«الخيار والفقوس» يشعل الوسط الصحفي.. من يختار الإعلاميين لتغطية فعاليات الحوار السوداني؟

46

متابعات تاق برس – أثارت مشاركة عدد من الإعلاميين القادمين من خارج السودان في فعاليات سياسية وإعلامية بالعاصمة الخرطوم، جدلاً واسعاً بين الصحفيين، على خلفية انتقادات وُجهت إلى الجهات القائمة على تنظيم الدعوات، وسط تساؤلات عن معايير اختيار المشاركين ومدى أحقية الصحفيين الموجودين داخل البلاد في المشاركة.

وتزامن الجدل مع انعقاد فعاليات مرتبطة بـلجنة تهيئة المناخ للحوار السياسي، إلى جانب ملتقى إعلامي بالخرطوم، حيث عبّر عدد من الصحفيين عبر منصات التواصل الاجتماعي عن استيائهم مما وصفوه بتجاوز إعلاميي الداخل، مقابل دعوة صحفيين وإعلاميين من خارج السودان وترتيب سفرهم وإقامتهم.

انتقادات من صحفيي الداخل

وقال صحفيون إنهم ظلوا داخل السودان منذ اندلاع الحرب، وواصلوا أداء مهامهم المهنية في ظروف أمنية بالغة التعقيد، معتبرين أن ذلك يمنحهم حقاً في الحضور والمشاركة في الفعاليات الإعلامية التي تتناول الشأن السوداني.

وتساءل آخرون عن الأسس التي يتم بموجبها اختيار الإعلاميين، وما إذا كانت الخبرة والتخصص والتاريخ المهني هي المعايير الرئيسية، أم أن اعتبارات أخرى تتدخل في عملية الاختيار.

وتداولت منصات التواصل الاجتماعي كذلك معلومات عن توفير تذاكر سفر ونثريات وإقامة لبعض الإعلاميين القادمين من الخارج، فيما لم يتسنَّ التحقق بصورة مستقلة من تفاصيل هذه الترتيبات أو الجهة التي تولت تنظيمها.

علاء الدين محمود: هل تتعارض المشاركة مع استقلال الصحفي؟

وفي سياق النقاش، انتقد الصحفي علاء الدين محمود ما اعتبره انتظار بعض الصحفيين دعوات من الجهات السياسية للمشاركة في فعالياتها.

وتساءل محمود، في منشور له، عن سبب رغبة الصحفي في المشاركة في لجان الحوار والتفاوض، قائلاً إن مهمة الصحفي الأساسية هي العمل المهني ونقل المعلومات، وليس الانخراط في أعمال اللجان السياسية.

كما طرح تساؤلات حول انتظار الصحفي دعوة من الحكومة أو المعارضة أو الحركات المسلحة للمشاركة في فعالياتها، وعن مدى قبول حصول الصحفي على تذاكر السفر والإقامة والإعاشة من جهة سياسية أو منظمة مرتبطة بفعالية سياسية.

ورأى محمود أن الأصل أن تكون المؤسسة الصحفية التي يعمل بها الصحفي هي الجهة التي تتولى الإنفاق على عمله، بما يحافظ على استقلاليته المهنية ويجنب الصحفي الوقوع في تضارب المصالح.

صباح أحمد: «الخيار والفقوس» يتجاوز فعالية واحدة

من جانبها، انتقدت الصحفية صباح أحمد الخضر ما وصفته بسياسة «الخيار والفقوس» في اختيار الصحفيين للمشاركة في الفعاليات.

وقالت صباح أحمد إن احتجاج بعض الصحفيين على تجاوزهم في الدعوات أمر مشروع، لكنها رأت أن المفارقة تكمن في رفض الإقصاء عندما يقع على الصحفي، بينما قد يمارس الصحفي نفسه السلوك ذاته تجاه زملائه عندما تتاح له فرصة الاختيار.

وأضافت، في منشور لها، أن ما وصفته بالإقصاء أصبح، بحسب تجربتها، ممارسة متكررة في الوسط الصحفي، مشيرة إلى أن اختيار المشاركين في بعض الفعاليات قد يخضع للعلاقات الشخصية والشلليات ومنطق «زولي وزولك»، بعيداً عن الخبرة والكفاءة المهنية.

