عمرو منير دهب…حرام على الصين حلال على الغرب.

151

أرجو أن يصبر القارئ على الاقتباس التالي من كتاب نيال فرغسون – بروفيسور التاريخ في هارفرد – عن الحضارة، والذي تمت الإشارة إليه سابقاً: “انتشرت الثورة الصناعية البريطانية عبر أوروبا مثل ما فعلت الثورة الفرنسية من قبلها، لكنها كانت فتحاً سلمياً. عجز المخترعون العظام عن حماية ما أصبحنا نسمِّيه هذه الأيام حقوقهم الفكرية. استـُـنسخت، لهذا السبب، التقنيات الجديدة بسرعة كبيرة، وهكذا ظهرت نسخ مقلدة منها في القارة وعبر الأطلسي. شـُـيِّد أول معمل قطن حقيقي، ابتكره ريتشارد آركرايت، في كرومفورد في ديربي شاير في العام 1771. ظهرت نسخة من هذا المعمل في فرنسا في غضون سبع سنوات. لكن الفرنسيين استغرقوا ثلاث سنوات فقط قبل أن ينجحوا في تقليد محرك وات البخاري الذي ظهر في العام 1775. ظهرت في ألمانيا في العام 1784 نسخ من هذين الاختراعين، ويعود معظم الفضل في ذلك إلى عمليات التجسس الصناعي. تميز الأميريكيون بإنتاج قطنهم الخاص بهم، وكذلك بإمكانية استخراج الفحم الذي يريدونه، لكنهم كانوا أبطأ قليلاً. ظهر أول معمل للقطن عندهم في نهر باس، ماساشوستس في العام 1788، أما أول محرك بخاري فقد ظهر في العام 1803. أما البلجيكيون والهولنديون والسويسريون فلم يتخلفوا كثيراً عن الركب. كان المشهد مألوفاً بعد أن بدأت أولى القاطرات البخارية بجرّ العربات في ستوكتون، وسكك حديد دارلينغتون في العام 1825، بالرغم من أن ذلك الاختراع لم يستغرق أكثر من خمس سنوات ليعبر المحيط الأطلسي، وذلك مقارنة بالسنوات الاثنتي عشرة التي استغرقها للوصول إلى ألمانيا والسنوات الاثنتين والعشرين التي استغرقها للوصول إلى سويسرا. تحسنت كثيراً في هذا الوقت فاعلية التكنولوجيا، وهكذا أصبحت المناطق ذات اليد العاملة الرخيصة أكثر جذباً من الناحية الاقتصادية حتى وإن كانت أفقر بالفحم”.

في المقابل يشكو لودقار خبير هندسة التحكم في سيمنز الألمانية للمهندسين العرب المبتعثين في دورة تدريبية على أجهزة حديثة تعاقدوا عليها مع الشركة الألمانية العملاقة، يشكو لودقار من المهندسين الصينيين المبتعثين من بلادهم لغرض مشابه، فالأخيرون باتوا يُستقبلون من قبل القائمين على شؤون التدريب في المصنع الأوروبي العملاق بتدابير رفيعة من الحذر والريبة، كونهم يفِدون – والعهدة على لودقار – بغرض التجسس التقني وليس التدريب محضاً. وللحق، فإن الخبير الألماني لم يكن يقول ذلك في صيغة تذمُّر من صنيع غير أخلاقي قدرَ ما كانت زفرة ضيق من محاولات يائسة للإمساك بالعيون الدقيقة متلبسة بالاختلاس في هذه الزاوية أو تلك من مقرّ التدريب، فدهاء الصينيين كان كفيلاً بالإفادة من المواد التدريبية الاعتيادية نفاذاً لما وراءها من الخفايا في غضون أسئلة مشروعة عن المنتج المتعاقــَـد عليه يصعب على المدربين الألمان تفادي الإجابة المباشرة عليها كل مرة.

ولكن لغير لودقار من خبراء الهندسة وسواها في الغرب – فضلاً عن ثعالب السياسة كحالة شديدة الخصوصية في هذا الباب – زفرات ضيق من الاستنساخ الآسيوي (والصيني بصفة محدّدة) تكاد تـُـبـرز الغربَ في هيئة المجني عليه خالص البراءة.

