طارق عثمان يكتب.. سد النهضة.. ما وراء المخاوف المصرية

870

بقلم – طارق عثمان
قالت أثيوبيا على لسان المهندس كيفل هورو مدير مشروع سد النهضة إنها قد أكمات 95% من أعمال البناء في السد، كما أنها دشنت خلال اليومين الماضيين التوليد الكهربائي في التوربين الثاني الذي تبلغ طاقته التشغيلية حوالي 375 ميقاوات، وهو ما يؤكد أن سد النهضة أصبح أمرا واقعا على النيل الأزرق، بينما تظل دولتي المصب السودان ومصر في ذات الموقف، حيث أن أثيوبيا واصلت في عملية التشييد والملء والتشغيل من جانب واحد دون التوصل إلى اتفاق ثلاثي يبدد مخاوف الدولتين من الأضرار المحتملة جراء قيام السد.
وبما أن سد النهضة قد وصل مراحل تشييده النهائية على بعد كيلو مترات قليلة من الحدود السودانية الأثيوبية، وبسعة تخزينية تبلغ 74 مليار متر مكعبا وبطاقة توليد كهربائي مركبة تبلغ 6450 ميقاوات، ما يجعل من السد الأكبر في أفريقيا ومن بين أكبر 15 محطة للطاقة الكهرومائية في العالم، وبالتالي سيكون لسد بهذا الحجم تأثيرات إيجابية وسلبية على السودان .
ومؤكد أن أبرز الآثار الإيجابية المحتملة لسد النهضة على السودان تتمثل في تنظيم تدفق مياه النيل الأزرق مما يؤدي إلى تقليل الفياضات السنوية خلال موسم الأمطار وتمكين من إدارة أنظمة الري وتوليد الطاقة الكهرومائية بشكل أفضل، ما يعني أن السودان سيقوم باستغلال كامل حصته من المياه المحددة بـ (18.5) مليار متر مكعب وفق اتفاقية مياه النيل الموقعة بينه ومصر في العام 1959، والتي لا يستغل منها سوى نصفها أو يزيد قليلاً، وذلك لضيق مواعينه التخزينية، حيث يتدفق غير المستغل إلى السد العالي في مصر .
ورغم الآثار الإيجابية الأخرى لسد النهضة على السودان، إلا أن الهواجس والمخاوف تظل قائمة طالما أستمر التصرف الأحادي من جانب أثيوبيا، إذ يمثل عدم التوصل إلى اتفاق حول تبادل المعلومات بين سد النهضة والسدود السودانية أكبر المخاوف التي تؤرق السودان، إذ يهدد سلامة تشغيل منشآته المائية على النيل الأزرق لا سيما سد الروصيرص الذي يبعد كيلومترات معدودة سد النهضة، ما يتطلب معلومات تفصيلية يومية حول تصريف المياه من سد النهضة، ومن المؤكد أنها مخاوف مشروعة، باعتبار أنه دون الاتفاق بشأنها ستتحول إيجابيات السد الأثيوبي إلى مخاطر تهدد السودان .
وبالنظر إلى إيجابيات وسلبيات سد النهضة والمخاوف السودانية، يتبادر إلى الذهن السؤال حول المخاوف المصرية، وما الذي تخشاه مصر من سد النهضة، والتي تختلف بطبيعتها عن المخاوف السودانية رغم محاولة الجانب المصري ربطها مخاوف الدولتين، إذن لمصر مخاوف لكنها بالضرورة ليست مرتبطة بالمخاوف السودانية، باعتبار أن مصر ليست متضررة بشكل مباشر من سد النهضة، ففي حال تعرضت سلامة سد النهضة لأي أمر لا قدر الله، فالسودان القريب من السد هو المتضرر المباشر، ولكن تتركز المخاوف المصرية في خوفها على حصتها من المياه، وهو الأمر الذي لا يخشاه السودان، باعتبار أن السد كما أشرت أعلاه سيضمن له استغلال حصته كاملة .
وبما أن سد النهضة صمم في الأساس لتوليد الكهرباء، وأن إثيوبيا لا تستطيع استخدام مخزون المياه بسد النهضة في أي استخدامات أخرى بخلاف الكهرباء، ولا يمكنها حتى إطلاقها في أي جزء من الأراضي الإثيوبية بسبب طبيعة الأرض والتضاريس التي تمثل حاجزا طبيعيا يمنع تحويل المياه إلا من خلال النيل الأزرق، وبالتالي المياه ستظل متدفقة نحو دولتي المصب (السودان ومصر)، وهناك يبرز السؤال: لماذا تخشى أثيوبيا من سد النهضة ؟، رغم أن أثيوبيا ليس بمقدورها حجز مياه النيل الأزرق، وإلا فقدت قدرتها على إنتاج الكهرباء .
وفي اعتقادي أن مخاوف مصر الحقيقية ليست من سد النهضة بقدر ما هي مخاوف من فقدانها للمياه التي تأتيها من حصة السودان غير المستغلة التي ظلت تتدفق نحوها منذ العام 1959، وبالتالي فإن مصر لا تخشى من سد النهضة فهي تدرك أنه بات أمرا واقعا وليس بإمكانها أن وقف تشغيله، فهي قد أقرت قيامه بتوقيعها على اتفاق إعلان المبادئ في العام 2015، وبالتالي ما يقلق مصر حقيقة هو استفادة السودان من كامل حصته من مياه النيل، بحيث يوفر سد النهضة تدفقا منتظما للمياه على النيل الأزرق بما يمكن السودان من الزراعة طوال العام .
ويبقى على السودان أن يفك ارتباطه مع مصر فيما يلي سد النهضة وذلك لاختلاف المصالح، والمخاوف، وبإمكان السودان عقد اتفاق ثنائي بينه واثيوبيا على الأقل فيما يلي تبادل المعلومات والتنسيق بين سد النهضة والسدود السودانية بشأن تصريف المياه الذي ضمن سلامة منشآته، ويستطيع من خلاله برمجة منظمته المائية .
صحفي – الخرطوم
15 أغسطس 2022م

whatsapp
أخبار ذات صلة