تعطل «بنكك» يربك الأسواق ويضع المواطنين أمام أزمة سيولة

84

متابعات تاق برس – تحولت أزمة تعطل تطبيق «بنكك» في السودان من عطل في خدمة مصرفية إلكترونية إلى أزمة تمس تفاصيل الحياة اليومية، بعدما وجد مواطنون أنفسهم غير قادرين على الوصول إلى أموالهم أو إتمام التحويلات اللازمة لشراء الغذاء والدواء والوقود، في ظل شح متواصل في النقد الورقي.

ومنذ اتساع نطاق الأعطال، أصبح سؤال «عندكم كاش؟» يتردد في الأسواق ومحطات الوقود، بعدما توقفت معاملات كانت تُنجز عبر الهاتف خلال ثوانٍ. ومع اعتماد شريحة واسعة من المواطنين والتجار على التحويلات الإلكترونية، أدى توقف الخدمة إلى إبطاء حركة البيع والشراء وتعطيل معاملات مالية متعددة.

وتظهر المشكلة بصورة أكبر لدى الأشخاص الذين لديهم أرصدة مصرفية، لكنهم لا يستطيعون استخدامها بسبب تعذر الدخول إلى التطبيق أو إتمام التحويلات. وتظهر للمستخدمين رسائل تفيد بعدم إمكانية تنفيذ العملية في الوقت الحالي، فيما تتكرر محاولات الدخول والتحويل دون نتيجة واضحة.

أزمة تمتد إلى الغذاء والدواء والوقود

لم يعد تأثير تعطل التطبيق مقتصراً على المعاملات المصرفية، إذ امتد إلى السلع والخدمات الأساسية. ففي الأسواق، واجه مواطنون صعوبة في دفع قيمة مشترياتهم، بينما اضطر بعض أصحاب المتاجر إلى رفض البيع بالتحويل الإلكتروني إلى حين استقرار الخدمة.

كما انعكس العطل على محطات الوقود، مع تزايد الاعتماد على النقد المباشر في وقت يعاني فيه المواطنون من صعوبة الحصول عليه. وأدى ذلك إلى زيادة الازدحام وتعطيل بعض المعاملات المرتبطة بالنقل والتنقل.

وتصبح تداعيات الأزمة أكثر حدة بالنسبة إلى الأسر التي تحتاج إلى شراء أدوية أو سداد التزامات عاجلة، إذ إن وجود الأموال في الحساب المصرفي لا يعني بالضرورة القدرة على استخدامها في ظل تعطل الوسيلة الإلكترونية التي تتيح الوصول إليها.

الثقة تتحول إلى وسيلة للدفع

في الأحياء والأسواق الصغيرة، لجأ بعض المواطنين إلى الاعتماد على علاقاتهم الشخصية مع أصحاب المتاجر للحصول على احتياجاتهم وتأجيل السداد إلى حين عودة الخدمة.

ويحصل بعض الزبائن على الخبز والمواد الغذائية وغيرها من الاحتياجات الأساسية على الحساب، على أن تتم عملية الدفع لاحقاً، بينما يرفض تجار آخرون هذا الأسلوب لعدم وجود ضمانات كافية، خصوصاً مع الأشخاص الذين لا تربطهم بهم معرفة سابقة.

وبذلك أصبحت الثقة الشخصية، في بعض الحالات، بديلاً مؤقتاً عن أنظمة الدفع الإلكترونية، لكنها تظل حلاً محدوداً لا يمكن تعميمه على جميع المعاملات.

بدائل محدودة أمام المستخدمين

دفع تعطل «بنكك» بعض المواطنين إلى البحث عن تطبيقات مصرفية وخدمات دفع إلكترونية أخرى، إلا أن البدائل لم تتمكن في جميع الحالات من سد الفراغ الناتج عن توقف الخدمة الرئيسية.

وفي بعض المناطق، زاد الاعتماد على تطبيقات أخرى لإتمام التحويلات، بينما لجأ آخرون إلى الدفع النقدي أو تأجيل المعاملات. لكن محدودية السيولة وانتشار الاعتماد على «بنكك» جعلا الانتقال إلى البدائل أمراً غير سهلاً بالنسبة إلى كثير من المستخدمين.

