أسماء عبد الله .. دبلوماسية ناعمة لكسر عُزلة السودان

254

الخرطوم “تاق برس” – أثار تعيين السفيرة السابقة أسماء محمد عبدالله وزيرة لخارجية السودان في حكومة عبدالله حمدوك اهتمام الرأي العام المحلي والعالمي، كونها أول امرأة تتقلد هذا المنصب في تاريخ البلاد.

وبنيلها ثقة “حمدوك” تكون أسماء محمد قد كتبت التاريخ مرتين، فهي ضمن أول 3 سودانيات عملن في المجال الدبلوماسي، وذلك إضافة إلى فاطمة البيلي وزينب عبدالكريم.

ويقول مقربون من الوزيرة أسماء، لـ”العين الإخبارية”، إنها قبلت التحدي ليس طمعا في السلطة، لكن لإثبات قدرة المرأة السودانية على تولي أخطر المهام حساسية في الدولة.

وبهذا المنصب، تقود وزيرة الخارجية الجديدة المغامرة ذاتها والتي فعلتها مع زميلتيها “فاطمة وزينب”، اللاتي كسرن التقاليد واقتحمن مجال الدبلوماسية الذي كان حكرا على الرجال.

ووضعت أسماء محمد عبدالله، التي يصفها من عملوا معها بالبشوشة والهادئة، نفسها أمام طريق مليء بالأشواك والتحديات وحالة عزلة غير مسبوقة يعيشها السودان بسبب سياسات تنظيم الإخوان البائد بقيادة المعزول عمر البشير.

وتقول سيرتها الذاتية إنها من مواليد ضاحية “الخرطوم 2” العريقة في آخر أربعينيات القرن الماضي، ودرست مراحلها الإعدادية والثانوية وكذلك الجامعية بالعاصمة.

وبمجرد تخرجها في الجامعة، تم توظيفها بوزارة الخارجية السودانية عام 1970 كواحدة من 3 سيدات دخلن مجال العمل الدبلوماسي، وتدرجت فيها إلى أن وصلت لدرجة وزير مفوض.

وخلال فترة عملها الدبلوماسي الذي امتد إلى 20 عاما تنقلت بين عدد من المواقع؛ حيث شغلت منصب نائب مدير دائرة الأمريكتين في رئاسة وزارة الخارجية، والبعثات الدبلوماسية بالخارج، منها الرباط وستوكهولم والنرويج وموسكو والمنظمة الإسلامية للتربية والثقافة والعلوم.

لم يكتب لمسيرة أسماء عبدالله أن تمضي لنهاياتها، وكغيرها من الكفاءات السودانية فقد طالها الفصل التعسفي عام 1990 بعدما صعد تنظيم الإخوان الإرهابي إلى السلطة بانقلاب عسكري وسنه قانون “الفصل للصالح العام” الذي أبعد بموجبه كل من يعارض مشروعه الأيديولوجي.

ابتعدت “أسماء” قليلا عن السودان والعمل الدبلوماسي وهاجرت لتستقر مع زوجها الفنان التشكيلي عمر محمد عثمان في منفاه الاختياري بالعاصمة المغربية (الرباط)، لتمضي عددا من السنوات هناك، قبل أن تعود للخرطوم مجددا وتفتح مركزا للترجمة كوسيلة للكسب تمكنها من البقاء.
كفاءة من رحم الدبلوماسية

السفير السابق بالخارجية السودانية، الطريفي أحمد كرمنو، أكد كفاءة أسماء محمد عبدالله لأنها تعينت بوزارة الخارجية في زمن كانت فيه اشتراطات الكفاءة صعبة للغاية، ويستحيل أن تدخل المجال الدبلوماسي بلا مؤهلات، كما حدث في زمن وقت لاحق.

وقال الطريف لـ”العين الإخبارية”: “أسماء تدرجت في عددٍ من المناصب بوزارة الخارجية، إلى أن فصلتها حكومة الإخوان عام 1990 وكانت وقتها وزيرة مفوضة ونائبة رئيس بعثة السودان بموسكو، واختفت كغيرها من ضحايا سلطة الإنقاذ بقيادة البشير”.

