنهم أصبحوا يشعرون بالخجل من ارتباطهم بها. وأضاف أن ما وجدوه بعد انضمامهم إلى المشروع الذي روجت له المليشيا كان الدمار والموت والخراب، بداية من أهلهم في دارفور وامتدادا إلى بقية أنحاء السودان.
وقدم محمدين، باسمه وباسم رفاقه، اعتذارا مباشرا للشعب السوداني عن وقوفهم إلى جانب المليشيا، قائلا: «نحن بنطلب السماح من كل الشعب السوداني، لأننا وقفنا في صف الباطل الأعوج، لكن والله كنا مخدوعين». وأكد في الوقت نفسه أنهم لم يشاركوا في ارتكاب الجرائم أو الاعتداء على حرمات المواطنين، وأنهم كانوا يرفضون تلك الانتهاكات، معبرا عن ثقته في براءتهم منها. وتكتسب هذه التصريحات أهمية خاصة لصدورها عن قيادي بارز في إحدى الحركات المسلحة المتحالفة مع الدعم السريع، يقر علنا بأنه ورفاقه تعرضوا للخداع باسم التغيير والعدالة.
كما وجه محمدين رسالة مباشرة إلى الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، أكد فيها استعداده ورفاقه للتحرك فور تلقي التعليمات العسكرية، والمشاركة في العمليات ضد مليشيا الدعم السريع، قائلا إنهم مستعدون للقتال من كردفان حتى أم دافوق، وإن القوات المسلحة ستجدهم دائما في الصفوف الأمامية. وأشاد بالقادة والمقاتلين الذين سبقوهم في الانشقاق والعودة إلى القوات المسلحة، وشكرهم على جهودهم في تشجيع مجموعته ومساعدتها على اتخاذ القرار.
ويكتسب انشقاق محمدين أهمية إضافية باعتباره أحد القيادات العسكرية في تجمع قوى تحرير السودان بقيادة الطاهر حجر، المتحالف مع مليشيا الدعم السريع ضمن تحالف «تأسيس»، إذ يشير خروجه إلى امتداد الانقسامات إلى الحركات المسلحة التي تحالفت مع المليشيا في محاولة لتوسيع قاعدتها السياسية والعسكرية.
وكان المقدم محمد أزرق الفنجري قد أعلن، قبل يومين، انشقاقه عن المليشيا، وأصدر بيانا مصورا اعتذر فيه للشعب السوداني عن الأضرار والتهجير والفقد خلال الحرب، وتبرأ من الانتهاكات التي طالت المدنيين في أرواحهم وممتلكاتهم وأعراضهم. كما دعا زملاءه السابقين إلى مغادرة المليشيا والالتفاف حول القوات المسلحة، مؤكدا أن «هذه الحرب بلا قضية وبلا مستقبل». وتتشابه تصريحاته مع ما ورد في بيان محمدين بشأن الخداع الذي تعرض له المقاتلون، وانعدام القضية التي تبرر استمرار الحرب، والاعتذار للشعب السوداني.
وشهدت المليشيا خلال عام 2026 انشقاقات بارزة شملت اللواء النور أحمد آدم، المعروف باسم «النور القبة»، والعميد علي رزق الله «السافنا»، اللذين ارتبط خروجهما بخلافات مع قيادة المليشيا وشكاوى من التهميش واستئثار أسرة دقلو بالقرارات والموارد. كما انشقت قوات بقيادة العميد موسى خمسين وأبو بكر دحلوب والطيب الأحيدب، سبقها في أكتوبر 2024 انشقاق أبو عاقلة كيكل، قائد قوات درع السودان، في واحدة من أبرز الضربات التي تعرضت لها المليشيا خلال الحرب.
وتكشف هذه الانشقاقات عن خلافات متراكمة داخل المليشيا بشأن القيادة وتوزيع الموارد والتمييز بين المجموعات القبلية، خاصة في ظل هيمنة أسرة دقلو والمقربين منها على القرار العسكري. وقد برزت شكاوى من التهميش وسوء المعاملة وسط مجموعات من المسيرية والمحاميد، في تناقض مع الشعارات التي ترفعها المليشيا بشأن المساواة والعدالة وبناء دولة تتجاوز الانقسامات القبلية. ويكتسب هذا التناقض أهمية إضافية مع خروج قيادات من الحركات المتحالفة معها، مثل محمدين، الذي أقر بأن المشروع الذي انضم إليه باسم التغيير والعدالة انتهى إلى الدمار وارتكاب الجرائم.
وتتزامن هذه التطورات مع الهزائم العسكرية التي تعرضت لها المليشيا في شمال كردفان، حيث استعادت القوات المسلحة والقوات المساندة لها سودري وأم شرو في سبتمبر، ثم المزروب في 2 أكتوبر، بعد عمليات عسكرية ألحقت بالمليشيا خسائر كبيرة في الأفراد والعتاد. وتزيد هذه الانتكاسات الضغوط على قيادتها ومقاتليها، خاصة مع تصاعد الخلافات الداخلية وتراجع الثقة في قدرتها على مواصلة العمليات العسكرية. ورغم الدعم الإماراتي الواسع الذي ساعد المليشيا على الاستمرار في الحرب، فإن استمرار هذا الدعم لا يعالج التصدعات المتزايدة داخل تشكيلاتها وتحالفاتها.
ويضيف انشقاق اللواء محمدين إسماعيل أحمد، بعد يومين فقط من انشقاق المقدم محمد أزرق الفنجري، بعدا جديدا لهذه التطورات، إذ امتدت الانشقاقات من التشكيلات العسكرية المباشرة للمليشيا إلى الحركات المسلحة المتحالفة معها ضمن تحالف «تأسيس». ومع استمرار العمليات العسكرية في كردفان وتوالي خروج القادة والمقاتلين، تتزايد التساؤلات بشأن قدرة قيادة الدعم السريع على الحفاظ على تماسك قواتها وتحالفاتها، خاصة بعدما أصبح بعض قادتها وحلفائها السابقين يوجهون إليها اتهامات علنية بالخداع وارتكاب الجرائم، ويدعون المقاتلين إلى التخلي عنها والعودة إلى صفوف القوات المسلحة السودانية.