تجربة مهنية في مواجهة التهميش

وأشارت صباح أحمد إلى أن مسيرتها الصحفية تمتد لأكثر من 25 عاماً، وقالت إنها تعرضت، رغم ذلك، لحالات من التهميش وعدم الدعوة إلى بعض الفعاليات والتغطيات.

وساقت الصحفية تجربتها في ولاية نهر النيل، قائلة إنها لم تتلقَّ خلال ثلاث سنوات دعوات من جهات عديدة للمشاركة في فعاليات أو تغطيات، بينما ظل جزء من النشاط الإعلامي، بحسب وصفها، محصوراً في أسماء ومجموعات محددة.

كما تحدثت عن زيارات قامت بها إلى بورتسودان قبل عودة الحكومة إلى الخرطوم، وقالت إنها حاولت الوصول إلى مسؤولين لإجراء لقاءات صحفية، لكنها واجهت صعوبات ربطتها بما وصفته بالعلاقات واللوبيهات التي تتحكم في الوصول إلى المسؤولين.

ورأت أن المشهد في الخرطوم لا يختلف كثيراً، معتبرة أن المشكلة ليست مرتبطة بمدينة أو جهة بعينها، وإنما بعقلية ترى أن العلاقات الشخصية والمجموعات تحدد في بعض الأحيان من يُدعى ومن يُستبعد.

صحفيو الداخل في مواجهة «إعلاميي الخارج»

وأعاد الجدل طرح قضية تمثيل الصحفيين الموجودين داخل السودان، خصوصاً الذين واصلوا العمل خلال سنوات الحرب، في الفعاليات التي تُعقد بالعاصمة.

ويرى منتقدون أن تجاهل هؤلاء الصحفيين، إن ثبت، يثير تساؤلات مهنية، خاصة أن بعضهم ظل يعمل ميدانياً في ظروف خطرة، في حين يتم استدعاء إعلاميين من الخارج للمشاركة في فعاليات داخل البلاد.

في المقابل، يرى اتجاه آخر أن مكان إقامة الصحفي لا ينبغي أن يكون المعيار الوحيد للاختيار، وأن الأهم هو التخصص والخبرة والقدرة على التغطية، إلى جانب ضرورة الحفاظ على استقلال الصحفي وعدم ربط مشاركته بمواقف سياسية محددة.

بين الدعوة والحياد المهني

وأثار النقاش أيضاً سؤالاً حول العلاقة بين الصحفي والجهات السياسية، وما إذا كان حصول الصحفي على تذاكر سفر أو إقامة أو نثريات من الجهة المنظمة لفعالية سياسية يمكن أن يؤثر على استقلالية تغطيته.

ويرى مؤيدو هذا الطرح أن استقلال الصحافة يتطلب وجود مسافة واضحة بين الصحفي والجهة السياسية، وأن تمويل المؤسسة الإعلامية لعمل صحفييها هو الخيار الأكثر ضماناً للاستقلالية.

بينما يرى آخرون أن توفير التسهيلات اللوجستية للصحفيين المشاركين في الفعاليات لا يعني بالضرورة فقدانهم للاستقلالية، ما دامت التغطية نفسها مهنية ومستقلة، وما دامت ترتيبات المشاركة معلنة وواضحة.

الحاجة إلى معايير معلنة

ومع استمرار الجدل، تتزايد الدعوات إلى وضع معايير واضحة وشفافة لاختيار الصحفيين المشاركين في الفعاليات السياسية والإعلامية، بما يضمن عدم احتكار الدعوات من قبل أسماء أو مجموعات محددة.

كما يطرح النقاش ضرورة تحقيق التوازن بين الصحفيين الموجودين في الداخل والخارج، مع مراعاة الخبرة والتخصص والتجربة الميدانية، بعيداً عن العلاقات الشخصية أو الاصطفافات.

وفي خضم هذا الجدل، تبرز قضية أوسع تتعلق بمستقبل المهنة في السودان: هل يستطيع الوسط الصحفي تجاوز منطق «زولي وزولك» ووضع معايير مهنية تضمن العدالة في الفرص، وتحافظ في الوقت ذاته على استقلال الصحفي ومصداقية الإعلام؟

وترى صباح أحمد أن الإجابة تبدأ من داخل الوسط الصحفي نفسه، مؤكدة في ختام منشورها أن «الإقصاء يظل إقصاءً.. سواء جاء من الخارج أو مارسناه نحن في الداخل».

whatsapp
أخبار ذات صلة