وأضاف: “اختيار رئيس الوزراء عبدالله حمدوك لها وزيرة للخارجية دليل على كفاءتها، ولا تقل تأهيلا عن بقية زميلاتها من بنات جيلها اللاتي حققن نجاحات لافتة في مهام دبلوماسية أوكلت لهن، فهي جديرة بأن تكون أول امرأة تتقلد منصب وزير خارجية بعد استقلال السودان عام 1956”.

وتابع: “كل الذين تم تعيينهم في وزارة الخارجية قبل عام 1989 وهو تاريخ صعود الإخوان للسلطة أكفاء وجديرون بقيادة أي مهمة، ولكن ما دونهم ليس مثلهم، حيث عبثت سلطة عمر البشير بالعمل الدبلوماسي وأدخلت غير المؤهلين على أسس التعيين السياسي”.
الفصل التعسفي

ويقول السفير السوداني المتقاعد جمال محمد إبراهيم إن “أسماء محمد عبدالله وفاطمة البيلي دخلتا وزارة الخارجية عن جدارة بعد أن اجتازتا جميع الامتحانات والاختبارات المطلوبة، ووصلتا إلى درجة متقدمة ولكن لم يصلا درجة سفير بسبب بعض التعقيدات”.

إبراهيم أكد كذلك أن “أسماء محمد الله بعد فصلها تعسفياً لم تبتعد كثيراً عن العمل الدبلوماسي، حيث عملت بمركز لترجمة المذكرات والمراجعات المتعلقة بالدبلوماسية، حيث إنها مؤهلة لقيادة دفة العمل الخارجي للسودان”.

وتابع: “هناك من تحفظ عليها بسبب كبر سنها، ولكنها قادرة على العطاء، فالسبعينيون يصبحون أكثر قدرة على قيادة العمل العام من واقع خبراتهم، فقط تحتاج إلى مساعدين ووكيل قوي يعملون إلى جانبها”.
احتفاء نسائي

في مغامرة جديدة، عادت “أسماء” وزيرة للخارجية، مخلفة فرحة عارمة وسط نساء السودان، حيث اعتبرن تعيينها في المنصب الكبير بمثابة انتصار لنضالاتهن المتراكمة.

تقول عنها الناشطة الحقوقية تهاني عباس إنها “امرأة مؤهلة ومثقفة وعلى إلمام واسع بالعلاقات الدولية، وتدرجت في العمل الدبلوماسي بالشكل المعروف، واستحقت منصب وزير الخارجية عن جدارة واستحقاق ولم يكن تعيينها سياسيا أو محاباة”.

وأضافت عباس أن صعود أسماء وزيرة للخارجية يدحض فزاعة عدم مقدرة النساء على تولي المواقع الحساسة والمهمة في الدولة، ويؤسس لعهد جديد للمرأة السودانية التي شاركت بفاعلية في الثورة.

وتابعت: “تعيينها انتصار لإرادة النساء في بلادي، وهو تتويج لنضالات المرأة السودانية، وسنقف إلى جانبها وسنشكل فريقا خاصا لمساعدتها متى ما كان ذلك مطلوبا”.
بصمات باقية

ولم يتوقف الاحتفاء بصعود أسماء عبدالله عند محطة النساء، فذات الفرحة اجتاحت منتسبي وزارة الخارجية الذين أعربوا عن سعادتهم بتعيين وزير منتمٍ للحقل الدبلوماسي بعدما كانوا منكوبين بالتعيينات السياسية في المنصب المرموق.

ويقول دبلوماسي في وزارة الخارجية لـ”العين الإخبارية”، مفضلا عدم ذكر اسمه: “أسماء محمد عبدالله من الكفاءات السودانية النادرة، ولا تزال بصماتها موجودة بالوزارة، وقد رحب زملاؤنا بتعيينها وزيرة”.

وتابع: “أسماء مرنة وهادئة وبشوشة، وربما اختارها حمدوك لقرب مدرستهم وتوجهاتهم في التعاطي مع الشأن الخارجي، وهو ما يصب إيجابا في انفتاح السودان على العالم وإنهاء القيود المفروضة عليه”.

وتابع: “نجاح الوزيرة أسماء محمد عبدالله مرهون بمدى إيمانها بعمل الفريق الواحد المطلوب خلال المرحلة الحساسة في تاريخ بلادنا، ومهمة الانفتاح الخارجي ورفع كل أشكال العقوبات والعزلة التي تنتظرنا”.

أخبار ذات صلة المزيد من الكاتب