وإذا رأينا في كلام فرغسون السابق ما يؤكد أن الغرب نفسه قد عمد إلى استنساخ التقنية بعضه عن بعض في وقت قريب مضى، فإن الصينيين تحديداً – بوصفهم المتــَّهَم الأبرز مؤخراً بسرقة التقنية والأفكار من الغرب – لا يرون بأساً بالنقل (مها غلظت مرادفاته من الألفاظ)، ليس لأن دول الغرب قد اجترحته من قبل فيما بينها، بل لأن الحضارة الغربية الحديثة برمّتها قد أخذت عن الشرق – ومجدداً الصين بصفة خاصة – وهي تنهض. هذا ما أكّد فحواه مرة كما سبقت الإشارة مستثمر عقارات صيني يتاجر ببيع نماذج مصغرة في الصين لعواصم الغرب الشهيرة كباريس ولندن وروما. بل إن نيال فرغسون نفسه ذكر فيما عرضنا له من قبل في كتابه المشار إليه وهو يطوف في بعض فصوله بأوروبا الغربية في العام 1411 أن “فكرة احتمال هيمنة الغرب (حينها) على بقية أنحاء العالم طوال معظم الخمسمائة سنة المقبلة هي فكرة مغرقة في الخيال”، ثم يضيف مباشرة: “لكن هذه الهيمنة تحققت بالفعل”. وفي الموضع ذاته من الكتاب تفصيل للمنجزات الصينية على صعيد الأفكار والواقع بما يبرز الغرب حينها كمنطقة متخلفة – بامتياز – من العالم، وبما استدعى علماء الغرب وساسته وقتاً طويلاً للاستنساخ، وهو الفعل الذي بات يُنظر إليه اليوم من قبل الغرب – المزايد في التشديد على أمانة النقل – بوصفه عملاً غير أخلاقي لا يستوجب الذم فحسب وإنما العقوبة أيضاً بتهمة جديدة تم ابتداعها خصيصاً فيما يبدو هي الاعتداء على الملكية الفكرية، وهي تهمة حق يراد بها باطل في الغالب عندما تصوَّب تجاه الشرق ممثلاً في التنين الصيني المغري بتقبُّل تلك الشاكلة من التهم والأوصاف.

ولكن تذمُّر الغرب من الصين لا يخلو من الأشكال الصريحة والشجاعة في مواجهة الحقائق بأدنى قدر من الالتفاف، فالخبير الفرنسي في منتجات دقائق الهندسة الإلكترونية يحاول تبرير ارتفاع سعر المنتج الفرنسي بالمنافسة الشرسة والمعروفة من قبل الصينيين، لكنه لا يستسلم لإغراء التهمة المبذولة بتدنــِّي جودة المنتج الصيني المنافس أو التهمة الأكثر دغدغة لمشاعر المستهلكين النبلاء (كم عددهم في الأسواق؟) باتــِّـباع الصين سبلاً غير مشروعة للخروج بمنتج منافس عالي الجودة (كالإجهاز الفاضح على حقوق العمال، بل الإنسان، وهي تهمة صحيحة تماماً على كل حال)، لا يعمد الخبير الفرنسي لأيٍّ مما سبق من سبل التبرير وإنما يواجه حضوره من المهندسين المنصتين لعرضه التقديمي بالحقيقة في نبرة لا تخلو من اليأس الصريح: “نفعل ما بوسعنا لمجابهة المنافسة الصينية، ولكن كما تعلمون الصين هي… الصين”.

إزاء ما سبق من تهم ونظرات متأرجحة في التقييم الأخلاقي للمنافسة على صعيد المنجزات الحضارية، تمضي الصين غير مكترثة لعتاب أو وعيد من أي قبيل، بل على العكس جاهزة للردّ بحجج لا تخلو من الثقة إلى حدّ ما يراه خصماؤها من الغرب وقاحة. ولم أعد على كل حال أحسب من قبيل الوقاحة اجتراء الصين على معالم الغرب تصنعها على شاكلة هدايا تذكارية تباع في المطارات وعلى الأكشاك المتناثرة في ساحات المدن الغربية الشهيرة والأزقة المتوارية في البلدات الصغيرة هناك على السواء، فذلك يحدث بطلب متزايد من الغرب ودون حرج في الإقبال من السائح الشرقي الذي لا يزال مولعاً بسحر الغرب إلى حد الجنون.

nasdahab@gmail.com

أخبار ذات صلة المزيد من الكاتب