كما أن بعض التجار، خصوصاً في معاملات الجملة، يفضلون النقد المباشر، الأمر الذي يجعل تعطل التحويلات الإلكترونية أكثر تأثيراً في سلسلة البيع والشراء بأكملها.

أزمة السيولة تزيد المشكلة

تزامن تعطل الخدمة مع استمرار مشكلة شح النقد الورقي، ما جعل المواطنين أمام خيارات محدودة: الانتظار حتى عودة التطبيق، أو البحث عن النقد، أو اللجوء إلى بدائل إلكترونية قد لا تكون متاحة لجميع الأطراف.

وفي بعض الحالات، يلجأ أصحاب الأموال الموجودة في الحسابات إلى وسطاء أو تجار للحصول على السيولة مقابل خصم نسبة من المبلغ، وهو ما يضيف تكلفة جديدة على المعاملات ويزيد الأعباء على المواطنين.

وهكذا أصبح العطل التقني مرتبطاً مباشرة بمشكلة السيولة، فتحولت مشكلة الوصول إلى تطبيق مصرفي إلى عائق أمام الحصول على الاحتياجات الأساسية.

لماذا أصبح «بنكك» بهذه الأهمية؟

منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، تغيرت طبيعة التعاملات المالية في السودان بصورة كبيرة، مع تراجع توفر النقد وصعوبة الوصول إلى عدد من الفروع المصرفية، ما دفع المواطنين والتجار إلى الاعتماد بصورة متزايدة على الخدمات المصرفية الرقمية.

وفي هذا السياق، أصبح «بنكك» جزءاً أساسياً من دورة الحياة الاقتصادية اليومية، سواء في تحويل الأموال بين الأفراد، أو دفع قيمة المشتريات، أو سداد الخدمات والالتزامات.

لذلك فإن توقف التطبيق لا يؤثر على مستخدميه باعتباره خدمة مصرفية فقط، وإنما ينعكس على سلسلة واسعة من الأنشطة التي تعتمد عليه كوسيلة للدفع والتحويل.

صمت رسمي يضاعف حالة القلق

وفي مقابل اتساع شكاوى المستخدمين وتزايد تأثير العطل على الأسواق والمعاملات اليومية، يبرز غياب المعلومات الرسمية الواضحة بشأن أسباب المشكلة وموعد عودة الخدمة بصورة مستقرة.

ويبحث المستخدمون عن إجابات تتعلق بطبيعة الخلل، وما إذا كان العطل مؤقتاً أم مرتبطاً بمشكلة تقنية أوسع، إضافة إلى الجدول الزمني المتوقع لاستعادة الخدمة بصورة كاملة.

ومع غياب توضيح رسمي كافٍ، تزداد حالة عدم اليقين بين المواطنين والتجار، خصوصاً أن الأموال الموجودة في الحسابات لا يمكن الاستفادة منها بسهولة في حال تعذر الوصول إليها عبر التطبيق.

من عطل تقني إلى أزمة معيشية

تكشف أزمة «بنكك» حجم الاعتماد الذي نشأ خلال السنوات الماضية على المدفوعات الإلكترونية، كما تكشف في الوقت نفسه هشاشة النشاط الاقتصادي عندما تتوقف إحدى الأدوات الرئيسية التي يعتمد عليها المواطنون والتجار.

فالمشكلة لم تعد مرتبطة بقدرة المستخدم على تسجيل الدخول أو إجراء تحويل مالي، بل أصبحت مرتبطة بقدرته على شراء الطعام، الحصول على الدواء، دفع أجرة المواصلات، شراء الوقود، أو إتمام معاملاته التجارية.

ومع استمرار شح النقد، وعدم وضوح موعد استقرار الخدمة، يبقى المواطن بين خيار الانتظار لعودة «بنكك» أو البحث عن بدائل محدودة، فيما تظل الأسواق تتحمل تبعات تعطل وسيلة دفع أصبحت جزءاً رئيسياً من النشاط الاقتصادي اليومي في السودان.

وتضع الأزمة السلطات والجهة المصرفية المقدمة للخدمة أمام تساؤلات متزايدة بشأن استمرارية الخدمات المالية الرقمية، وقدرتها على توفير بدائل فعالة عند حدوث الأعطال، وضرورة تقديم معلومات واضحة للمستخدمين حول أسباب التوقف والإجراءات المتخذة لمعالجته.

whatsapp
أخبار ذات صلة